حسين قدرى.. عمدة أدب الرحلات يحييكم من الدور الـ12

Foto

كيف تَسبب كتاب عن عبد الناصر فى أن يتحول رئيس تحرير «الإذاعة والتليفزيون» إلى مراسل للإذاعة المصرية فى لندن؟


على باب شقته الساكنة فى الدور الثانى عشر فى عمارة عتيقة فى أكثر ميادين القاهرة صخبا، ميدان رمسيس، تستقبل الزائر تلك اللوحة المعدنية المكتوبة بخط عربى أنيق «إذا لم تكن على موعد فأرجو ألا ترن الجرس هناك اختراع جديد اسمه التليفون أرجو استخدامه». تعكس اللوحة جانبا واضحا من شخصية الكاتب الكبير «حسين قدرى»، تمثل فيه السخرية المعلم الأكبر «والخرسانة» الأساسية التى جعلته يتعامل مع الأقدار بروح مرحة منفتحة رحبة، قادرة على تحويل «المساخر» وما أكثرها فى بلدنا إلى كتابة نابضة بالحياة والطاقة الإيجابية التى تعيش كثيرا.

التقيته فى يوم شديد الحرارة رغم كوننا فى شهر فبراير الماضى الذى يكون شديد البرودة فى بلده الثانى لندن، يخبرنى بأنه يسكن أيضا فى لندن فى الطابق الثانى عشر، لم يكن يقصد ذلك، لكن الأمر به دلالة ما، أن يطل وهو فى القاهرة ولندن على المدينتين من علٍ، ليراقب الخلق والبشر والحياة.
يأتى حسين قدرى وهو المهاجر إلى لندن منذ أكثر من 40 سنة إلى القاهرة كلما استبد به الشوق، يقول «أنا أحن إلى مصر كل يوم تقريبا، بالبلدى، باتلكك عشان أجى.. أتذكر فجأة أن الأسبوع القادم هو المولد النبوى أو عيد القيامة أو رأس السنة الهجرية، فأقول لنفسى كيف لا أحتفل بهذه المناسبة فى مصر، فأشد الرحال سريعا إلى ميدان رمسيس»، ورغم كل هذه السنوات التى قضاها فى لندن حتى صار هو نفسه معلما أساسيا فيها، وكعبة يفد إليها الزائرون العرب من كل فج عميق، فإن مصريته لم تزل قط. حتى عندما سألته عن السبب الذى جعله يفر مهاجرا فجأة فى مصر، حكى الأمر بطريقة درامية ساحرة: (فى عام 1976 صدر قرار بتعيينى رئيسا لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون.. كنت وقتها أصغر رئيس تحرير جلس على هذا المقعد فى هذه المجلة، لم يمض علىَّ فى المنصب سوى شهر واحد، حتى أصدرت كتابا بعنوان «عبد الناصر والذين معه»، ويبدو أن الكتاب أغضب «السادات والذين معه»، فى اليوم التالى كنت أتصفح صحف الصباح عندما وجدت خبرا صغيرا يشير إلى تعيين زميلى أحمد بهجت رئيسا لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون قلت لنفسى يا نهار أسود.. وطب وأنا)!
بعد هذه الصدمة الصباحية، تلقى حسين قدرى اتصالا من عبد المنعم الصاوى الذى كان وزيرا للإعلام وقتها يطلب منه الحضور لمكتبه لتسوية الأمر. يُكن قدرى مشاعر طيبة جدا للصاوى، لأنه كان يحاول أن يحمى الصحفيين من انفلاتات السلطة على قدر الإمكان. نصح الصاوى كاتبنا الكبير بأن يختفى عن المشهد لفترة، ثم سأله السؤال السحرى «تحب تسافر فين؟»، وكأى رئيس تحرير انتزعوا منه منصبه لتوه، ضرب حسين قدرى فى العلالى وقال فى حسم بغرض التعجيز «أمريكا»، رد الصاوى ببساطة، «هى لك»، ثم اتصل هاتفيا بالسيدة صفية المهندس رئيس الإذاعة المصرية حينها ليخبرها بأنه نفذ طلبها أخيرا بأن يكون لها مراسل فى أمريكا وسيكون هذا المراسل هو الصحفى حسين قدرى، عندما التقى قدرى بالسيدة صفية المهندس لاحقا لترتيب إجراءات السفر وجدها تضحك بشدة وهى تخبره بأنها لم تطلب قط أن يكون لديها مراسل للإذاعة المصرية فى أمريكا، مستدركة «مش لما يكون عندى مراسل فى قليوب الأول»!
فى الولايات المتحدة الأمريكية ولحسن حظه، وجد قدرى سفيرا مصريا مثقفا هو أشرف غربال كان يعرفه من كتب الرحلات التى أصدرها قدرى قبل سفره، فتم التعامل معه باهتمام وتقدير، لدرجة أنه تجول خلال سنة واحدة فقط فى 48 ولاية أمريكية، ثم فجأة استشعر الحنين إلى صخب ميدان رمسيس فعاد إلى مصر.
طلب قدرى هذه المرة من عبد المنعم الصاوى أن يسافر إلى لندن. كانت عاصمة الضباب هى المدينة المفضلة له ولأبناء جيله «كنا بنروحها كأننا رايحين من رمسيس لغمرة» على حد تعبيره. زارها من قبل أكثر من مرة ورأى أنه يمكن أن يعمل فيها هذه المرة مراسلا للإذاعة وليس على سبيل الفسحة كما حدث فى أمريكا. فى عام 1978 سافر حسين قدرى إلى لندن مراسلا للإذاعة المصرية، ليطلق منها برنامجا ربما يكون أول وآخر برنامج إذاعى مصرى عرف باسم صاحبه «حسين قدرى يحييكم من لندن». استمر البرنامج لنحو 16 عاما متصلة، التقى فيه قدرى بكل النماذج المصرية والعربية المشرفة فى العاصمة البريطانية من أصغر طاه فى أصغر مطعم وصولا إلى السير مجدى يعقوب.
أسأله مداعبا، وكيف طاوعك قلبك أن تضيف على جنسيتك المصرية أخرى إنجليزية؟ يجيب مبتسما: «أنا نمت فى ليلة صحيت تانى يوم لقيت نفسى إنجليزى»، يفسر بأنه وفقا لقواعد العمل فى بريطانيا فإن أى شخص من أى جنسية داوم على العمل المنتظم فى بريطانيا لأربع سنوات متصلة، يصبح من حقه أن ينال الجنسية بعد عدة إجراءات بالطبع، وهذا ما حدث له، ومنذ هذا الحين صار حسين قدرى ليس عمدة فقط لأدب الرحلات المصرى والعربى وإنما عمدة للمصريين فى لندن أيضا.
على حد ما هو مسجل، فإن لا أحد حتى تاريخه أصدر باللغة العربية نحو 25 كتابا فى أدب الرحلات مثل حسين قدرى، لف «العمدة» العالم شرقا وغربا، واختصره فى كتب بديعة، صحيح أن لندن موجودة فى كثير من هذه الكتب، إلا أن الغريب أن لندن الموجودة فى كل كتاب بتوقيع حسين قدرى غير تلك الموجودة فى كتبه الأخرى. وكأنه يدخر الأسرار من كتاب لآخر. وكأن أسراره عن لندن لا تنفد أبدا.
قائمة كتب كثيرة من بينها «مذكرات مهاجر مصرى إلى لندن، رحلة إلى دولة ترانزستور- قبرص، مذكرات سائح مصرى فى مصر، رحلة إلى جزر الكناريا..» أتأمل القائمة فى إعجاب، ثم أسأله: لماذا لم تكتب الرواية؟ يجيب فى دعابة كعادته: كتبت روايتين بالفعل، ونشرتا بالإنجليزية فى لندن. أسأل: ولماذا لم تتم ترجمتهما للعربية؟ يجيب ضاحكا: لقد كان هذا هو شرطى الوحيد لنشرهما، أن لا ينشرا بالعربية أبدا! مكتفيا بذلك الغموض الذى يحيط بما كتبه، مشيرا فقط إلى أن اسم إحدى الروايات هو «يوميات امرأة مصرية» وإلى أن الأحداث -ياللهول- تستند إلى وقائع حقيقية.
لم يفز حسين قدرى وقد تخطى الثمانين من عمره ولا يزال يتمتع بروح شابة وثابة ومنطلقة ونفس محبة للكتابة والحياة، بأى جائزة مصرية أو عربية رغم كل هذا المنجز الأدبى الكبير الذى قدمه للمكتبة العربية، لا يبدو عمدة أدب الرحلات مكترثا لذلك الأمر مطلقا، خصوصا أن بعض جوائز الدولة فى الأدب فاز بها رؤساء تحرير صحف مثل الأهرام والجمهورية ومنهم من لم يكتب حرفا أدبيا واحدا فى حياته بالطبع، حتى إنه كتب فى مقدمة كتاب -قيد النشر- عن هذا الأمر قائلا: (منذ عدة سنوات، وكنت قد جاوزت الـ75، اتصل بى أديب كبير وقال لى إنه بحكم موقعه فى لجنة الجوائز فى المجلس الأعلى للثقافة، يسألنى، وكأنه لا يعرف: «حسين، إنت فزت قبل كده بجائزة الدولة التشجيعية فى أدب الرحلات؟!».. قلت: «لأ طبعا، وإنت عارف كده».. فقال: «طيب إحنا حنديلك جائزة الدولة التشجيعية فى أدب الرحلات السنة دى.. إحنا اجتمعنا امبارح وبحثنا عن حد نعطيه جائزة أدب الرحلات فلم نجد.. ففكرنا فيك»!! يعنى حتى الطريقة التى يعرض بها الجائزة مهينة: بحثوا ولما لم يجدوا أى حد آخر ففكروا يعطوها لى.. قلت له: «إوعوا تعملوا كده.. ولو أعطيتونى الجائزة سأرفضها علنا ولن أتسلمها.. لما أكون بأكتب من أكتر من 55 سنة ولى 25 كتابا فى أدب الرحلات وجايين الآن تعرضوا علىَّ الجائزة «التشجيعية» وأنا عمرى 75 سنة.. بتشجعونى على إيه؟! على الاستمرار؟! أنا مستمر من غير تشجيعكم.. ثم، إذا أخذت التشجيعية الآن، حاخد جائزة الدولة التقديرية إمتى؟! بعد ما أموت بـ50 سنة أخرى؟! إوعوا تعملوا كده».. فلم «يعملوا كده».. ولم أفز والحمد لله بأى جائزة، حتى لا أوصم يوما ما بأننى قد فزت بجائزة «الأدب» بعد الأديبين الكبيرين رئيسَى مجلسى إدارة «الأهرام» و«الجمهورية»!!).
يدرك حسين قدرى وهو فى طابقه الثانى عشر الممتد من القاهرة إلى لندن وبالعكس، أن الجائزة الحقيقية لأى كاتب تأتى من القراء لا من الدولة ولا من أى جهة أخرى، وأن عمدة الكتابة الحقيقى يأتى بالانتخاب وليس بالتعيين. ولهذا فقد فاز هو بالحسنيين، حُب القراء والناس، والأدب الذى يعيش أبدا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات