المسؤولية الحكومية الكبيرة عن حوادث الطرق

Foto

كيف وصل عدد المتوفين فى الحوادث يوميا إلى 17 حالة والمصابين 66؟ ما الاستراتيجية الدائمة لوزارة النقل؟


لا تزال الحوادث المختلفة تفتك بعدد كبير من المصريين، سواء على الطرق السريعة، وخصوصًا طرق السفر الطويل، أو فى حوادث القطارات، وآخرها حادث المناشى فى البحيرة، ويضاف إلى هذا كله حوادث انهيار العقارات، ما حوَّل الواقع اليومى للمواطنين إلى توقع الموت فى أى لحظة فى الشارع غالبًا، وفى البيت أحيانًا.

الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء قال مؤخرًا إن عدد الحوادث المسجلة عام 2016 هو 14 ألفًا و430 حادثة، وإن مصر من أكبر الدول التى تسجل معدل الحوادث، كما أكد أن متوسط المتوفين يوميا يصل إلى 17 حالة، ومتوسط عدد المصابين 66.2 يوميا، بينما عدد السيارات التالفة يصل إلى 21 ألفًا و188 سيارة. ولا شك أن التكلفة الإجمالية لهذه الحوادث مرتفعة للغاية ما بين تعويضات لحالات الوفاة والإصابة، أو تعويضات مسددة عن شركات التأمين، وفى الواقع فإنه رغم ضخامة قيمة التكلفة المقدرة فهى أقل من الواقع لأسباب مختلفة، منها أن هناك عددًا كبيرًا من الحوادث اليومية لا يتم تسجيلها ولها تكلفة اقتصادية تتمثل فى إصلاح التلفيات بعيدًا عن التأمين، فضلاً عن أن هناك تكلفة اقتصادية إضافية للحوادث، هى نتاج تكاليف العلاج والتأهيل والتحقيق فى الحوادث، وانخفاض أو فقدان إنتاجية الضحايا وانخفاض إنتاجية أعضاء أسرهم الذين قد يضطرون إلى التغيّب عن العمل «أو المدرسة» للاعتناء بالمصابين، ورغم ذلك فإن الأرقام المعلنة كافية جدا لبيان مدى المأساة.
ورغم أن المسؤولية عن حوادث الطرق تشترك فيها وزارة النقل والمواصلات، فإن حجم مسؤوليتها عن الأزمة تتنازعه أسباب أخرى؛ كرعونة السائقين مثلاً، ولكن ماذا نقول فى حوادث القطارات -مثلاً- وهى مسؤولية شبه حصرية لوزارة النقل؟ لماذا أصبح سيناريو الاصطدام بين القطارات مكررًا وفى كل مرة نناقش نفس الموضوع، ومسؤولية عامل التحويلة وسائق القطار؟ لماذا لا نزال نعمل بهذه المنظومة غير الأوتوماتيكية المتهالكة ما دمنا تأكدنا من فشلها وعقمها؟ وإذا كانت الدولة، مُمثلة فى السيد المهندس وزير النقل، تؤكد باستمرار أن التطوير يحتاج إلى مبالغ ضخمة تصل إلى 200 مليار جنيه، ثم يعود بعدها بأيام ويؤكد أن الوزارة تنفذ خطة تطوير طموحة بتكلفة 55 مليار جنيه، فإن السؤال هنا إذا كان هذا هو حجم المطلوب، أو إذا كانت هذه الخطة تُنفذ بالفعل ولو جزئيًّا، فما العائد الملموس الذى سنلمسه؟ هل يعدنا الوزير بانخفاض معدل حوادث القطارات -مثلاً- ليتساوى مع المعدلات العالمية التى تحدث فيها مثل هذه الحوادث على فترات متباعدة جدا، أو لا تحدث على الإطلاق، أم أن الموضوع سيظل فى إطار الأرقام الجامدة التى لا تعنينا؟
من الطبيعى أن الحكومة هى المسؤولة أمام الشعب عن رسم السياسات وتحديد كيفية إنفاق الإيرادات، ومن الطبيعى أننا كشعب لا يعنينا حجم الميزانية المخصصة لذلك، كبرت أو صغرت، ما دامت لا تؤدى المهمة الأساسية المطلوبة.
والأمر نفسه يتكرر فى مسألة انهيار العقارات، فالدولة مسؤولة عن التأكد من سلامة العقارات وكونها ليست آيلة للسقوط، ومسؤولة عن حماية أرواح المواطنين من العبث، خصوصًا أنه فى حالات كثيرة تكون العقارات المنهارة مبنية حديثًا، ومن المفترض أن الدولة بجيش موظفيها العرمرم هى مَن تنفذ السياسات اللازمة لكل ذلك، أو على الأقل تعلن لنا خطة عمل بها أهداف مرحلية وليست فقط أرقامًا وخلاص.
وبالتأكيد فإن هذا كله ليس مسؤولية وزارة النقل وحدها، فوزارة النقل وإن كانت مسؤولة عن الطرق والكبارى وتسيير القطارات والمواصلات العامة، فإن وزارة الداخلية هى من تصدر تراخيص القيادة وتراخيص السيارات، وهى مَن تتولى مراقبة التزام السائقين بالقانون، ووزارة الصحة هى المسؤولة عن سرعة الوصول للمصابين وإسعافهم وإنقاذ حياتهم إن أمكن، ووزارة التعليم هى المسؤولة عن غياب وجود ثقافة القيادة فى المحتويات التعليمية لها، أما وزارة الدفاع فهى مسؤولة لعدة أسباب، منها أن الأجهزة التابعة لها تتولى الإشراف على طرق معينة، أو تنفيذ الأعمال فيها، وأنها تتولى الإشراف منفردة على الإسعاف الطائر، ومع كل هذه الجهات يظل مجلس النواب -بالطبع- مسؤولًا عن القصور التشريعى فى مواجهة المشكلة.
بالتأكيد فإن الثقافة المجتمعية تحتاج إلى تغيير، فعوامل مثل تجاهل عوامل الأمان المختلفة؛ كحزام الأمان وخوذة الدراجات النارية، مؤثرة، كما تزيد احتمالية الحوادث إلى عدة أضعاف بسبب أعطال وتلفيات المركبة، وتزيد الاحتمالات بشدة مع تعاطى المواد المخدرة فى أثناء القيادة، أو زيادة السرعة، أو نقص صيانة وسائل النقل العامة، بالإضافة إلى تزايد استخدام الهواتف المحمولة فى أثناء القيادة، وانخفاض درجة الوعى الكافى بكيفية التصرف السريع عند مواجهة مشكلة طارئة، وكلها مسائل متعلقة بثقافة القيادة وثقافة العمل، وانتشار ثقافة الإهمال.
الحكومة كانت قد طرحت فكرة حارة خاصة للشاحنات فقط، وأن الطريق سيكون حرًّا تمامًا دون أى تقاطعات مع تزويده بالكبارى اللازمة، وبشكل عام فإن هذا قد يبدو مؤثرًا فى تقليل الخسائر البشرية وكذلك خفض تكلفة إهلاك الطرق نتيجة سير الشاحنات ثقيلة الحمولة على نفس الحارات غير المجهزة لتحملها، إلا أننا لابد هنا أن نلاحظ أن بعض أهم الطرق المنفذة بطريقة الطريق الحر، الذى يعتبر طريقًا جيدًا من حيث الإنشاء، ومنها طريق «القاهرة- العين السخنة» هو من الطرق التى تشهد حوادث يومية بمعدلات عالية، ما يعنى أن هذا قد لا يكون حلًّا كافيًا.
ومن جهة أخرى فالاتجاه الآخر يطالب بالتوسع فى المطبات وطلائها بالطلاءات الفوسفورية لإجبار السائقين على خفض السرعة، وبالتالى تقليل الحوادث، وهو اتجاه يذكرنا بالتصريح الشهير بأن تحسين حالة الطرق سيزيد عدد الحوادث ولن يخفضها، وهو تصريح يدل على عجز الحكومة عن إنفاذ القانون وفرضه، وليس العكس.
وفوق هذا كله فإن الطرق لا تزال تعانى نقص العلامات واللوحات الإرشادية أو وضعها فى أماكن غير مناسبة، وهى ظاهرة مزعجة وتتسبب فى إهدار الوقت وتشتيت الانتباه، ولا تزال الإضاءة الليلية غائبة عن كثير من الطرق، وبعضها طرق رئيسية.
وفى الواقع فإننا لا نعرف ما الاستراتيجية الدائمة لوزارة النقل، فوزارة النقل بالأخص تعد إحدى أغرب الوزارات فى الحكومة فى السنوات الأخيرة، فقد تم تعيين المهندس هانى ضاحى وزيرًا للنقل فى يونيو 2014، مع تولى الرئيس السيسى للرئاسة وإعادة تشكيل حكومة إبراهيم محلب بوجوه جديدة، ثم خرج من الوزارة فى سبتمبر 2015 بعد أقل من 15 شهرًا، وذلك مع مجىء حكومة شريف إسماعيل الأولى، ليحل محله اللواء سعد الجيوشى، ثم بعد ذلك بستة أشهر فقط خرج اللواء الجيوشى من المنصب ليحل محله الدكتور جلال السعيد فى مارس 2016، ليستمر فى منصبه لأحد عشر شهرًا فقط ويغادر منصبه فى فبراير 2017، ليأتى بدلاً منه الوزير الحالى هشام عرفات، وبالطبع فإن تغيير الوجوه بهذه الكثافة الشديدة فى حقيبة وزارية واحدة بمعدل تغيير الوزير مرة واحدة سنويًّا هو أمر غير مفهوم، كما أنه مؤشر واضح على غياب الرؤية لدى الوزراء أو لدى من يختارهم.
الخلاصة أن الحكومة مطالَبة بأن تضع خطة واضحة لها أهداف واضحة، سواء فى ما يتعلق بالطرق أو المبانى والعقارات أو السكك الحديدية بدلاً من أن تستمر فى الحديث باستمرار عن الأرقام وحجم الإنفاق، فحتى لو زاد حجم الإنفاق عشرين مرة فإن المشكلة لن تُحَل ما دام لم يتم تقديم نتيجة واضحة للشعب، وحتى ذلك الحين فإن كل ما نستطيع قوله للمواطن هو سلِّم نفسك، فالموت يحاصرك فى أى لحظة، سواءً أكنت فى الشارع أم فى القطار أم تحت سقف بيتك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات