.

البحث عن الإنسانية المفقودة فى قاعة صلاح عبد الصبور

Foto


«لقد انقلب العالم كله رأسًا على عقب، وإنها لَمعجزة والحق يُقال، معجزة حقيقية أن العالم لم يسقط على رؤوسنا منذ زمن بعيد، لقد أقبلتم من هذا الطريق وعلينا أن نسير إلى الأمام أزمنة إثر أزمنة. أما أنتم فعودوا إلى منازلكم، مع أن نهاية المسرحية لم تُكتَب بعد».

بهذه الكلمات اختصر الكاتب الأمريكى ثورنتون وايلدر مسرحيته المثيرة للاهتمام «نجونا بأعجوبة»، التى تبدأ أحداثها مع الانفجار الكونى وبداية الحياة فوق الأرض، ليتنقل بنا بين أكثر من زمن ويؤكد فى تجربته أن الإنسانية مُحمَّلة بأوزار الحروب والتخلف والتعصب والجهل والغضب، وأن مصائبنا وكوارثنا كانت من صنع أيدينا نحن، بينما وقفنا نشاهد ما يجرى من حولنا حتى استفحل الأمر، غير أننا فى النهاية «نجونا بأعجوبة».
وبعد مرور سنوات طوال على كتابة النص الأصلى وجد المخرج السعيد منسى، والكاتب سامح عثمان فى ما كتبه «وايلدر» ما يصلح لتقديمه على خشبة المسرح فى 2018، فلا جديد طرأ على مجتمعاتنا ولا نحن نجونا من الفخاخ التى صنعناها بأنفسنا، وكنا أول ضحاياها.
فى قاعة صلاح عبد الصبور بمسرح الطليعة، يقام هذا العرض المثير للاهتمام «يوتيرن»، والذى حقق نجاحًا غير متوقع فى أيامه الأولى، أجبر إدارة المسرح على مد عرضه إلى 15 يومًا.
يطرح العرض الكثير من التساؤلات، معتمدًا على شفرات ودلالات متراكمة ومتراكبة، إذ يبدأ العرض بحديث لـ3 من المذيعين يلعبون أدوارًا عدة، فتارة هم رواة الحدث وتارة يشاركون فيه كجزء أصيل من اللعبة.
من هؤلاء نندفع باتجاه الأسرة التى يدور حولها العمل، والتى تختصر الإنسانية فى نماذجها المتناقضة الساعية وراء التمسك بالحياة رغم قسوة الكوارث التى تحيط بها من كل الاتجاهات وتكاد تقضى عليهم. الأسرة مجتمعة فى بيت واحد فى انتظار مرور العاصفة الثلجية. تربى الأسرة ديناصورًا و«ماموث» كحيوانات أليفة، وبوصول رب البيت يصل الضيوف، وهم مجموعة من اللاجئين جاؤوا إلى البيت للحصول على الدفء، وأمام طمعهم وهمجيتهم يطلب منهم مالك البيت الرحيل.
هناك أيضًا الابن «قابيل» الذى يمارس فعل القتل عبر الأزمنة، ويعانى اللعنة بسبب جريمة ذبح شقيقه، وهى دلالة واضحة لا تحتاج إلى تفسير. أما الابنة فهى مهتمة بمساحيق التجميل لتخفى عيوبها الظاهرة.
تمر الأحداث وتنجو الأسرة من العاصفة الجليدية، وبعدها نراها وهى تشارك فى مؤتمر للحيوانات الثديية، بينما أصبح الأب رئيسًا لجماعة الثدييات، محاولًا تجاوز الطوفان القادم بطلب القفز فوق الخلافات والبحث عن نقاط اتفاق تتوحد خلفها الإنسانية.
وكالعادة أيضًا، ينجو الجميع من الطوفان، ونأتى إلى فترة أخرى ينتظر فيها الكل الموت فى مواجهة مخاطر الحرب، وهكذا حتى نصل فى النهاية إلى الحل بالدعوة إلى خلق عالم جديد تزيح عنه الإنسانية ثوب العنف والغباء والقسوة والجحود والعقوق، ونخلع على أنفسنا رداء التحرر من الجمود، والبحث عن آفاق أخرى للمعرفة وسبل جديدة للحياة.
نجح السعيد منسى بذكاء وخبرة كبيرة، ومعه مهندس الديكور محمود الغريب فى أن يصيغا تلك المفردات والمعطيات المتشابكة برؤية تشكيلية باهرة، تحيلنا منذ اللحظة الأولى للعرض إلى هذا الجمود الذى يكسو العالم، فكل شىء من حولنا ناصع البياض، ثابت وجامد، بينما اتخذت الأسرة من البيت الذى جاء على شكل سفينة ملاذًا يقودهم إلى بر الأمان، رغم التفكك والتشقق الذى سيطر على الأرضية التى يقفون عليها، وأمام البيت ظهرت تلك الخيوط العنكبوتية الواهية، التى يمكنها أن تسقط مع أول نسمة هواء، فهى تارة تغلق وتحكم شرنقتها على الجميع، وتارة أخرى تثبت أنها غير قادرة على حمايتهم من الأخطار التى تنتظرهم، ذلك أن الخلاص يأتى من خلال الإنسان نفسه، بالتخلص من حماقاته وسخافاته وأخطائه وخطاياه. كذلك اعتمد العرض على إبراز فكرة الانتظار فى مواجهة القادم، مع التكثيف الشديد فى الحوار، ليتنقل بنا بين الأزمنة المختلفة سواء عن طريق الإضاءة أو تغيير الملابس أو حتى أغنية شهيرة لمايكل جاكسون، مستخدمًا مفردات بسيطة تفسر وتبرز الرؤية دون الوقوع فى فخ الخطابة والطرح المباشر.
أداء الممثلين أسهم فى التخلص من حالة الملل التى كانت يمكن أن تسيطر على العرض بسبب حالة الموات المهيمنة على الحدث، فتألق شريف خير الله فى دور الزوج، وهايدى عبد الخالق فى دور الزوجة، وسوزان مدحت فى دور العرّافة، كذلك الثلاثى النشط فى مواجهة حالة الجمود «ميشيل ميلاد وريتا هانى وإسلام علِى»، أما ريهام أبو بكر فى دور الخادمة، ونرمين نبيل فى دور الابنة، وهشام فهمى فى دور الابن، فقد جاء أداؤهم باهتًا بلا روح.
الإضاءة لعبت دورًا بارزًا فى تفسير حالات التشويش والصراع والجمود والأخطار التى تواجهها الأسرة، وهو نفس ما قدمته الموسيقى والملابس، أما الدراما الحركية المقدمة فقد جاءت مناسبة فى بعض الأحيان كما حدث فى بداية العرض حين صوّرت صراع قابيل وهابيل، بينما جاءت ضعيفة فى مناسبة أخرى كما الحال مع أغنية مايكل جاكسون، خصوصًا أن الاكتفاء وقتها بما يُعرض على الشاشة الخلفية للمسرح، والتى قدمت نماذج إنسانية متناقضة ومتصارعة فى ميادين شتى كانت أولى بالمتابعة. رغم دلالة الرقص فوق الدماء التى أراد المخرج تصديرها، فإن العيب هنا كان فى التنفيذ لا الرؤية.
يقدم العرض رسالة بالغة الأهمية فى عصرنا الراهن، ويعارض النص الأصلى فى اسمه «نجونا بأعجوبة»، متخذًا اسمًا آخر هو «يوتيرن»، فى إشارة إلى أننا نمضى فى الطريق الخاطئ وأننا بحاجة إلى التوقف وإعادة النظر فى كل ما ارتكبناه من أخطاء لنعود إلى الطريق الصحيح، ويكون لحياتنا معنى وقيمة أسمى من تلك التى نعيشها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات