محمد صلاح.. حلم مصر.. حلم الجميع

Foto

كيف يصنع تألق محمد صلاح فى ليفربول السعادة لمصر كلها؟


ترجمة وعرض أميرة جبر عن جريدة «الإندبندنت» الأمريكية.


فى قهوة بسيطة فى قرية نجريج الزراعية الصغيرة فى الدلتا المصرية يعلو هتاف حشد بينما يتابعون جارهم القديم يسجل هدفه الـ٢٦ فى الدورى الإنجليزى الممتاز ضد نيوكاسل. ومنذ مجرد بضع سنوات كان مهاجم ليفربول، محمد صلاح، بينهم يتابع الكرة الأوروبية مع أصدقائه من القرية، وفى ذلك الحين كانوا يشجعون أندية مختلفة ويرتدون قمصانًا مهربة لمانشستر يونايتد وتشيلسى. ولكن الآن لا يوجد شك حول الفريق الذى يشجعونه.
يقول غمرى عبد الحميد السعدنى «٤٢ عامًا»: «الجميع هنا يشجعون ليفربول»، متابعًا: «أينما يذهب صلاح سنشجعه».
ويفخر السعدنى بأن يلقب نفسه بـ«أول مدرب لمحمد صلاح» إذ راعى قدم الهداف اليسرى أولًا فى الأندية الرياضية المحلية عندما كان يبلغ من العمر ٨ سنوات فقط. ويقول: «حتى فى هذا التوقيت كانت موهبته واضحة»، متابعًا: «كانت لديه عزيمة كبيرة. والآن، يصبح أفضل وأفضل، إنه أفضل لاعب مصرى منذ محمود الخطيب».
ولكن شعبية صلاح تتخطى كرة القدم. أصبح صلاح، حسبما يقول السعدنى، ليس فقط فى نجريج، بل عبر مصر كلها «أيقونة ونموذج مبادئ المصريين». لقد عانت مصر منذ انتفاضات الربيع العربى من سلسلة من النكسات الاقتصادية والسياسية، ومنذ ذلك الحين وأغلب الأخبار التى تخرج من مصر كئيبة، ومنذ أن وصل صلاح بمصر لأول كأس عالم فى ٣ عقود، ويتنافس الآن مع مهاجم توتنهام، هارى كاين، على لقب هداف الدورى الإنجليزى الممتاز، أصبح لدى البلاد أخيرًا شىء تحتفل به.
وبالنسبة لسكان نجريج فإن صعوده إلى القمة سريالى نوعًا ما، فبجوار القهوة يقع الملعب الذى كان يلعب فيه صلاح، وتحت أضواء كاشفة بيضاء يركض مراهقون حُفاة يبلغون من العمر ١٠ سنوات ذهابًا وإيابًا، وكلهم أمل أن يتبعوا خطواته. وعلى مقربة يقع منزل صلاح القديم، وهو عمارة بسيطة مكونة من ٣ أدوار، وهو خالٍ الآن، حيث إن صلاح ووالدَيه وإخوته رحلوا إلى أوروبا، ولكن صلاح لم يقطع روابطه بالقرية.
يقول السعدنى: «لَطالما كان شابًّا بسيطًا»، متابعًا: «كان دائمًا جزءًا قويًّا من مجتمع القرية». لقد عاد صلاح من مسكنه فى لندن منذ ٣ سنوات، عندما كان يلعب فى تشيلسى، ليتزوج فتاة محلية من القرية -فى حفل زفاف «دُعى فيه الجميع» بحسب أهل القرية- ويحرص صلاح على العودة كل رمضان ليشاركهم ثروته الجديدة.
وفى قرية تعدادها ١٥ ألف نسمة، حيث يعد ٣ آلاف جنيه راتبًا شهريًّا محترمًا، تستطيع الـ٩٠ ألفًا من الجنيهات الإسترلينية تحقيق الكثير، ولقد أعطى صلاح مجتمع قريته السابقة تبرعات لمدرسته القديمة وهدايا لأطفال القرية، وساعد سكانًا أكثر فقرًا على شراء مستلزمات المنزل التى يحتاجونها للزواج. ولكن صلاح لم يجعل من الأمر عرضًا، وأولئك الذين تلقوا مساعدته يحتفظون بالأمر لأنفسهم، ويقول مروان جلال عيسى، أحد سكان القرية، والبالغ من العمر ٥١ عامًا: «الأمر بينه وبين الله».
ومجتمع نجريج ضيق ومتماسك، فعمليًّا يستطيع الجميع الخدش فى رؤوسهم لدقيقة أو اثنتين لتحديد قرابتهم العائلية بعضهم ببعض. ويقول السكان هنا إن صلاح تبرع لقريته ليس للاستعراض، بل من واقع الالتزام لعائلته الموسعة. فى المقابل، أعادت القرية تسمية مركز الشباب المحلى حيث كان يلعب ذات مرة، ومدرسته القديمة تكريمًا له.
وجزء كبير من جاذبية صلاح يكمن فى أنه لم ينسَ قط من أين أتى. وفى جميع أرجاء مصر يمثل صلاح النموذج للمصرى المتوسط، فهو المراهق الذى نجح بعزيمته فى الوصول إلى أعلى مستويات كرة القدم العالمية، ولكنه لم يُدِر ظهره عن جذوره. يقول عيسى بشدة: «محمد قدوة لهذا البلد»، متابعًا: «كفرد وكلاعب وكمواطن مصرى».
وتسافر ٣ حافلات وقطار شمال نجريج نحو مدينة القاهرة المليئة بالضباب والدخان حيث يشع وجه صلاح من اللافتات. والعاصمة، التى تحتوى على نحو ربع سكان البلاد المئة مليون، تبعد عوالم عن القرية، ولكن قصة المهاجم لمست قلوب القاهريين رغم ذلك.
وفى مختلف أرجاء المدينة يلتقى الشباب فى القهاوى مساءً لمتابعة الفريقين المحليين، الأهلى والزمالك، وكذلك مباريات الدورى الإسبانى والإنجليزى الممتاز ودورى أبطال أوروبا. وجميعهم تقريبًا لديه فريق أجنبى يشجعه، وقمصان ريال مدريد وبايرن ميونخ واسعة الانتشار فى الشوارع المكتظة، ولكن «مو صلاح» أصبح فريقًا فى حد ذاته. ومن المؤكد أن حفنة كبيرة من مشجعى ليفربول ظهروا من فراغ هذا العام، ولكن كما قال أحد المشجعين المحليين: «إنهم يهتمون فقط بصلاح، قد يكون ليفربول متقدمًا بـ٣ أهداف وسيتابعون فى صمت، ولكن إذا سجل صلاح الرابع سيجن جنونهم».
وبالطبع، صلاح ليس اللاعب الوحيد فى الدورى الإنجليزى الممتاز، فلاعب أرسنال، محمد الننى، فى إنجلترا منذ ٢٠١٦، وكذلك لاعب ستوك سيتى، رمضان صبحى. ولكن مهاجم ليفربول هو الذى أسر خيال البلاد.
يقول ويليام فوزى، مشجع كرة قدم، عمره ٢٩ عامًا: «هذه هى المرة الأولى التى نرى فيها لاعبًا مصريًّا يتحمس بشأنه آخرون فى بلاد أخرى»، متابعًا: «هذا جديد على المصريين، لا يمكنكم تصور مدى حب الناس له هنا، إنه ديدييه دروجبا الخاص بنا» فى إشارة إلى لاعب تشيلسى الذى نسب له الفضل كثيرًا فى إنهاء حرب أهلية فى موطنه ساحل العاج.
ويشرح فوزى كيف أن كرة القدم لكثير من المشجعين فى مصر إنما هى تنفيس عن مصاعب السنوات القليلة الماضية، الأمر الذى يجعل متابعة صعود نجم من أبناء الوطن أكثر إمتاعًا. ويقول فوزى: «لم نكترث بكرة القدم فى أثناء الثورة»، متابعًا: «ولكننا بدأنا نتابع مجددًا».
منذ ٢٠١١، زاد التضخم فى أسعار كل شىء تقريبًا، مُبشرًا بأزمة فى تكلفة المعيشة وذروة فى مستويات الفقر. ويقول فوزى: «كرة القدم إلهاء لنا جميعًا».
وفى وقت لاحق هذا الشهر، سيذهب الرئيس السيسى إلى الصناديق ساعيًا لإعادة انتخابه. وإلى جانب الرئيس، فالمصرى الوحيد الذى يزين وجهه طول البلاد وعرضها هو شاب هادئ من قرية فى الدلتا. ويقول فوزى: «إنه الوجه الحقيقى لمصر».

 

 

* إدموند باور: صحفى مستقل مقيم فى القاهرة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات