.

فى سد النهضة الإثيوبى.. فيه حاجة اسمه مصرى وحاجة اسمه سودانى

Foto

لماذا تسعى السودان الآن إلى التقارب من إثيوبيا؟ هل باتت الحلول العملية لأزمة سد النهضة مستحيلة؟ لماذا لم تستطع الولايات المتحدة أن تتدخل فى حل الأزمة حتى الآن؟


المباحثات معطلة على خلفية كيفية التعامل مع تأثير سد قدره ٥ مليارات دولار، قد يهدد شريان حياة مصر.
تمتد مشاحنة دبلوماسية بين مصر والسودان إلى الخلاف طويل الأمد حول السد الذى تبنيه إثيوبيا على نهر النيل، وتراه القاهرة تهديدًا وجوديًّا.
 
حذر السودان رسميًّا، يوم الخميس، من التهديدات لحدوده الشرقية من احتشاد القوات المصرية والإرترية، بينما تحركت مصر أيضًا داخل مثلث من الأراضى، تزعم كل من القاهرة والخرطوم أحقيتها فيه. وفى وقت متأخر من الأسبوع الماضى استعاد السودان سفيره لدى مصر بشكل مفاجئ، ما مثَّل الفصل الأحدث فى المشاجرة التى بدأت الصيف الماضى بمقاطعات تجارية، واحتدّت فى الأسابيع الأخيرة.
 
وفى قلب المسألة نجد أن العلاقات السيئة جزء من صراع إقليمى أوسع يضع مصر والسعودية ودولاً أخرى فى مواجهة ما يرونه تدخلاً تركيًّا فى المنطقة، فقد دعمت أنقرة قطر فى معركتها الدبلوماسية مع دول خليجية أخرى، والآن تقفز مباشرةً فى البحر الأحمر، ما يجعل مصر متوترة بشكل متنامٍ. وغضبت القاهرة، خصوصًا عندما زار الرئيس التركى رجب طيب أردوغان السودان فى ديسمبر ٢٠١٧، وحصل على حق إدارة جزيرة سواكن، وهى ميناء فى البحر الأحمر، ما أثار المخاوف من احتمال أن تبنى أنقرة قاعدة عسكرية هناك.
 
وهذا الشجار الدبلوماسى يزيد من صعوبة التعامل مع مشكلة أخرى قابلة للانفجار فى العلاقة، وهى دعم السودان لتشييد إثيوبيا سدًّا عملاقًا قدره ٥ مليارات دولار، على نهر النيل، والذى قد يخنق إمدادات المياه للمصب. وقد وصف الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى السد بأنه «مسألة حياة أو موت».
 
وتقول كلسى ليلى، المدير المشارك لمركز إفريقيا بالمجلس الأطلنطى، إن جميع المنافسات الإقليمية حول البحر الأحمر متشابكة «ولكن السد فى حد ذاته مهيج بين الدول الثلاث».
 
وبينما تصارعت الدول الثلاث بشأن السد لسنوات، فالعداء بين مصر والسودان يتصاعد سريعًا.
 
يقول ستيفن كوك، خبير شمال إفريقيا والشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية: «التوترات جلية وحقيقية وأكثر مما كانت، والأمور فى طريقها نحو أزمة».
 
وقد عزز الخلاف الأوسع تجميد المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول كيفية إدارة تأثير السد، بينما يأزف الوقت. لقد تم اكتمال ٦٠٪ من السد، وربما تستطيع إثيوبيا ملء الخزان هذا الصيف، ما يترك مجالاً محدودًا من الوقت لإيجاد حلول عملية.
 
وقالت دكتورة آنا كاسكاو، خبيرة السياسات المائية لنهر النيل، والتى كتبت كثيرًا عن السد: «ينبغى أن يمثل هذا صرخة يقظة سياسية لتحرك فورى نحو صناعة قرار مشترك بشأن مسألة الملء، لأن ٢٠١٩ سيكون عامًا حاسمًا».
وكان سد على رأس النيل الأزرق فى المرتفعات الإثيوبية حلمًا منذ الستينيات. ولكن فقط فى ٢٠١١، عندما هزت مصر بـ«الربيع العربى» وكانت تواجه اضطرابات محلية، قررت إثيوبيا بشكل أحادى البدء فى العمل على سد النهضة الإثيوبى الكبير، أكبر مشروع كهرومائى فى إفريقيا.
 
ومنذ ذلك الحين ومصر مذعورة من التأثيرات المحتملة، فالسد، وهو مشروع طاقة عملاق على رأس النيل الأزرق يستهدف تلبية احتياجات إثيوبيا من الطاقة، سيحتجز خلف حوائطه الأسمنتية عامًا كاملاً من جريان النهر. وبناءً على سرعة ملء إثيوبيا للخزان، قد يتم تقييد التدفقات نحو المصب لمصر، ما يمثل تهديدًا قاتلاً محتملاً لدولة تعتمد على الزراعة، وتواجه أصلاً عجزًا مائيًّا حادًّا.
 
وقد تختار إثيوبيا أن تملأ الخزان ببطء خلال فترة قد تصل إلى ١٥ عامًا، الأمر الذى قد يقلص من أى تأثيرات فى المصب، على الرغم من أن ذلك قد يؤخر الاستفادة من السد. ولكن تقول ليلى إن إثيوبيا، التى هزّها عام من الاحتجاجات على الحكومة، بدأت فى أغسطس ٢٠١٦، وأدت إلى حالة طوارئ مدتها ١٠ أشهر، على الأرجح لن تستطيع الانتظار كل هذا الوقت، إذ تقول: «حكومة إثيوبيا فى حاجة إلى فوز».
 
ودفع السد بالحديث حول تصرف عسكرى مصرى، عام ٢٠١٣، بينما هدد الرئيس المصرى -آنذاك- محمد مرسى بأن «دماؤنا هى البديل» إذا تم تعطيل تدفق النهر. وهذا الأسبوع تعهد السيسى بحماية حصة مصر فى مياه نهر النيل فى أثناء إعلانه عن خطة مصرية قدرها ٤ مليارات دولار لبناء محطة تحلية مياه لتوفير المياه العذبة.
 
وبدا أن الدول الثلاث قد حلت الأمور عام ٢٠١٥ باتفاق حول كيفية إدارة المشروع، ولكن منذ ذلك الحين عجزوا عن الاتفاق حتى حول كيفية تقييم آثار السد.
 
والآن تهدد المشاجرة المتصاعدة بين مصر والسودان بنسف التعاون. وأفاد الإعلام الإثيوبى فى مطلع يناير أن مصر سعت إلى تهميش السودان من المحادثات حول السد، وعلى الرغم من إنكار مصر لهذه التقارير، فالفكرة ذاتها أثارت السودان.
 
ودور السودان حاسم لأنه فى وسط مصر وإثيوبيا جغرافيًّا وسياسيًّا، ولطالما تقاسمت مصر والسودان مياه النيل بينهما وفقًا لبنود اتفاق يعود إلى عام ١٩٥٩، والذى لا يشمل إثيوبيا. وباستخدامه كمية أقل من مياه نهر النيل المخصصة له، سمح السودان لسنوات بتدفق كمية أكبر للمصب نحو مصر، التى استخدمت كمية أكبر من حقها. ولكن فى السنوات الأخيرة، سعى السودان إلى زيادة استخدامه لمياهه، مستهدفًا تعزيز قطاعه الزراعى، ولأنه يأمل فى استخدام السد للرى، تحرك السودان بالقرب من إثيوبيا، وأصبح داعمًا للمشروع. وتقول كاسكاو إن ذلك يجعل معاداة الخرطوم مناورة خطيرة لمصر، إذ تقول: «إذا خسرت مصر السودان -الدولة الوحيدة التى يربطها بها اتفاق حول توزيع المياه، والدولة المشاطئة لنهر النيل الوحيدة القادرة على تشكيل تهديد كبير على جريان المياه للمصب، نظرًا لإمكاناتها العالية فى الرى- فهذا خطر جدًّا على مصر».
 
ولم يستجب المسؤولون فى سفارات مصر وإثيوبيا والسودان لطلبات التعليق.
 
ويقول ستيفن كوك إنه على الرغم من أن الأمر يختمر لسنوات، فقد تجنبت مصر التعامل مع الآثار طويلة الأمد للمشروع، والتى لا مفر منها، واكتفت بالتشبث باتفاقية عمرها عقود، تمنحها نصيب الأسد من موارد النيل. ويقول إن مصر أصلاً تواجه عجزًا مائيًّا وإنها قد تواجه قريبًا «ندرة مياه مطلقة»، مضيفًا: «مصر ليس لديها استراتيجية، ومن المقلق أن تكون خلاصة قولهم (أعطونا المياه)».
 
ولزيادة الطين بلةً، يقول كوك إن الولايات المتحدة، التى لا تزال مثقلة بالكثير من المواقع الخالية فى وزارة الخارجية، لم تستطع التوسط فى الخلاف، إذ قال: «لا توجد مرجعية فى الغرفة».
 
وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية: «نحن قلقون بشأن زيادة التوترات حول نهر النيل، ومستمرون فى حَثّنا للدول على إيجاد طريق تعاونى نحو الأمام بشأن سد النهضة الإثيوبى الكبير».
 
ولكن ربما يجدون أنه من الصعب إيجاد طريق تعاون نحو الأمام فى المستقبل القريب، فمن المقرر عقد الانتخابات الرئاسية المصرية فى مارس، ما يترك للقاهرة مساحة صغيرة للمناورة فى الوقت الحالى حول تنازلات سياسية فى أمر حسّاس كهذا.
 
كيث جونسون
ترجمة: أميرة جبر
نقلاً عن مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية، فى 11 يناير 2018

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات