عودة أجواء الحرب الباردة.. وتهديدات بريطانية رسمية ضد الكرملين

Foto

هل قتلت الاستخبارات الروسية عميلها السابق فى بريطانيا بسبب خيانته؟ كيف أهدى المخابرات البريطانية كنزًا من المعلومات؟


فى يوم الإثنين قبل الماضى، وعلى أريكة خارج أحد المراكز التجارية فى مدينة سالزبرى، تلك المدينة الصغيرة الواقعة فى جنوب بريطانيا، ذات التعداد الذى لا يتجاوز 50 ألف مواطن، عُثر على سيرجى سكيربال، وهو جاسوس روسى سابق، 67 عامًا، وابنته البالغة من العمر 33 عامًا، وكلاهما فاقد للوعى. وحتى لحظة كتابة هذه السطور يبدو أن الاثنين ما زالا فى حالة حرجة داخل إحدى وحدات الرعاية المركزة بأحد المستشفيات البريطانية.

التحقيقات الأولية كشفت عن أن الجاسوس الروسى السابق وابنته قد تعرضا لتسميم عبر غاز أعصاب، وإن كانت السلطات لم تحدد بعدُ طبيعة هذا الغاز أو اسمه، إلا أن مصادر لمواقع إخبارية بريطانية أشارت إلى أنه من المرجح أن يكون غاز الأعصاب المستخدم هو من نوع نادر، بخلاف العنصرين المشهورين اللذين كثيرًا ما نسمع عنهما فى وسائل الإعلام: «السارين» الذى استخدم فى سوريا من قبل «فى الغوطة وفى خان شيخون»، والـ«فى إكس VX» الذى استخدم فى اغتيال كيم جونغ نام «الابن الأكبر لكيم جونغ إل، الزعيم الكورى الشمالى السابق» فى فبراير 2017، فى مطار كوالالمبور الدولى فى ماليزيا.
وبالطبع، فقد خلَّفت واقعة مثل تلك صخبًا كبيرًا فى بريطانيا ووسائل إعلامها حتى اليوم، ويشارك فى التحقيق الذى هز أرجاء البلاد وأثار الكثير من التساؤلات حول مدى قوة أجهزة الاستخبارات فى بريطانيا، أكثر من 250 فردًا من شرطة مكافحة الإرهاب، من بينهم فرق من الحرب الكيميائية فى تحقيق تفحص فيه أكثر من 200 قطعة من الأدلة، وسيتم فيه الحصول على المعلومات من أكثر من 240 شاهدًا.
وُجهت أصابع الاتهام بشكل أولى غير رسمى إلى روسيا، التى نفت من جانبها المسؤولية، إلا أن الكثير من الأدلة، وفق ما هو منشور، قد يشير إلى تورط روسى، فهناك من ناحية طبيعة الشخص المستهدف بالعملية وكونه عميلا سابقًا لدى الاستخبارات العسكرية الروسية، غيَّرَ ولاءه لاحقًا، وهناك بعد آخر وهو أنه لا توجد عصابات إجرامية، أو بتعبير آخر، لا يوجد غير الدول هى التى تملك غازات الأعصاب، والتى تصنف على أنها أسلحة دمار شامل. ثم هناك على نفس الدرجة من الأهمية وجود تاريخ قريب لمثل تلك العملية فى بريطانيا، متمثلًا تحديدًا فى قضية مقتل عميل روسى سابق فى عملية عُرفت بـ«مؤامرة البولونيوم» فى عام 2006، ولَربما بحث بوتين اليوم عن مجد قومى أو قصة بطولية ضرورية قبيل انتخابات الرئاسة تعيد إحياء صورة رجل الـ«كى جى بى» القوى فى أذهان الناخبين مجددًا.
وبمحاولة البحث عن السيرة الذاتية لسكيربال، فإن الضابط الروسى السابق هو من مواليد كالينينجراد فى 23 يونيو 1951، وقد انضم إلى الجيش الروسى وساعدته بنيته الجسدية وسجله الرياضى كبطل ملاكمة فى أن يكون ضمن قوات النخبة السوفييتية المحمولة جوًّا. وحينما اجتاح السوفييت أفغانستان، كان سكيربال واحدًا من أوائل هؤلاء الذين شاركوا فى عملية الاجتياح، وهو الذى لَطالما تباهى حتى وقت قريب بمغامرات قفزه من الطائرات السوفييتية فوق أفغانستان.
بعد ذلك تخرج سكيربال فى الأكاديمية العسكرية الدبلوماسية فى موسكو، ثم التحق بالمخابرات العسكرية الروسية ليؤسس مرحلة جديدة من حياته كضابط استخبارات داخل الوحدة المنوط بها إدارة عمليات التجسس فى أوروبا. وقد خدم بالفعل فى الخارج لصالح بلاده تحت غطاء دبلوماسى فى الثمانينيات، غير أن عقد التسعينيات ربما كان بمنزلة مرحلة جديدة فى حياة هذا الضابط بعد أن بدأ العمل لصالح الاستخبارات البريطانية، حتى تم إلقاء القبض عليه ومحاكمته فى روسيا. وبمتابعة فيديو متداول له على الإنترنت فى عام 2006، يمكن التعرف عليه بينما يقوم ضباط الأمن الروسى باعتقاله، قبل أن يقوموا بتغطية وجهه ثم وضعه داخل شاحنة داكنة اللون. وفى نفس الفيديو يظهر سكيربال لاحقًا وهو يرتدى زيًّا رياضيًّا خلف الأسوار أمام هيئة المحكمة التى وجهت له تهم التجسس لصالح بريطانيا.
لكن وفق الاتهامات الأولى التى تتداولها وسائل إعلام بريطانية فإن أهمية الرجل تكمن فى تلك المقارنة التى أجرتها دائرة الأمن الفيدرالية «الإف إس بى FSB» «الكى جى بى سابقًا» فى أثناء محاكمته، والتى شبّهت فيها سكيربال بالكولونيل أوليغ بنكوفسكى، الذى أعدم فى عام 1963، والذى سجله التاريخ هو الآخر كعنصر غاية فى الثراء والإفادة للاستخبارات الغربية بما قدمه من معلومات ثمينة عن ترسانة السوفييت خلال أزمة الصواريخ فى كوبا، قبل أن يخضع للمحاكمة ويتم إعدامه هو الآخر.
وعبر تصفح وثائق الاستخبارات العالمية Global intelligence الموجودة على موقع ويكيليكس، فإن ما يمكنك الوصول إليه هو معلومات حول قيام سكيربال بتقديم معلومات حول العشرات من زملائه السابقين الذين كانوا يعملون فى أوروبا بشكل سرى إلى الاستخبارات البريطانية. وهى معلومات لم تكن حول أسمائهم فقط، لكنها اشتملت كذلك على تفاصيل أخرى؛ مثل أماكن اجتماعاتهم السرية وعناوينهم وحتى شفراتهم، وهو ما يعنى أنه قام بتسليم أو حرق شبكة كاملة من العملاء الروس إلى البريطانيين، على أقل تقدير فى مقابل 100 ألف دولار.
وفى المقابل، وفى روسيا فقد تلقى سكيربال حكمًا بالسجن لمدة 13 سنة كعقوبة، قبل أن يعفو عنه الرئيس الروسى ديمترى ميدفيدف فى عام ٢٠١٠، إذ تم نقله فى إطار اتفاق شهير لتبادل الجواسيس مع الولايات المتحدة بعدها بأربع سنوات، وهو اتفاق وُصف بأنه العملية الكبرى منذ انتهاء الحرب الباردة فى 1991، حينما وافقت واشنطن على إرسال عشرة جواسيس مقابل الإفراج عن أربعة مساجين كانوا ينفذون أحكامًا بالسجن فى موسكو، كان على رأسهم إيغور سوتياجين، وهو عالم نووى روسى، أُدين بتمرير معلومات حول أنظمة الغواصات والصواريخ إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بينما حل سكيربال رقم 2 فى تلك القائمة من المفرج عنهم، والذين سلمتهم روسيا إلى الغرب. وفى مشهد قد يبدو أكثر علاقة بالسينما من الواقع، قد تمت صفقة التبادل على مدرج مطار فيينا الدولى، حيث توقفت طائرتان «روسية وأمريكية» جنبًا إلى جنب لإتمام عملية التبادل المتفق عليها.
غير أن ما يعزز من تلك الاتهامات الموجهة إلى روسيا، مثلما أشرنا، ليس طبيعة ما ارتكبه سكيربال فقط، والرغبة الروسية فى الانتقام وفق القاعدة الستالينية القديمة «اقتلوا الجواسيس»، لكن احتمالية التشابه ما بين تلك العملية وعملية أخرى نُفذت على الأراضى البريطانية فى عام 2006، واستهدفت فيها الاستخبارات الروسية عميلاً سابقًا لديها، هو ألكساندر ليتفينينكو، الذى كان يعيش فى بريطانيا، وعرف بمعارضته وتوجيهه انتقادات علنية شديدة اللهجة لنظام بوتين، بل ومحاولات استقصاء ونشر تفاصيل حول علاقات ما بين الكرملين ومحاولات اغتيال وعمليات إرهابية وعلاقات بالمافيا. وقد جرى تسميم ليتفينينكو عبر وضع مادة البولونيوم المشعة فى الشاى الأخضر الذى احتساه فى أحد الفنادق وسط لندن. وقد ظل ليتفينينكو فى المشفى أيامًا قبل أن يتعرف الأطباء على أسباب التغيرات الجسدية التى طرأت عليه، ويدركوا لاحقًا أنه تعرض لتسمم إشعاعى لم يترك آثاره فقط على جثته التى عُزلت فى تابوت صُمم خصيصًا كى لا يتسرب الإشعاع منه إلى الآخرين، بل ترك آثاره الإشعاعية فى كل المواقع التى تحرك فيها اثنان من عملاء الاستخبارات الروسية، اللذان نفذا العملية، والتى «ربما حدثت بموافقة بوتين» وفق ما خلص إليه تحقيق بريطانى عام 2016. وبالمثل، وخوفًا من أن يكون نفس السيناريو قد حدث اليوم فقد لجأت السلطات البريطانية إلى إغلاق المنطقة التى عُثر فيها على سكيربال وابنته، مثلما تم إغلاق مطعم فى الشارع المجاور الذى تناول الأب وابنته فيه الغداء، وعُثر فيه على بقايا من الغاز السام.
وبينما تستمر التحقيقات ويترقب الكثير من البريطانيين معرفة النتائج، يبدو أن العلاقة ما بين روسيا وبريطانيا سوف تكون أمام منعطف جديد، قد تبلغ فيه مستوى التوترات مدى غير مسبوق منذ عقود، خصوصًا فى ظل التهديدات البريطانية الرسمية الضمنية ضد الكرملين، وما قد تتخذه بريطانيا من رد حال ثبوت تورط روسيا فى عملية الاغتيال على أراضيها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات