أنا إبراهيم عبد المجيد والسينما.. سيرة ذاتية من مقاعد السينما

Foto

كيف تسربت السينما إلى أعمال إبراهيم عبد المجيد؟ كيف جمع عبد المجيد الزمن بأسماء الأفلام؟


ما الذى يمكنك فعله عندما تشعر أن الأماكن التى شهدت أجمل أيام عمرك وذكرياتك عن الطفولة والشباب تتغيَّر وتختفى مع مرور السنوات؟ البعض يحكى، والبعض يصنع أفلامًا روائية وتسجيلية، والبعض يذكر أسماء الأماكن والشوارع فى أغانٍ وحلقات تليفزيونية، والبعض الآخر يكتب ليُخلِّد المكان وذكرياته وتاريخه وقيمته، وهو ما فعله الروائى إبراهيم عبد المجيد فى كتابه «أنا والسينما»، الصادر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية.

اختار عبد المجيد صاحب رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» التى حُوِّلت إلى مسلسل حمل ذات الاسم عام 2006، أن يحكى عن علاقته بالسينما التى بدأت مبكرًا جدًّا، وبشكل قدرى إلى حد كبير، وذلك عندما كان فى «الروضة» وهو بعمر الخامسة، ليجد الباب مفتوحًا فيُقرر الخروج إلى الشارع، وتحمله خطواته إلى تجمع من الناس يتجمهرون أمام بوابة سينما عُلقت أعلاها صورة شادية وكمال الشناوى، فيدخل مع المتجمعين، ويجلس لأول مرة على مقعد السينما الذى لن يُفارقه بعد هذه اللحظة.
على مدى فصول الكتاب الخمسة، ستقرأ عشرات الأسماء لأفلام عربية وأجنبية، وأسماء السينمات التى شاهدها كاتبنا فيها، خريطة رسمها عبد المجيد تجمع الزمن بأسماء الأفلام منذ الخمسينيات وحتى وقت قريب، ترسم ملامح مجتمع تلاشت وأصبحت ذكريات جميلة، يكتبها لتبقى ولو على الورق فقط، خصوصًا أن معظم سينمات الإسكندرية قد هُدمت أو تحولت إما إلى صالات أفراح وإما إلى مخازن، بل نعرف من خلال الكتاب أن سينما «كليوباترا» بحى اللبان تحوَّلت إلى «ثلاجة لحفظ الأطعمة»!
نعرف من الفصل الأول أن السينما شاركت فعليًّا فى تربية وتشكيل وعى «الطفل» إبراهيم عبد المجيد، حملته شوارع الإسكندرية إلى السينما، وقادته السينما إلى العالم بأسره، انتقل عبر رحلته من سينمات ألدورادو والهمبرا والجمهورية وركس، إلى شوارع وبلدان ومتاحف شاهدها فى الأفلام أولًا ثم زارها على أرض الواقع، قادته السينما إلى عالم من الفن والأدب والجمال الذى لا ينتهى. كان للسينما فى ذلك الوقت بريق جعلها مقصدًا حتى للرحلات المدرسية، فيتذكر متعة أول رحلة نظمتها مدرسته «القبارى» الابتدائية إلى سينما «فريال»، وكانت تُعد من سينمات الدرجة الأولى، ليُشاهدوا فيلم «أبو حديد» للفنان فريد شوقى.
نعرف من خلال الحكايات الطريفة والشيقة والصعبة أحيانًا، كيف تعلم عن طريق حب السينما أن يُحدد مبكرًا ما يُريد، واللافت أن حبه للسينما الذى سبق بالطبع حبه للأدب والرواية، لم يدفعه ليُصبح مخرجًا أو ممثلًا أو مصورًا سينمائيًّا، فدور السينما أكبر من ذلك، لقد كانت أغلب الأفلام التى شاهدها مأخوذة عن روايات أدبية، وهو ما اكتشفه فى صباه، فأصبح يهتم بالقراءة ثم كتابة القصة فى وقت مبكر.
يتناول إبراهيم عبد المجيد من خلال فصول الكتاب موضوعات عديدة، فيتحدث عن حياته ودراسته وعمله وأسرته، وعن دور السينما والأفلام والروايات وكُتابها بشكل موسع، وعن وقائع حدثت له مع أصدقائه من رفاق «خروجات السينما»، ويوثق بوفاء مصير بعضهم، وعن رجال الفساد الذين استولوا على دور السينما وأغلقوها إما إرضاءً لقوى التطرف الدينى وإما لقوى المال الفاسد، وكل هذه الخطوط لا تختلط على القارئ ولا تُشتته، لأنه فى النهاية يقرأ سيرة ذاتية لروائى كبير ولكن من بوابة السينما.
ملامح من مجتمع مضى إلى حال سبيله ولم يعد مرة أخرى تجدها فى هذا الكتاب، تعرف أن الفرق بين سينمات الدرجة الأولى والثانية والثالثة فى فترة الخمسينيات والستينيات، بخلاف سعر التذكرة وجودة المقاعد، هو أن جمهور الأولى يغلب عليه رجال بـ«القميص والبنطلون» ونساء بفساتين «إفرنجية»، بينما الثانية والثالثة يرتادهما أصحاب الجلاليب والشباشب، لكنك لن تجد فى الكتاب أى ذكر لحالات تحرش جماعى على أبواب السينما، ولا شرطة نسائية تقف لمنع هذه الكوارث الأخلاقية.
وعلى الرغم من أن السينما تسربت إلى أعمال إبراهيم عبد المجيد، فإنه وجد كما يقول من خلال هذا الكتاب، مساحة أكبر لذكر وقائع وحوادث تفصيلية وحقيقية عن السينما، وعلى بساطتها إلا أنك تستمتع وأنت تقرأ كيف تحايل الطلاب على منع التظاهرات فى فترة الستينيات من خلال ترديد هتافات بلا معنى قبل بداية كل فيلم فى الحفلات الصباحية، مثل «يعيش السمك فى الماء» و«يسقط المطر من السماء»، و«شاى الجارية أحسن شاى»! ويذكر أيضًا حالات الصراخ طلبًا للنجدة والإغماءات التى أصابت السيدات فى سينما «ركس» بمجرد مشاهدتهن عبد الحليم حافظ يسقط أرضًا بعد أن انتهى من أغنية «حبك نار» فى فيلم «حكاية حب»، وغيرها من الوقائع.
تأتى القاهرة فى مؤخرة الكتاب قبل الخاتمة مباشرة، لم تحتل العاصمة التى انتقل إليها فى منتصف السبعينيات مساحة كبيرة فى الكتاب أو فى الحكى والمواقف، على غرار التى نالتها الإسكندرية، التى طُبعت شوارعها وسينماتها وناسها فى روحه منذ الطفولة، وربما يكون السبب هو ما ذكره فى الكتاب بأن الذاكرة تضعف مع الكِبر على عكس ذكريات الطفولة والشباب. بينما يذكر عبد المجيد للقاهرة أن الحديث بين أدبائها عن السينما لا يقل عن الحديث عن الأدب.
فى مرحلة السبعينيات والثمانينيات، يكشف لنا عن نضج رؤيته للعمل الفنى، من خلال نظرته إلى «إلى من يُنسب الفيلم»، ففى السابق كان ينسب العمل إلى أبطاله من الممثلين، وبالفعل تمتلئ الأجزاء الأولى بأسماء الفنانات والفنانين سواء المصريين أو العالميين، لكنه بعد ذلك أصبح ينسبه إلى مخرجه، لذلك نجد فى هذا الجزء من الكتاب أسماء مخرجين مثل أشرف فهمى وعلِى عبد الخالق وأحمد يحيى وسمير سيف ومحمد خان وعاطف الطيب، لكن مع قدوم التسعينيات يشهد «عبد المجيد» أنها كانت «أقصى درجات الاضمحلال السينمائى» لصالح المسلسلات.
بعد انتهاء فصول الكتاب وحكاياته، أرفق الكاتب ملحقَين، الأول عبارة عن قائمة بأسماء دور السينما فى الإسكندرية، وعدد المقاعد التى تستوعبها كل دار، وأسماء ملاكها الأصليين، والمصير الذى انتهت إليه، والذى فى الغالب يكون إما الهدم الفعلى وإما الإهمال استعدادًا للهدم، وبعضها الآخر تحول إلى جراج ومكتبة وصالات أفراح، والملحق الثانى احتوى على عدد من مقالاته السابقة التى تناول من خلالها العديد من الأعمال السينمائية بالنقد والتحليل، فنجد مقالًا بعنوان «بحب السيما.. الفيلم الذى ظلمناه»، كما يُحلل ظاهرة الافتتان بفيلم «تايتانك» من خلال مقال بعنوان «لماذا أحب الناس فيلم تايتانك؟».
فى النهاية، نحن أمام كتاب يحمل أوجهًا كثيرة يمكن جذب القارئ بها بمتعة وإفادة، فهو سيرة ذاتية لروائى مصرى كبير، يسرد ببساطة من خلال الصفحات ذكريات ووقائع له مع عالم السينما الذى دخله طفلًا عن طريق الصدفة، ولم يرغب فى الخروج منه قط، ومع مدينته -الإسكندرية- التى يعشقها ويأسف لما مرت به من فساد أتى على تاريخها المعمارى «قطعة قطعة»، كما سنجد عشرات المعلومات التى تشكل لنا صورة عن واقع الفن والمجتمع المصرى فى الفترة التى تناولها الكتاب، صورة نقلها إبراهيم عبد المجيد بعين الجالس على مقعد فى سينما درجة ثانية، لا الروائى أو الكاتب فقط.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات