من الحسبة التكفيرية إلى الحسبة التخوينية!

Foto

كيف تلوَّنت «الحسبة» بألوان دينية وفكرية وسياسية قاتمة طيلة التاريخ المصرى حتى انتقلت من حسبة دينية إلى حسبة وطنية؟ لماذا يطمح الكثيرون فى التحول إلى محتسبين بإزاء خصومهم السياسيين أو الفكريين أو الدينيين والقضاء عليهم؟


بعد موجة هدوء نسبى أعقبت علو مد مرعب لموجة من قضايا الحسبة تلت «يونيو 2013» وأسفرت عن سجن الباحث إسلام بحيرى والروائى أحمد ناجى، وأخيرًا الشيخ محمد عبد الله نصر، كما أسفرت عن التهديد بحبس الشاعرة فاطمة ناعوت وآخرين، عاين الواقع الأدبى والثقافى المصرى مدًّا جديدًا مفزعًا لهذا اللون من القضايا خلال الأيام القليلة الماضية، وتمثل فى حبس ومساءلات قانونية لكل من: المخرج أحمد الجارحى، والكاتب وليد عاطف، لدورهما فى إخراج وتأليف العرض المسرحى «سليمان خاطر»، والشاعر جلال البحيرى مؤلف ديوان «خير نسوان الأرض».

ولا يسع الإنسان سواء أكان كاتبًا أم صحفيًّا أم إعلاميًّا مهمومًا بالدفاع عن الحريات أم مواطنًا مهمومًا بقضايا بلده إلا الثقة فى عدالة ونزاهة القضاء المصرى الذى يتعيَّن أن يعطى كل ذى حقٍّ حقَّه، وأن يقتص من المخالفات القانونية دون أن يتمهَّل فى تأييد حريات التعبير وتأكيد قيم الدستور وسيادة القانون وحقوق المصريين، لنصل به جميعًا إلى بر إنصاف المظلومين الذين لا يشك أحد فى وفرتهم بالنظر إلى طبيعة بعض القضايا سالفة الذكر. لكن القضية -كما هو بادٍ- تتجاوز التعامل مع كل حادث أو محاكمة باعتباره حدثًا منعزلًا يتعلق بشخصية أو ممارسة فردية لكاتب أو مخرج أو صحفى أو إعلامى أو فنان ننتظر نتائج محاكمته مع الثقة فى عدالة الأحكام، إلى النظر إلى طبيعة الضرر الذى يمكن أن ينال من رسوخ مبدأ حرية التعبير وينتج بالتأكيد عن سيادة أجواء حظر وخوف مقبضة ومروعة تفرزها كثرة وتعاقب قضايا ومحاكمات تدخلنا فى حكم «الظاهرة»، ويرصد الكثيرون غياب الجدية عن بعضها.
ظاهرة المحاكمات الفكرية لا تبدو -فى شكلها القانونى الحداثى- جديدة على الحياة الثقافية والقانونية المصرية منذ مطلع القرن العشرين، بداية بمحاكمات الشيخ علِى عبد الرازق فى قضية كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، والعميد «طه حسين» فى قضية كتاب «فى الشعر الجاهلى»، كما أنها لا تبدو جديدة فى سياقها التاريخى المرتبط بقضايا الحسبة وتراثها فى التاريخ العربى والإسلامى الممتد، لذلك سنحاول فى ما يلى ربط هذه الوقائع الحاضرة بالجذور القريبة لها، من خلال الاستعانة بمرجع مهم فى الموضوع، هو كتاب للأستاذ حلمى النمنم بعنوان «الحسبة وحرية التعبير» صدر سنة 2012 عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، آملين أن نصل من خلال هذا الاستعراض إلى إلقاء ضوء أفضل وأوضح وأقوى على طبيعة «الظاهرة» واكتشاف جوانبها وأبعادها الخفية أو المسكوت عنها.
وبداية بأهم الحقائق التى يضع أيدينا عليها كتاب «الحسبة وحرية التعبير» يرصد الكاتب حلمى النمنم تحولَين مهمَّين وغير مسبوقَين فى طبيعة قضايا الحسبة التى عرفتها مصر فى تاريخها كله، جرى التحول الأول على يد جماعات الأصولية والإسلام السياسى منذ بداية القرن العشرين، عندما استبدلت طبيعة الحسبة كما عُرفت تاريخيًّا وكانت تدور حول قضايا عامة تهم المجتمع كله وتتعلق بأنشطة حياته المباشرة ومجرياتها اليومية، لتصبح قضايا تتعلق فى المقام الأول بمحاكمة الإنتاج الفكرى والفنى والأدبى والعلمى، وهو تحول خطير صارت الحسبة بموجبه شبحًا مفزعًا ووجهًا قبيحًا يروّع العقل والفكر والفن المصرى الحديث ويتهدده فى أقدس مقدساته وهو حريته فى التفكير والتعبير. بعد أن كانت انقرضت الحسبة وتلاشت وظيفة المحتسب الرقابية ودخلتا معًا ذمة التاريخ منذ القرن التاسع عشر، بتوزيع مهامها المتشعبة على الوزارات والإدارات الحكومية المختلفة للدولة المصرية الحديثة، يذكر الكاتب من هذه المهام: الحسبة على مؤدبى ومعلمى الصبيان والوعاظ والمؤذنين، والحسبة على التجار والباعة والحلاقين والمعالجين، والحسبة على الحمارين والمكارية.. إلخ، ويقول: «اختفت الحسبة والمحتسبون من مصر فى القرن التاسع عشر، منذ عهد الوالى محمد سعيد باشا، وتحولت مهام الحسبة والمحتسب إلى جهاز الدولة الحديثة.. لكن فى القرن العشرين اختلف الأمر، إذ حاول البعض إعادة الحسبة مرة ثانية ومنح البعض أنفسهم حق القيام بمهام المحتسب قديمًا، هم لم يطلقوا على أنفسهم صفة المحتسب، بل إن بعضهم يغضب من تلك التسمية».
عادت الحسبة إذن فى القرن العشرين على يد المؤسسات الأصولية وجماعات الإسلام السياسى لتصبح رقابة مشددة وقاهرة على الإنتاج الفكرى والفنى والأدبى والعلمى للمصريين، وكما يذكر المؤلف: «اتجهوا بالحسبة هذه المرة إلى مجال لم تعرفه الحسبة فى ظل الدولة الإسلامية، وهو اتخاذ موقف عقابى وانتقامى تجاه مَن يخالفهم الرأى والفكر فى مجال الكتابة والتفكير أو الإبداع الأدبى والفنى»، وعلى ذلك يؤكد أنه: «فى كل أبواب الحسبة -يقصد فى كتب الفقه- لن نجد ما يتعلق بالشعراء والكتّاب، ولا الباحثين والمفكرين، ولنقل بدقة مَن يثور خلافًا على أقوالهم وأفكارهم فى ما يتعلق بالاعتقاد والعقيدة الدينية»!
أما التحول اللاحق والمهم الذى جرى فى مسار وطبيعة قضايا الحسبة حديثًا حسب رصد النمنم لها فى خاتمة كتابه، وبعد غوص عميق على تفاصيل قضايا الحسبة من طه حسين إلى نصر أبو زيد، أتى فى أعقاب ثورة يناير 2011، ومفاده تحول من الحسبة الدينية التكفيرية إلى الحسبة الوطنية التخوينية لو صحّ التعبير، يوجز الكتاب الحديث عن ذلك بالقول: «والملاحظ فى دعاوى الحسبة فى السنوات الأخيرة هو تراجع عنصر التكفير فيها، لكن فى المقابل ظهر ما يمكن أن نعده المعادل الموضوعى للتكفير وهو (التخوين)، بمعنى أن نشعر تجاه فرد أن ما يدلى به من رأى أو فكرة وما يقوم به من خطوات، يمس الوطن بأكمله ويهدد كيانه، ومن ثَمَّ يجب تجريده من وطنيته بطلب سحب الجنسية منه، وهذا ما حدث مع د.سعد الدين إبراهيم ود.محمد البرادعى وجمال مبارك وآخرين»! النماذج الساخرة الصادمة، المضحكة المبكية، التى يقدمها الكتاب لهذا اللون الهزلى من قضايا الحسبة الوطنية التخوينية يمكن أن تدخل فى باب فضائح الجهل الفكرى والسياسى والقانونى فى آن، منها مثلًا قضية ضد د.نوال السعداوى، تطالب بترقب وصولها فى مطار القاهرة وعدم السماح لها بدخول البلاد وسحب جنسيتها، وضد د.محمد البرادعى تطالب بإسقاط الجنسية عنه لأنه «تم إعداده من قبل جهاز المخابرات الأمريكية ومنح المنصب الدولى ضد رغبة الدولة المصرية مما يقطع لدى صاحب الدعوى أنه رجل الولايات المتحدة»! وضد جمال مبارك، تطالب بسحب الجنسية منه لأنه يحمل الجنسية الأمريكية! وضد د.سعد الدين إبراهيم، لانتقاده أسرة مبارك وأولاده! وضد عادل إمام لأنه كان من داعمى ومؤيدى مبارك ومشروع التوريث.. وهلم جرّا!
سائر هذه القضايا توضح بذاتها المدى المهول من المخاطر والشرور الذى يحف بحريات التعبير فى مصر، فهى لا تعنى سوى أن عددًا مفزعًا من المصريين على أهبة الاستعداد للتحول بإزاء كل خصومة سياسية أو دينية إلى متحسبين، محتسبين يجعلون من أنفسهم حكمًا وقاضيًا بدعاوى قانونية تطالب بمطاردة خصومهم والقضاء المبرم عليهم، وهو ما يعظم الخسائر ويعمق مجرى الأخطار التى تحف بأجواء ملاحقة الكتّاب والمثقفين والفنانين والإعلاميين فى مصر هذه الأيام.

هوامش
قضايا الحسبة
يمتد جدل الدارسين حول مصطلح «الحسبة» إلى زمان ومكان ظهورها فى التاريخ الإسلامى، ويتفقون أن ذلك حدث فى وقت مبكر على ظهور وظيفة المحتسب رسميًّا فى دول الخلافة، ويجعلون من مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر نقطة انطلاق لها، ويعرّف ابن تيمية المحتسب بأنه: «له الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم».
من طه حسين إلى نصر أبو زيد
تعددت الملاحقات الفكرية لمفكرين وعلماء وأدباء وأزهريين وفنانين وباحثين طيلة القرن العشرين ومنذ بداية التاريخ الإسلامى وصولًا إلى اليوم، كانت فى معظمها ملاحقات ومحاكمات دينية الطابع والمضمون فى الوقت الذى يحرص فيه الجميع على تأكيد غياب السلطة الدينية فى الإسلام ورفضه ظواهر الكهنوت ورجال الدين ومحاكم التفتيش.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات