ما الدروس المستفادة من أزمات الألتراس؟ وهل تعلمت الدولة شيئًا من كارثة هيسل الإنجليزية؟

Foto

هل توجد أشياء غير معلنة فى قضية بورسعيد؟ هل حققت استراتيجية الدولة فى ملف الألتراس نفعًا طيلة 6 سنوات؟ متى تكف الدولة عن استخدام الحل الأمنى فى مواجهة الألتراس؟


منذ أزمة بورسعيد الدموية والجمهور هَجَر مدرجات التشجيع غصبا، ولم يعد بشكل منتظم حتى الآن، فمباريات الدورى تُلعب من دون جمهور، وبادرة عودة الجمهور فى النصف الثانى من موسم 2015 لم تُكلل بالنجاح بعد حادث الدفاع الجوى، إلى أن أصبح حضور الجماهير استثنائيا فى المباريات الدولية، وبأعداد مُقننة، وفى ظل وجود أمنى كثيف.

وللأسف فشل التكثيف الأمنى فى علاج الأزمة، فالجمهور طالما رفض التكميم وعبر عن رأيه بطرق قد تتفق معها أو تختلف، ولكنها كانت سببا فى استمرار الأزمة وتفاقمها، وأصبح الحل الوحيد الذى تلجأ له الدولة هو استمرار المباريات خاوية على عروشها من دون جمهور، هذا حال الدولة التى ستشارك فى كأس العالم بعد أشهر.
تأهل منتخب مصر إلى كأس العالم وسط حضور جماهيرى مكثف فى ملعب برج العرب، ولم تكن هذه المباراة هى الأولى التى تتزين مدرجاتها بحضور الجمهور، ولكن دائما مباريات المنتخب القومى خالية من أزمات مباريات الأندية، فلم يشتبك جمهور منتخب مصر مع رجال الشرطة، ولم يظهر هذا القدر من التلفيات بعد كل مباراة، ولم تتعال هتافات الغضب.
إذن فالأزمة ليست فى الجمهور بشكل عام، ولكنها فى مجموعة معينة من الجمهور لا أرغب فى تسميتها بـ«الألتراس»؛ لأن الأزمة ليست فى أشخاص أفراد الألتراس أو أفكارهم، ولكنها فى غياب النظام الحاكم أو بمعنى أصح «السيستم» وبمعنى أدق فى القانون.
كثيرون من أعضاء الألتراس يحضرون مباريات المنتخب ولا يمارسون أيا من أشكال العنف أو الخروج عن النص، وبعضهم أيضا يحضر مباريات السوبر فى ملاعب الإمارات، ولكنهم يلتزمون بالقانون ويعلمون تمام العلم أنهم أخذوا حقهم القانونى، لذلك قدموا واجبهم القانونى أيضا.
ما سبق لا يعنى اتخاذ القانون كأداة عقاب وترهيب للألتراس أو للجماهير بشكل عام، ولكنه مجرد مناخ آمن عادل يكفل للألتراس الاطمئنان لتحقيقات كارثتى بورسعيد والدفاع الجوى، ويضمن لهم التعبير السلمى عن الرأى.
قبل التحدث عن الجماهير وواجبهم، يجب أن تدرك الدولة قيمة الجمهور ليس فقط فى البرهنة على أن مصر بلد الأمن والأمان، ولكن لأن ببساطة الجمهور مكانه فى المدرج، خصوصا أن الوجود الجماهيرى يزيد من وعى اللاعبين ويؤهلهم للأداء الجيد أمام عشرات الآلاف من المشاهدين داخل مصر وخارجها، ليس هذا فقط، فالكرة صناعة وسوق جيدة للترويج الاقتصادى، فضلا عن كونها مُسكنا لآلام المصريين، ومنفذا لهم.
فإذا كانت الدولة تدرك قيمة الجماهير حقا، عليها أن تسأل نفسها ماذا فعلت حقا من أجل عودة الجماهير؟ ما دور الدولة فى تلك الأزمة؟
هل حُسمت الحقيقة فى كارثة بورسعيد أم هناك أسباب غير معلومة؟ وهل درست الدولة أسبابها الحقيقية؟ وهل إذا كانت درست ستعلن للجمهور ذلك؟ وهل حسمت كارثة مباراة الدفاع الجوى؟ وهل ستعلن أسبابها إذا كانت حسمت هى الأخرى؟ هل أيضا تم حل مشكلات تأمين المباريات بشركات أمن مدنية على أن تتولى الشرطة التأمين خارج الملاعب؟ هل هناك شركات مدربة على ذلك؟ هل تحركت الدولة لتأسيس تلك الشركات؟ هل فكرت الأجهزة فى الاستفادة من شباب الألتراس للمشاركة فى التأمين؟ هل بحثت استدعاء مركز الأمن الدولى للاستفادة من خبراته فى تأمين مباريات أوروبا وغيرها من البطولات؟ هل أرسلت مجموعة عمل إلى أبو ظبى لدراسة وتحليل تجربة مباراة السوبر بين الأهلى والزمالك وكيف ولماذا خرجت بصورة مبهرة؟
الدولة يجب أن تدرك أن هتافات الألتراس -التى تستفز الأجهزة الأمنية- والأهازيج التى سيظلون يرددونها هى صادرة عن قناعة راسخة لديهم، هؤلاء الشباب الصغار الذين عندما فتحت بصيرتهم شاهدوا ثورة يناير تطالب بالحرية وتنبذ الاستبداد وتواجه الظلم بكل قوة، وهؤلاء أيضا الذين خسروا حلم الثورة تدريجيا بعدما فُقدت، فاتركوا لهم بقايا الحلم بل وفروا لهم ساحات التعبير عن الحلم.
الشباب -أى شباب- يفتقدون ساحات التعبير عن الرأى، لا يجدون منفذا سوى صفحات التواصل الاجتماعى التى يراقبها الأمن وفقا لبيان النائب العام، لا يستطيعون تدشين مسيرة تطالب بالإفراج عن زملائهم أو إعادة فتح باب التحقيق فى قضايا الدفاع الجوى وكارثة بورسعيد، هؤلاء لا يستطيعون الاعتصام فى ميدان التحرير، هؤلاء لا يمكن استضافتهم فى القنوات الفضائية من أجل التباحث معهم ومعرفة آرائهم فى ملف عودة الجماهير مثلا، هؤلاء لا منفذ لهم سوى المُدرج فعندما وجدوا أنفسهم فى المدرج تذكروا الحلم مجددا، وناجوا زملاءهم الشهداء، وعبروا عن غضبهم بأهازيج كانوا يرددونها منذ 7 سنوات بمنتهى الحرية دون أى احتقان أو ملاحقة أمنية.
هذه هى الخلاصة، فعندما غابت منافذ التعبير عن الرأى، استمد أعضاء الألتراس قوتهم من أنفسهم، ووجدوا المدرج منبرا ملائما للتعبير عن أنفسهم، وبدؤوا صيحات الهتاف المُعادية للداخلية.
بالطبع لا يوجد مبرر لأى عمل غير سلمى، بداية من تكسير المقاعد والكاميرات وصولا للتسبب فى أى أذى للغير، ولكن هذا لا ينفى فشل أجهزة الدولة فى التعامل مع أزمات الألتراس المتكررة.
جميع أجهزة الدولة أثبتت فشلها فى تناول أزمات الجماهير، والدليل أن روابط الجماهير ما زالت حتى الآن تمارس أعمالها رغم الانتقاد والهجوم المُشن، فالإعلام طالما وصفهم بـ«الإرهابيين– مدمنى المخدرات– مثيرى الشغب- ملحدين»، بل طلب أحد الإعلاميين إطلاق الكلاب البوليسية على جموع جماهير الألتراس.
هذا التناول لم يؤت ثمارًا إيجابية على الإطلاق، بل زاد من الفجوة بين الدولة والألتراس، وزاد من الاحتقان الداخلى لجماهير سخَّرت نفسها لدعم فريقها المفضل بالسفر والأموال والهتاف والتشجيع، وللأسف ذلك رغم دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لرابطة مشجعى النادى الأهلى «ألتراس أهلاوى» إلى المشاركة فى لجنة جديدة للاطلاع على تحقيقات قضية «مذبحة ملعب بورسعيد» وذلك فى فبراير 2016.
التعامل الأمنى مع ملف الألتراس أثبت فشله طيلة 7 سنوات، بل وزاد من حِدة الخلاف بين أعضاء الروابط الرياضية والجهات الأمنية، ويبدو أن الدولة لا تعلم أن الأزمة اجتماعية وسياسية بالأساس.
اجتماعية بشأن ضرورة احتواء شباب الألتراس والكف عن نظرة التعالى لهم ووصفهم بـ«الصبية» وصد السهام الإعلامية الموجهة نحو صدورهم وكأنهم عملاء وخونة لدول أخرى، وسياسية بشأن ضرورة توفير ساحات إبداء الرأى، فالتكميم والحلول الأمنية لم ولن يجديا نفعًا، ما يعنى احتمالية ظهور أى تجمعات منظمة بشكل غير رسمى فى أى وقت، مثلما حدث قبل ذلك فى استاد مختار التتش، ومثلما حدث فى مباراة الأهلى ومونانا الجابونى، وربما سيحدث مرارًا وتكرارًا، نظرًا لقدرة تنظيمات الألتراس المرتفعة على الحشد، وتكريسهم لمبدأ القصاص ومعاداة كل مَن حال دون ذلك، أمر قد يتسبب فى كوارث لا يُحمد عقباها.
التاريخ يقول إنه بالنظر إلى إنجلترا عندما حدثت كارثة هيسل وراح ضحيتها ما يقرب من 20 شخصًا فى نهائى دورى أبطال أوروبا بين ليفربول ويوفنتوس، تم حينها وقف الكرة فى إنجلترا ومنع الأندية الإنجليزية من المشاركة فى دورى أبطال أوروبا لمدة 5 أعوام، وبدأ حينها الإصلاح الفعلى وتم القضاء على روابط الهوليجانز المسؤولة عن العنف فى الملاعب الأوروبية خلال فترة الثمانينيات وإعادة إصلاح الملاعب والمدرجات وتنظيم دخول المشجعين، الآن شاهد الإنجليز فى أية مباراة لكرة القدم حتى لو كانت بالدرجة الثانية، ستعرف حينها أننا لم نتخذ أية خطوة للأمام بعد كارثتَين فى الملاعب.
فئة كبيرة من الشباب وجدت الوطن فى النادى، دفعت من جيوبها أموالًا من أجل شراء أعلام ولافتات، وجابت المحافظات خلف حافلة فريقها، وملأت المدرجات وظلت تهتف من أجل «كيان» النادى، وهذا العشق يستحق الدراسة، فهذا الحب غير المشروط هو للوطن أولًا، لذلك فعلى الدولة تبنِّى طاقات هؤلاء الشباب وتسخيرها فى دعم الوطن ومحبة كيان الوطن قبل كيان النادى والأهواء الشخصية.
الغريب أن الدولة تخصص مؤتمرات للشباب ولا تبحث حقًّا عن الشباب، فليس كل الشباب على قدر من التعلم الجيد مثل الذين تعتمد عليهم الدولة فى تنظيم المؤتمرات الشبابية، كما أن أغلب الشباب يعانى مشكلات البطالة والتجريف الثقافى والتهميش، لذلك يجب الاهتمام بالشباب -كل الشباب- حقًّا وصدقًا، وترجمة قرارات مؤتمرات الشباب وفتح ساحات تواصل معهم ومساعدتهم فى إبداء الرأى والمعارضة والتعبير عن أنفسهم بالجرافيتى والتشجيع والمسيرات.
ستظل الدولة تدور فى حلقة لا نهائية من الشغب والنبذ والملاحقة القانونية ثم الكراهية، وتترجم هذه الكراهية على هيئة شغب ونبذ وملاحقة مجددًا ثم كراهية، وتلك هى الحلقة التى ندور فيها منذ 6 سنوات حتى الآن، لذلك يجب البدء الحقيقى فى دراسة ظاهرة الألتراس، والمضى قدمًا فى سبل حلها المنطقى، بدلًا من توارث الكراهية والعنف والدماء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات