نساء الجولدن جلوب!

Foto

هل عبَّرت ترشيحات وجوائز المسابقة عن قوة المرأة فى هوليوود؟


كثير من الحكايات ترويها هوليوود عن النساء، فى مسابقة الجولدن جلوب رقم 75 أفلام ملهمة، تغزل بالصوت والصورة نسيج مشاعر أنثوية لنساء تعرضن لصدمات الحياة، قصص حب وكره وعنصرية واغتصاب واعتداءات وحشية، وهناك مسلسلات الدراما المؤثرة، وحكاياتها التفصيلية عن مكاسب النساء المهددة، والسيطرة الذكورية التى تقف سدا منيعا أمام تحقيق مساواة حقيقية بين الجنسين، تلك القضية التى تنادى بها المرأة منذ عقود، وتتقدم فيها خطوات، وتتراجع خطوات أخرى.
 
لم تتغير قائمة جوائز الجولدن جلوب، ولكن هناك إحساسا عاما عند مشاهدة حفل هذا العام بأنه احتفال تسيطر عليه المرأة، لأسباب بعضها هام وحيوى، وأحيانا بمبالغة وتعصب. منذ سنوات ونجمات هوليوود يشتكين من اضطهاد هوليوود لهن، استوديوهات هوليوود لا تعامل بطلات الأفلام كأبطال الأفلام الذكور، وأجورهن أقل من الأبطال الرجال، وهناك شكوى أخرى تتعلق بالسيناريوهات التى تُغفل قضايا المرأة، وتُهمش شخصيتها، خصوصا فى أفلام هوليوود ذات الميزانيات الضخمة التى تتناول مغامرات وحكايات السوبر هيروز، وتتعقد وتتشابك المسألة حينما تصل إلى ذوات البشرة السوداء.
 
أثرت كل تلك الضغوط على نوعية الأفلام التى تقدمها النجمات، وبالإضافة للموضوعات الاجتماعية التى تتناول قصصًا وحكايات نسائية، وتحول هذا الضعف النسائى إلى قوة، اخترقت المرأة عوالم المغامرات الرجالية، وظهرت أفلام ومسلسلات سوبر هيروز نسائية ناجحة، مثل فيلم «المرأة العجيبة»، ومسلسلات من نوعية «جيسيكا جونز»، و«الفتاة الخارقة».
 
لم يتوقف الإنتاج الدرامى عند فكرة حق الممثلات فى تقديم حكايات عن نساء خارقات، ولكنه تعرض لحكايات واقعية، أكثر عمقا وشاعرية عن ضعف المرأة وقوتها، مثل مسلسل الدراما القصير Big Little Lies «أكاذيب كبيرة صغيرة»، وقدمت فيه نيكول كيدمان، ووريز ويذرسبون، وولورا ديرن، ووشايلين وودلى، حكايات زوجات شابات مع الزواج والحب والتحرش والاغتصاب والعنف الأسرى. الحكايات مليئة بالغموض والأسرار والتعقيد، فى مجتمع للأثرياء الذين يعيشون فى مكان ساحلى ناء، يبدو ناعما وهادئا من الخارج، لكنه يموج من الداخل بالأسرار والأكاذيب والغضب المكتوم.
 
القصص والحكايات الدرامية التى تهاجم الرجال صدى للواقع، فجزء من هذا النوع من الاحتفالات الفنية يهاجم بضراوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وجزء من أسباب الهجوم عليه عنصريته ضد النساء، والقصص التى تتناول سوء معاملته لزوجته الجميلة ميلانيا، ولهذا هناك موجة تؤيد ترشح الإعلامية المحبوبة أوبرا وينفرى لمنصب رئاسة الجمهورية، ويبدو هذا الاختيار تطورا نوعيا فى موقف هوليوود التى تكتفى عادة بدعم اختيارات ساكن البيت الأبيض من زوايا تتعلق بالتغيير والتنوع العرقى. سبقت هوليوود الواقع السياسى حينما صورت الرئيس الأمريكى كشخص أسود أو امرأة، والحلم برئاسة أوبرا وينفرى لأمريكا يضيف أبعادا أخرى للمنصب، بالإضافة للجنس والبشرة، فأوبرا صاحبة طفولة فقيرة، ومأساة اغتصاب فى سن صغيرة، ورحلة كفاح ملهمة، وهى أمور تُهدد بلا شك فرص تجديد رئاسة ملياردير أحمق، غليظ الطباع، عُنصرى، يدخل فى مشاجرات مراهقة مع ميريل ستريب ورئيس كوريا الشمالية على تويتر. ولكن ترامب لم يكن الرجل الوحيد الذى طالته سهام النقد الساخرة فى الجولدن جلوب، وكان كيفن سبيسى، الممثل الموهوب والنجم الذى هوى فى 2017 صاحب نصيب كبير من الهجوم والسخرية، ورغم وجود أسماء أخرى متهمة بممارسة التحرش فى هوليوود، ومنهم حالة فاضحة للغاية للمنتج الشهير هارفى واينستين، فإن الهجوم على سبيسى كان لاذعا من مذيع الحفل سيث مايرز، والتزمت أغلب الحاضرات بارتداء الفساتين السوداء تضامنا مع ضحايا التحرش، وكانت الحكايات الشخصية للفنانين حاضرة ومنافسة لحكايات الأفلام والمسلسلات المُرشحة للجوائز.
 
من الأعمال الأخرى الملهمة، الفائزة بالجولدن جلوب، مسلسل The Handmaid’s Tale «حكاية أمة»، المأخوذ عن رواية الكاتبة الكندية مرجريت أتوود، وحكايته القاتمة تدور فى ديسيتوبيا فى المستقبل القريب، حينما تقرر الحكومة الأمريكية سن قوانين جديدة لاستعباد النساء، خصوصا الصالحات منهن للإنجاب، بهدف إنجاب أبناء للمسؤولين والشخصيات النافذة، وذلك بعد انتشار حالة من العقم عالميا.
 
فرانسيس مكدورماند تجسد فى فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri «ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينج ميزورى» دور أم تعيش فى حزن بعد وفاة ابنتها المراهقة فى جريمة اغتصاب وقتل، وتحتج بطريقتها الخاصة على تخاذل الشرطة فى القبض على المجرمين، بتأجير لوحات إعلانية فى مدخل المدينة، مكتوب عليها أسئلة للشرطة، والفيلم فاز بأربع جوائز، من بينها أفضل فيلم بفئة الدراما، وجائزة السيناريو، بالإضافة لفوز مكدورماند بجائزة أفضل ممثلة، وسام روكويل بجائزة أفضل ممثل دور مساعد.
 
يحكى فيلم Lady Bird «ليدى بيرد» حكاية مراهقة مغامرة فى سنتها الأخيرة بالمرحلة الثانوية، وحصلت بطلته سيرشا رونان على جائزة أفضل ممثلة عن فئة الفيلم الكوميدى أو الرومانسى، وحصلت مخرجة وكاتبة الفيلم جريتا جرويج على جائزة السيناريو. هناك العديد من الحكايات التى ترصد قصصا نسائية خاصة، منها فيلم I, Tonya «أنا تونيا»، يحكى الفيلم حياة لاعبة التزلج على الجليد تونيا هاردينج. وفى The Shape of Water «شكل الماء» نتابع قصة حب غريبة بين فتاة تعمل حارسة فى معمل شديد السرية فى الستينيات، وكائن غريب محبوس فى صندوق مائى. وفى الدراما التليفزيونية هناك مسلسل بعنوان The Marvelous Mrs. Maisel «مس مازل الرائعة»، ويدور حول ربة منزل أمريكية، فى حقبة الخمسينيات، تحاول اقتحام عالم الاستاند أب كوميدى.
هذا فى ما يتعلق بالأعمال الفائزة، لكن تأمل الترشيحات يوضح مدى اهتمام السينما عموما بحكايات محورها المرأة، أو تلعب دورا كبيرا فيها، منها فيلم «البوست» لميريل ستريب التى تجسد شخصية الصحفية كاثرين جراهام التى تدخل فى مواجهة مع الحكومة على خلفية نشر أوراق البنتاجون، ومسلسل «التاج» الذى يتناول سيرة ملكة بريطانيا. قصص الأفلام والمسلسلات وحكايات الواقع بتنوعها المثير اختلطت جميعها على المسرح، والحضور تكلموا عن مضمون ورسائل الدراما فى دعم قضايا المرأة، وتأثير الوقائع والأحداث التى حدثت مؤخرا على الفن، وتُلخص كلمة أوبرا وينفرى ما حدث فى حفل الجولدن جلوب رقم ٧٥ بكلمتها العاطفية التى قالت فيها: «فى كل عام يتم تكريمنا على قصص صنعناها فى عام مضى، ولكن فى هذا العام نحن القصص نفسها التى سيتم حكيها».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات