.

المعارضون السياسيون للنبى

Foto

كيف امتنع القرشيون عن الديمقراطية بعد وفاة الرسول؟ كيف اعترض عمر بن الخطاب على الرسول فى صلح الحديبية؟


نستهدف التأمل فى السلوك النبوى المحمدى، لما فيه من القدوة والأسوة الحسنة للمسلمين، فقد كان النبى رحمة لكل البشر، كما جاء فى سورة الإسراء «107»: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، والرحمة هنا أنه رحيم بالضعف البشرى، وأن سلوك الأنبياء لابد أن يكون مثاليًّا، وإلا انتفت القدوة، ولقد قال النبى فى حديث صحيح: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون»، وهو ما يتفق والروح الدينية للنبى والدعوة، والقرآن الكريم يخاطب النبى فى سورة القلم «4»: «وإنك لعَلى خلق عظيم»، والخلق العظيم لا يسب ولا يلعن ولا يضيق بالرأى الآخر المعارض، فمثلًا عندما حاصر النبى مدينة الطائف وطال الحصار، طلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف، فقال النبى: «اللهم اهد ثقيفًا وأْتِ بهم»، وفى صحيح مسلم أنه قال ردًّا على مَن طلب منه الدعاء على المشركين: «إنى لم أُبعث لعّانًا وإنما بُعثت رحمة»، فالرحمة دائمًا ما تسبق الخطأ، بل وتسبق العدالة، لأن الرحمة بالبشر عنوان الضمير الإنسانى، وفى هذا المقام يتسع القول، وتتسع أفق المعرفة الإنسانية بكل صورها.

والرحمة تقودنا إلى الحديث عن السلوك السياسى للرسول محمد، عليه السلام، فلم يكن يضيق بالمعارضة السياسية، فضلًا عن العسكرية، خصوصًا فى فترة التمكن بعد إقامة دولة إسلامية فى يثرب.
ونكتب عن بعض نماذج محمدية فى هذا الشأن، أولًا كانت حركة المؤاخاة بين المهاجرين القرشيين والأنصار اليثربيين سلوكًا اجتماعيًّا وسياسيًّا باهرًا، أدَّت إلى تماسك اجتماعى دينى فى العاصمة الجديدة، ولكنَّ القرشيين بعد وفاة النبى منعوا الأنصار من حكم الولايات أو قيادة الجيوش، واكتفى الأنصار بالروح الدينية التى تغلغلت فى قلوبهم، فكانوا خير دعاة للدين الجديد.
وعندما نعود إلى المعارضة السياسية أو العسكرية للنبى، نجد مثلًا فى موقعة بدر كماء جاء بالسيرة النبوية لابن هشام وغيرها من كتب التاريخ، أن النبى اختار مكانًا فى ساحة معركة بدر الكبرى، ولكن الحبّاب بن المنذر الأنصارى اعترض على المكان، وصرّح بالرأى العسكرى المعارض، فقال: «يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأى والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم، فننزله..»، فتنازل الرسول عن رأيه واستحسن رأى الحبّاب ولم يستنكف أن يأخذ به، وتحقق النصر فى بدر، وهو ما تكرر فى موقعة الأحزاب، عندما قاد التحالف الخليجى القديم الحصار ليثرب مدينة الرسول، للقضاء على الدعوة من جذورها، فجمع النبى أصحابه ليستشيرهم فى كيفية الدفاع عن المدينة وصد الأعداء، فأشار عليه سلمان الفارسى بحفر الخندق، حيث قال: يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فوافق النبى على الخطة، وتعثر موقف التحالف المشرك، ولم يقُل أحد لا من الصحابة ولا من الأعداء إن النبى أخذ بسُنة غير إسلامية، أو حتى عربية، فالخطط العسكرية والسياسية تخضع لقوانين تتغيَّر حسب تطور البشرية، وهو ما يخضع للرؤى السياسية والاقتصادية.
ولقد كان عبد الله بن أبى بن سلول سيد قبيلة الخزرج، وهو الذى خاض صراعًا مريرًا علنيًّا فى قليل من الأحيان وسريًّا فى أحايين كثيرة مع النبى، ولم يتعرض له النبى، حتى عندما انسحب بثُلث الجيش فى معركة أُحد، فحاقت الهزيمة بالمسلمين، رغم أن النبى كان لا يريد الخروج إلى المعركة، ولكن الصحابة أشاروا عليه باللقاء عند جبل أُحد، ولما توفِّى صلَّى عليه الرسول، فقال له عمر بن الخطاب: «لِمَ صليت عليه يا رسول الله؟ قال: لقد خُيرت فاخترت»، وفى موقعة تبوك، لم يجبر الرسول أحدًا على الخروج، وقبل اعتذار كل مَن تخلَّف، إلا ثلاثة نفر كلهم من الأنصار، أهل المدينة، وهم: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، اعترفوا بذنبهم ولم يقدموا أى عذر، فتركهم النبى للتوبة التى تقبلها الله منهم، كما جاء حديثهم فى سورة التوبة.
أما أخطر وأشهر معارضة سياسية فكانت من عمر بن الخطاب لمعاهدة وصلح الحديبية، حيث اعترض على بنود الاتفاقية كلها، فعندما بعث أهل مكة إلى النبى بوفد يرأسه سهيل بن عمرو العامرى، طلبوا منه أن يرجع فى هذه المرة من حيث أتى، على أن يتركوا له مكة فى العام القادم ثلاثة أيام، وقد اشترطوا عليه شروطًا قاسية قبلها رسول الله، لاقتضاء المصلحة السياسية، حيث يظل المسلمون عشر سنوات لا يتعرض لهم أحد من أهل الجزيرة، وهو صلح سياسى بحت، ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبى، وعارضوه فى ذلك معارضة شديدة، وجاء عمر بن الخطاب كما جاء فى صحيح البخارى وسنن ابن ماجه، قال: فقال عمر: «ألست نبى الله حقًّا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال عمر: فلِمَ نعطى الدنية فى ديننا إذن؟ قال رسول الله: إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنّا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قال عمر: لا، قال النبى: فإنك آتيه ومطوف به، ثم أتى عمر بن الخطاب إلى أبى بكر فقال: يا أبا بكر أليس هذا نبى الله حقًّا؟ قال: بلى، ثم سأله عمر نفس الأسئلة التى سألها رسول الله، وأجابه أبو بكر بنفس الأجوبة، قائلًا له: أيها الرجل، إنه لرسول الله وليس يعصى ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، ولما فرغ رسول الله من كتاب الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدًا منهم بشىء حتى نحر بدنه بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا..».
هذا ما حدث فى معاهدة الحديبية التى نقضها المشركون فى ما بعد، ولكن المؤكد أن النبى ترك عمر بن الخطاب ومَن اتفق معه فى الرأى أحرارًا، لا لوم ولا عتاب، سواء من الوحى الإلهى أو من النبى البشر، وعندما نكتب عن مثل هذا السلوك السياسى للنبى، فإننا ندعو من جانب أن السيرة النبوية يمكن القول إنها أفضل السير الديمقراطية بالمصطلح المعاصر، أو بالشورى الملزمة بالمصطلح الإسلامى، وهى الشورى التى لم يطبقها الحكّام عبر العصور، وهو ما نريد أن نتخذ من سلوك النبى محمد القدوة الحسنة، إذا كان لنا قلوب، أو ألقينا السمع ونحن شهداء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات