الفقه الأكبر والفقه الأصغر والفقه العادى

Foto

لماذا كان ظهور علم باسم «علم الكلام» ضرورة فرضها الواقع الإسلامى؟ وعلامَ دلَّ ظهوره؟ ولماذا يُعدّ تجديد «علم الكلام» الآن ضرورة؟ وكيف يتمّ تجديده؟


لعلَّنا لا نُجافى الحقيقة إذا ادّعينا أن ظهور «علم الكلام»، كعِلم مستقل، فى الفكر العربى/ الإسلامى، كان بدايةً حقيقيةً للتصنيف العلمى الخاص، ذلك أن العلوم الإسلامية المختلِفة من فقهٍ وأصولِ فقه وتفسير وحديث وتاريخ وتراجم لم تكن ذات حدود فاصلة فى ما بينها، فلم يكن يتمتّع أىُّ علم من تلك العلوم باستقلالية وتفرُّد يميِّزانه، فكانت تراكُمات كل علم تختلط وتتمازج بعضها ببعض دون حدود فاصلة، حتى ظهر «علم الكلام» كمصطلح علمى خاص، وإن تأخَّر فى الظهور، بَيْدَ أنه كان دليلًا على عُمق العقل العربى/ الإسلامى الذى أفاد من التراكُمات الإبستمولوجية القائمة على النظر العقلى المجرَّد، كما كان ظهوره مُعبِّرًا عن ارتباط العلم بالواقع، وفوق كل أولئك كان ظهوره دليلًا على «ديناميكية» وحيوية الفكر الإسلامى الذى تكوّن، بالتدريج، منذ القرن الأول الهجرى الذى شهد بزوغ حركة تدوين العلوم عند العرب، إذ كانت بعض المسائل الكلامية المتعلقة بهذا العلم، قبل ظهور مصطلحه الخاص، مبثوثة فى ثنايا العلوم الشرعية المختلِفة، قبل أن يلتئمها علمٌ خاص، لذلك تنوعت مُسمَّيات تلك المسائل الكلامية، فهى تارة تأتى باسم «الفقه الأكبر»، وهذه تسمية الإمام أبى حنيفة «ت: 150هـ»، حسب رواية منسوبة إليه، تمييزًا له عن الفقه العادى أو «الأصغر» المرتبط بالأحكام العملية المستمدَّة من أدلّتها التفصيلية، وهى تارة ثانية تأتى باسم «أصول الدين»، لأنه يتعلق بالنظر فى أصول العقيدة الدينية وأركانها وعلى رأسها القرآن والسنة، فكأنه اسمٌ عقائدى يقابل اسم «أصول الفقه»، وهى تارة ثالثة باسم «علم التوحيد والصفات»، إذْ إنَّ مشكلتَى الذات والصفات الإلهية هما أشهر مباحث هذا العلم، وهى تارة رابعة باسم «الفقه فى الدين»، أى فَهم العقائد الدينية والنظر فى مسائلها وقضاياها، وهى تارة خامسة باسم «علم الأحكام والشرائع»، (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوى، مج 1، صـ20 وما بعدها)، وظلّت الحال كذلك حتى كان القرن الثانى الهجرى يطرق باب الرحيل مُفسِحًا الطريقَ للقرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، ليظهرَ، عندئذٍ، علمٌ جديدٌ، ذو استقلال وتفرُّد، بموضوعاته ومباحثه وقضاياه الجدلية، باسم «علم الكلام»، ليدخلَ الفكر العربى/ الإسلامى بذلك مرحلة جديدة من مراحل التصنيف العلمى المنضبِط بأُطُر وحدود، فقد نشطت حركة التأليف فى علم الكلام على يد المعتزلة تخصيصًا، بعد منتصف القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى)، وتحديدًا منذ أن تسنّم الخليفة المأمون ذروة الحُكم واحتضانه المعتزلة، حتى غَدَا مذهب الاعتزال مذهبًا رسميًّا لدولة الخلافة فى عهده وفى عهد خليفتَين من بعده، هما المعتصم والواثق، على امتداد نحو ستة عشر عامًا، ومعلوم أن مذهب الاعتزال كان فى تلك الفترة فاشيًا فى الأوساط الثقافية والعلمية، لأنه ارتبط بالبرجوازية التى كانت تمثّل قمّة الثقافة والتجارة فى ذلك الوقت، فرواجُ مذهب الاعتزال، آنذاك، لم يكن صُدفة، بل كان رواجًا يفسّره الوضع السوسيو- سياسى للمجتمع، كما يفسّره واقعُ مذهب الاعتزال نفسه، ذلك أن البحث العقلى القائم على المنطق والديالكتيك قد صادف هوى كثيرين فى المجتمع، خصوصًا مع تنوُّع نسيج ذلك المجتمع عِرقيًّا ودينيًّا ومذهبيًّا وثقافيًّا، الأمر الذى جعل الفكر المعتزلى أكثرَ انتشارًا وجذبًا، وبعد أن ظهر الأشاعرة فى موكب التاريخ اشتجر الخلاف الأيدولوجى والدينى والمذهبى بينهم وبين المعتزلة، فنشَطَتْ حركة التأليف فى علم الكلام أيضًا، لكنه كان تأليفًا ذا صِبغة أشعرية مُحافِظة تنزع إلى التلفيق الجلىّ، عزّزها انتصار المذهب الأشعرى وسيطرته على هذا العلم سيطرة تامة، بعد أن كِيلَت الضرباتُ الموجِعة للمعتزلة وسائر الفِرَق المُعارِضة كالشيعة والزيدية والإباضية، تخصيصًا، فهيْمَنَ الأشاعرةُ تمامًا على الثقافة الإسلامية بعد أن خلَا لهم الجوُّ، وبعد أن احتضنتهم الإقطاعية العسكرية، ورويدًا رويدًا دخل علم الكلام طوْر الجمود والانهيار فامتزج التصوف به، ونضَبَ مَعِينُ التجديد والتصنيف فيه، فظهرت الحواشى والمتون والشروح، واندثرت الفِرَق الكلامية، ولا سيّما بعد انتشار المذهب الحنبلى فى المشرق على يد ابن تيمية الحرانى «ت: 728هـ» وتلميذه ابن قيم الجوزية «ت: 751 هـ»، وفى النهاية ساءت سُمعة علم الكلام على أيديهم بعد أن كفّروا المشتغلين به، وحتى الأشاعرة أنفسهم بعد أن بسطوا سيطرتهم على هذا العلم، بل على الفكر الإسلامى السنّى كله، ادّعوا -فى محاولة منهم لتأميمه لصالحهم فقط- أنه أصبح علمًا غيرَ مهم وغير ضرورى لعموم الناس، بخلاف «آحاد الناس وطلبة العلم»، فهو ضرورى ومُعتبَر لديهم (فرض كفاية)، لذلك قال ابنُ خلدون «ت: 808هـ»، فى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى: إنَّ «علم الكلام غيرُ ضرورى لهذا العهدِ على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فى ما كتبوا ودوّنوا…!» (مقدمة ابن خلدون: ج 3، صـ977، طبعة علِى عبد الواحد وافى)، ويأتى المعتزلة -بالطبع- على رأس أولئك المبتدعة الذين «انقرضوا»، بعد إذ حوصروا وتم نفى مَن تبقّى منهم فى جزيرة «دَهلَك» اليمنية، التى كانت مُستقرًّا ومنفًى لكل صاحب رأى لا ترضى عنه العسكرتاريا الحاكمة، وفى القرن العشرين، وافق الشيخ مصطفى المراغى والأستاذ محمد فريد وجدى، على ما ذهب إليه ابن خلدون، فقد «مجّا علم الكلام، ومباحثه، والخلافات التى دارت بين فرقه، ومن ثَمَّ دعَوَا إلى درجه من التراث الفكرى الدينى»، لأن الثقافة الإسلامية الحديثة «ليست فى حاجة لبعثه فى بِنيتها!» (عصمت نصار، تجديد الأصولية الإسلامية فى فكر الشيخ عبد المتعال الصعيدى: 310، ط 3).

كانت تلك لمحة جدّ موجَزَة فى تاريخية علم الكلام، وهو كما أشَرنا لم يكن ظهوره ترفًا فكريًّا، بل كان ضرورة فرضها الواقع المتطور، ويحسن بنا الآن أن نتناول، بشىء من الإيجاز، التعريفات التى وصلت إلينا لعلم الكلام، لكننا سنصطدم بطائفة كبيرة من التعريفات المختلِفة التى تدور كلها فى فلَك المذهب الأشعرى، وهى تعريفات فى مجموعها تضيِّق من أهداف هذا العلم وآفاقه، وتحصره فى نطاق الدفاع عن العقيدة ضد المبطلين، وإثباتها للمريدين، وهى تعريفات تكاد تتشابه فى ما بينها، ولا تضيف جديدًا لنا حول حقيقة هذا العلم الذى أبدعه المعتزلة على وَفْق منهجهم العقلانى، ونحن لا نكاد نجد أى أثر يقودنا إلى حقيقة هذا العلم لدى المعتزلة، لكننا نستنتج أن هذا العلم لديهم كان بمثابة تأصيل لفكرة استقلال العقل، إذ إن الحقيقة قائمة بذاتها، والعقل الإنسانى قادر على اكتشافها، وبالتالى «عقْلنة» النصوص الدينية، ولا سيما النصوص التى تتعارض مع الحرية والاختيار والإرادة الإنسانية، وكذا النصوص التى تتناول أمور الآخرة «= الغيبيات/ السمعيات»، ومما يؤسَف عليه أننا لا نكادُ نجدُ تعريفًا معتمَدًا لعلم الكلام منسوبًا إلى المعتزلة، وهذا بالتأكيد يرجع إلى ضياع طائفة كبيرة من مؤلفاتهم بعد النكبة التى حلّت بهم منذ عصر الخليفة العباسى العاشر، المتوكل، أبى الفضل جعفر «ت: 247هـ»، لكننا على أى حال لن نعدم استنتاج الإطار العام الذى حكم المعتزلة عندما أبدعوا هذا العلم، ذلك أن قراءة ما نُشر من مصنَّفاتهم بعد اكتشاف مخطوطاتها فى خزائن اليمن، فى ستينيات القرن الماضى، وطباعتها، لَيجعلنا نقرّر أن الفكر الكلامى للمعتزلة يتمحور بالأساس حول التنزيه المُطلَق للذات الإلهية، واعتماد العقل وتقديمه على النصّ، لنصرة عقائد الدين، ومجادلة ذوى النزعات والمِلَل والمعتقدات التى تخالف العقيدة الإسلامية، فلولا هذا العلم -كما يقول الجاحظ «ت: 255هـ»: «لم يثبت للربِّ ربوبية، ولا لنبى حُجّة، ولم يُفصَل بين حُجة وشُبهة، وبين الدليل وما يُتخيَّل فى صورة الدليل…« (الفصول المختارة على هامش الكامل للمبرّد: ج 2، صـ329)، وهذا هو ما جعلهم يقرِّرون أن العبد لا يحصل له صفة الإيمان حتى يعلم الأدلة التى تقود إلى الاقتناع العقلى، من أجل ذلك كان من مبادئهم: القول بالحسن والقبح العقليَّين، اللذين لا يصدران، بداية، من الشرع، فالعقل لديهم -إذن- هو البداية وهو النهاية، وهو الحَكَم فى الآيات المتشابهات من القرآن، وهو الحَكَم فى الحديث النبوى، بحيث يقرّرون عدم صحته إن لم يكن موافقًا للعقل ولا يحتمل التأويل. (أحمد أمين، ضحى الإسلام: ج 3، صـ69، ط 4، القاهرة 1946)، فعلم الكلام عند المعتزلة كان موجّهًا بالأساس إلى خصومهم «المثنوية» الذين يقولون بالتعدد فى مجال الألوهية، فشدّدوا على فكرة التوحيد والتنزيه المطلَق لله تعالى، وقاموا بتأويل الآى القرآنية التى تحمل مشابهة بين الله ومخلوقاته، فكانوا بحق أرباب علم الكلام، بل دقيق علم الكلام، حتى إن واحدًا من أكبر خصومهم وهو «أبو الحسين الملطى» «ت: 377هـ»، يقول إنهم «أرباب الكلام، وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على مَن خالفهم، والمفرّقون بين علم السمع وعلم العقل، والمنصفون فى مناظرة الخصوم». (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: صـ35، ط مكتبة المعارف، بيروت).
إن الأشاعرة استطاعوا بمساعدة الإقطاعية العسكرية (السلطة الحاكمة) اختطافَ علم الكلام، حتى إننا لا نجد سوى تعريفاتهم ومؤلفاتهم، على الرغم من أن هذا العلم، ابتداءً، أبدعه المعتزلة وقعّدوا قواعده وأصوله، منذ عهد المؤسّس الأول «واصل بن عطاء الغزّال« «ت: 131هـ»، فاستطاعوا بما اعتمدوه من منهج عقلانى معالجة طائفة كبيرة من القضايا العقدية، فى الأصول والفروع معًا، والذّبّ عن الدين، على وَفْق منهجهم الخاص الذى لا نجده لدى الأشاعرة، فعلم الكلام عندهم باختصار شديد هو الفلسفة الإسلامية الخاصة التى لا يمكن فصلها عن سياق القرآن نفسه، ولا يمكن فصلها كذلك عن الظروف السوسيو- سياسية، آنذاك، بحيث يمكننا أن نزعم أن الاتجاه الكلامى للمعتزلة يختلف كليًّا عن الاتجاه الكلامى الذى صاغه، تلفيقًا، أبو الحسن الأشعرى «ت: 330هـ»، وهو وإن لم يُبعِد العقل تمامًا، إلا أنه وظّفه إلى حدّ معين فى البرهان على النصوص، فأفرغ أصول هذا العلم منه، بحيث صار استخدامه العقل على سبيل الشكل دون الجوهر، والجدل دون البرهان، والتلفيق دون القطع، ولا أدل على ذلك من رأيه فى خلق أفعال العباد، فظاهريًّا رفض الأشعرى موقف الجبرية القائلين إن الله هو الخالق لأفعال العباد على الإطلاق، فقد رفض الأعرى هذا الرأى واخترع نظرية «الكسْب» التى جعلها بديلًا لحرية الإرادة وخلق الأفعال، فهى تقوم على أن أفعال الإنسان مخلوقةٌ لله ولا يقدر الإنسان أن يخلق منها شيئًا، بيْد أن الإنسان إن لم يستطع خلْق عمله فهو قادر على كسبه «..»، وهى نظرية تلفيقية لا وسطية كما ادّعى الأشاعرة قديمًا، والأزهريون الآن، حتى إن ابن حزم الظاهرى «ت: 456هـ» لم يجد حرجًا فى أن يؤكد أن تلك النظرية هى إلى الجبر أقرب منها إلى الاختيار (الفصَل فى الملل والأهواء والنحل: ج 2، صـ22)، ولا مندوحة عن الإشارة إلى أن تفسير القضاء بـ«الجبر» صيغة عقدية تروم  التبرير السياسى للنظم الاستبدادية، فكان طبيعيًّا أن ينتصر لها خلفاء بنى أمية، ابتداءً من المؤسّس الأول معاوية بن أبى سفيان «ت: 60هـ»، ثم كرّسها بعدهم خلفاء بنى العباس، الذين توسّلوا فى تحقيق أهدافهم بأيديولوجية تمسّ العقيدة، وهى «الجبر»!
تدور تعريفات علم الكلام، فى صياغته الأشعرية المُحافِظة، حول ما لهذا العلم من أهمية فى الدفاع عن الدين ضد المُبطلِين والمترددين، فهذا ابنُ خلدون يُعرّفه بقوله: «علم يتضمّن الحجاجَ عن العقائد بالأدلّة العقلية، والردَّ على المبتدعة المنحرفين فى الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السُّنة!»، ومعلوم ما فى هذا التعريف -الذى يكاد يتطابق مع تعريفات السابقين من الأشاعرة لابن خلدون- من اختزال وتضييق لأهداف علم الكلام، وهو بلا شك قصور واضح، لأنه يجعل مقصود هذا العلم «نصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف أهل السنة..» (أبو حامد الغزالى: المنقِذ من الضلال: صـ7، ط الميمنية- القاهرة)، وهو عينه تعريف ابن خلدون، والتعريفان، كلاهما، يقدحان فى «المبتدعة المنحرفين فى الاعتقادات عن أهل السُّنة!»، والمراد بهم -بالطبع- المعتزلة والإمامية، ما يعنى أن الأشاعرة اتخذوا من هذا العلم سبيلًا إلى مناهضة المذاهب الإسلامية التى تخالف رأيهم، فعصفوا مرة واحدة بجهود المعتزلة الذين أسّسوا هذا العلم ابتداءً، فكان اصطلاح علم الكلام لدى الأشاعرة يختلف تمامًا فى مضمونه وأهدافه عن علم الكلام المعتزلى، أى أن اجتهادات وجهود المعتزلة التى سبقت الأشاعرة فى هذا العلم باتت ملغاة، وكأن بداية هذا العلم الحقيقية كانت على يد الأشاعرة وحدهم!
وفى الوقت الذى اتخذ فيه الأشاعرة من هذا العلم سبيلًا إلى مناهضة المذاهب الإسلامية التى تخالف رأيهم، كان السلفيون على الجانب الآخر يعدّون هذا العلم لونًا من ألوان البِدَع التى لم تكن موجودة فى العصور الأولى، ولا سيما فى مباحثه الكلاسيكية الخاصة بالكلام عن القدر، والذات والصفات الإلهية، وغير ذلك من مسائل نهى السلف عن الخوض فيها، ومعلوم ما لهذا الاتجاه من انغلاق عقلى، وعلى الرغم من أن الأشاعرة، منذ تأميمهم هذا العلم لصالحهم، يدّعون أنهم يبحثون فى مسائل العقيدة بالعقل والنصّ معًا، إلا أن اتجاههم هذا عصف بعلم الكلام، إذ إنه جعل من التعصب ومجافاة الآخَر المُخالِف عنوانًا دالًّا على جمود هذا العلم، فهم يسعَوْن من ورائه إلى إثبات خطأ الخصوم فقط، الأمر الذى ابتعد بعلم الكلام عن أهدافه الحقيقية ومقاصده الأصيلة.
يمكننا القول: إن تأميم الأشاعرة علم الكلام لصالحهم، مثَّل أزمة للتيار الليبرالى الحُرّ، آنئذٍ، وهو التيار الذى تراجع تمامًا بعد الضربات الموجِعة التى وجّتها له الإقطاعية العسكرية المتحالفة مع التيار النّصى الرجعى المبرّر لسياساتها واستبدادها باسم الدين، ولعل هذا هو أهم أسباب جمود وانهيار علم الكلام، خصوصًا مع عجز مدرسة الأشاعرة والمتكلمين المنتسبين إليها عن المواءمة بين النقل والعقل، ومحاولتها تطويع الدين ونصوصه لتتوافق مع الجو السياسى حينذاك، الأمر الذى تسبب فى تشعُّب الخلافات الدينية والمذهبية، بحيث تلاشى الإقناع والاقتناع، ليحلّ محلهما العداوة والتعصُّب، مما ضيّق من مساحة التسامح فى الرأى، وقبول الآخَر، فكانت الاتهامات «المعلَّبَة» تارة بالكفر، وتارة بالزندقة، وتارة بالابتداع، ليسود بسببها جوٌّ خانق من الإرهاب الفكرى لمَّا نزل نعانى منه إلى اليوم!
وفى غضون ذلك الصراع الذى أفضى إلى الجمود، نظر التيار النصى الرجعى إلى نفسه بكونه «الفرقة الناجية»، وأن من عداهم فرق ضالة، مبتدعة، مارقة، الأمر الذى أنهى الصراع لصالح النصّ فقط، بما جعل نظرة الناس إلى العقل ومن يستعمله نظرة ارتياب، فخمد الاجتهاد، وفى الوقت نفسه تم تفسير النصوص الدينية، ولا سيما الأحاديث المنسوبة إلى النبى، صلى الله عليه وسلم،  تفسيرًا زائفًا، يراعى مصلحة الرؤية الضيقة للطغام الحاكمة، التى ما اهتمّت أبدًا بالعقل والمنطق، لإدراكها أن كليهما ليس فى صالحها ألبتة، وبناءً على ذلك تم تغييب رُوح النقد، ليحلّ التسليم والانقياد الأعمى للنصوص وتفسيراتها الضيقة، التى تخلط الدين بالسياسة!!
إن تجديد علم الكلام الآن، لهو ضرورة يفرضها الواقع، وقد حاول الأستاذ الإمام محمد عبده «ت: 1905م» تجديده، بمنأى عن التعصب والجمود، وإعمال العقل والتأويل، وحق الاختلاف وحرية التفكير، رابطًا بينه وبين التاريخ وفلسفته، وعلم الاجتماع ومذاهبه، مستلهمًا أفكار أستاذه جمال الدين الأفغانى «ت: 1897م»، لكن تلك الجهود التى سكب بعضها الأستاذ الإمام فى كتابه الصغير «رسالة التوحيد» لم تكن كافية لتجديد علم كهذا العلم، فما «رسالة التوحيد» إلا إطارٌ محدودٌ يضىء مسارات ذلك العلم فقط، لكنها تعجز عن إدراك وتقعيد مراميه ومقاصده وَفْق العلم الحديث والتطورات الحالية المتسارعة فى المجالات كلها، وعلى الرغم من جهود بعض تلاميذ الأستاذ الإمام فى مجال الدعوة إلى تجديد علم الكلام، بيْد أنهم كلهم، لم يستطيعوا الإبحار الحُرَّ فى غمار بحر العقل ومصارعة أمواجه العالية، فكانوا فى كتاباتهم فى هذا العلم مقيّدين بفعل الحروب الشعواء التى كان يشتعل أُوَارها فى الأزهر، تخصيصًا، كلما نووا بالتجديد فى العلوم الإسلامية عمومًا، وفى هذا العلم خصوصًا!
لا تجديد لعلم الكلام إلا بالاعتراف بسطوة العقل، وحرية الفكر، وحق الخطأ، وحق الاختلاف، وربط مسائل هذا العلم بفلسفة التاريخ والأنثروبولوجيا والفلسفة، والاجتماع وعلم النفس، لإنشاء صرح متكامل منه يليق بعلم كان ميلاده على يد المعتزلة دليلًا على ارتباط العلم بالواقع، وعُمق العقل العربي/ الإسلامى الذى أفاد من التراكُمات الإبستمولوجية القائمة على النظر العقلى المجرَّد، عندئذ سيكون لدينا «علم كلام» جديد يُحيى موات العقل العربى الذى استسلم للنصّ وتأويلات الفقهاء والمفسرين، وترّهات الجمود والأساطير!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات