.

ولى عهد السعودية يرى محور «شر» جديدًا فى الشرق الأوسط

Foto

كيف يقدم ابن سلمان نفسه كإصلاحى من جيل الألفية يقود بلاده نحو حداثة القرن الـ٢١؟ كيف يدفع محمد بن سلمان بأجندة تُدْخِل الرياض فى تعاون قريب مع إسرائيل؟


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية.
 

وصل ولى العهد السعودى الشاب الطموح محمد بن سلمان، إلى لندن يوم الأربعاء فى زيارة مدتها ٣ أيام محاطة بالجدال. احتج النقاد على روابط الحكومة البريطانية القريبة بالرياض، وانتقدوا سجل المملكة فى حقوق الإنسان، بالإضافة إلى تصعيدها للحرب فى اليمن، الأمر الذى أدَّى إلى كارثة إنسانية كاملة.

فى الوقت نفسه، أطلق المدافعون عن ولى العهد غارة علاقات عامة تحتفى بالإصلاحات الليبرالية التى تم طرحها تحت مسؤوليته. وأشادت الإعلانات فى الصحف البريطانية واللافتات عبر لندن بكيف «يفتح محمد بن سلمان السعودية على العالم». وردم مؤيدوه شبكات التواصل الاجتماعى بقصص عن حملاته للحد من الفساد وإعطاء المزيد من الحريات للمرأة السعودية.
وبالفعل يزعزع محمد بن سلمان الأمور فى السعودية. ويظهر حواران حديثان مع كتَّاب بارزين فى جريدتَى «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» كيف يقدم ابن سلمان نفسه كإصلاحى من جيل الألفية يقود بلاده نحو حداثة القرن الـ٢١، ولكنه يلعب أيضًا دورًا مركزيًّا فى عملية إعادة اصطفاف دولية ربما تكون أهم.
فقبل أن يصل بريطانيا توقَّف محمد بن سلمان فى القاهرة لزيارة الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى الحليف السعودى المقرب. وإلى جانب لقاء السيسى زار ولى العهد أيضًا البابا تواضروس الثانى رأس كنيسة مصر القبطية القديمة، وتم طرح الزيارة كعلامة على التنوير الليبرالى لمحمد بن سلمان، فها هو ابن النظام المعروف باحتضانه وتصديره لنسخة محافظة جدًّا من الإسلام السُّنى يتواصل مع أحد أديان الأقلية فى المنطقة.
ولكن ولى العهد كان يبعث أيضًا برسالة إلى أعدائه المفترضين. ففى تعليقات، أفادت التقارير أنه أدلى بها هذا الأسبوع فى لقاء مع محررى الصحف المصرية، أشار ابن سلمان إلى «مثلث شر» فى الشرق الأوسط يتألف من إيران -عدو الرياض الدائم- والجماعات الإسلامية المتطرفة وتركيا. وبدا أن خطابه يحاكى وعيد إدارة جورج بوش الابن لـ«محور الشر» الشهير.
وفاجأ تضمين تركيا البعض وأثار رد فعل غاضبًا على شبكات التواصل الاجتماعى التركية. وما من حب بين الرئيس التركى رجب طيب أردوغان والقادة فى المنطقة، خصوصًا فى حالة السيسى الذى قمع الفصائل الإسلامية التى يفضلها أردوغان بعد توليه السلطة.
وبعد ظهور تقارير عن تعليقات محمد بن سلمان تحرك المسؤولون السعوديون لاسترضاء منتقديهم، إذ جاء فى بيان صادر عن السفارة السعودية فى أنقرة: «إشارة إلى التقارير الصحفية التى ذكرت أن سمو ولى العهد قد ذكر فى لقاء له مع بعض الإعلاميين فى القاهرة أن هناك قوى للشر فى المنطقة، وكان من ضمنها ما نقله بعضهم بأن سموه قال إنها (تركيا)، فإننا نوضح أن المقصود بكلام سمو ولى العهد هو ما يسمى بجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الراديكالية».
ولكن هذا بالكاد يخفى النية السيئة بين الرياض وأنقرة، حيث يمثل البلدان رؤيتَين متعارضتَين للشرق الأوسط، إذ كان أردوغان مؤيدًا للربيع العربى وشجَّع الانتصارات الديمقراطية للأحزاب السياسية الإسلامية عبر المنطقة، بينما لعنت السعودية أحزابًا، مثل الإخوان المسلمين، وكرهت الاضطرابات التى أدخلت جزءًا كبيرًا من النظام الاستبدادى القديم للعالم العربى فى أزمة.
وفى الوقت الذى دافع فيه أردوغان عن النموذج التركى للديمقراطية كمسودة للمنطقة وجد المستبدون العرب المخلوعون ملاذًا آمنًا فى السعودية. والآن، يوجد العديد من الإسلاميين السياسيين من مصر ودول عربية أخرى منفيون فى تركيا، ويصبح أردوغان شخصية متزايدة فى عزلتها، ويحتد على الغرب ومنافسيه العرب.
وفى الشهور الأخيرة تقاتل تركيا فى حرب إعلامية مع السعودية والإمارات العربية المتحدة والتى تمقت قرب أردوغان إلى الإسلاميين ودعمه لمنافستها قطر. وفى ديسمبر تبادل أردوغان ووزير خارجية الإمارات الإهانات حول التاريخ العثمانى فى شبه الجزيرة العربية. وأفادت تقارير أن ولى العهد السعودى انتقد بشدة هذا الأسبوع رغبة أردوغان فى «خلافة» خاصة به عبر الشرق الأوسط.
وهذا الأسبوع أوقفت شبكة أقمار صناعية شرق أوسطية كبرى مقرها الإمارات -لكن يعتقد أن غالبية ملكيتها سعودية- عرض المسلسلات التركية ذات الشعبية الكبيرة عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويعتقد أن القرار امتدادٌ للمناخ السياسى الساخن.
وفى هذا المناخ اقترب أردوغان من إيران أكثر، خصوصًا فى المشروع المتقطع للتوسط للوصول إلى نوع ما من الهدنة فى سوريا. ولكن هذا بالكاد يبرر التضمين فى «محور الشر» من قبل ولى العهد السعودى. وكما أشارت فى تحليل فى قسم «رؤى العالم» بتاريخ ٢١ فبراير فإن تركيا وإيران تجدان نفسيهما على جانبَين متعارضَين فى أرض المعركة السورية فى أماكن كثيرة. وفى الوقت الذى تنتقد فيه تركيا عن حق لسماحها لعدد ضخم من المقاتلين الإسلاميين بالتسلل داخل سوريا فى السنوات المبكرة للحرب عانت كثيرًا كذلك من الهجمات الإرهابية للدولة الإسلامية فى الداخل.
وفى الوقت نفسه فإن إيران الشيعية ملعونة أيديولوجيًّا بالنسبة إلى الجماعات السنية الجهادية. وبربطه بين الاثنين اقتطع محمد بن سلمان مباشرةً صفحة من كتاب حيل رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، والذى أصر مرارًا وتكرارًا على أنه ينبغى النظر إلى الجمهورية الإسلامية والدولة الإسلامية من نفس وجهة النظر.
وهذا أيضًا يقول لنا شيئًا، فمحمد بن سلمان يدفع بأجندة تدخل الرياض فى تعاون أقرب ليس فقط مع إدارة ترامب الصقرية (يقصد أنها تدعو لسياسة خارجية عدوانية) بل مع إسرائيل نفسها. وعلى الرغم من أن السعوديين لا يعترفون بذلك علانيةً، فإن مسؤولين إسرائيليين يؤكدون سرًّا أن هناك تعاونًا استراتيجيًّا متناميًا بين البلدين، إضافةً إلى مصر. وربما لكم أن تتخيلوه كمثلث آخر فى منطقة حيث تتشكل عداوات ومنافسات جديدة باستمرار.



إيشان ثارور
كاتب متخصص فى الشؤون الخارجية بجريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، سبق له العمل كمحرر ومراسل فى هونج كونج، ولاحقًا فى نيويورك لمجلة «تايم» الأمريكية.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات