مصر لو أرادت قيادة المنطقة.. الملعب مفتوح

Foto

كيف مرَّت ذكرى الوحدة العربية دون أن ينتبه إليها أحد؟ لماذا غاب وجود دولة مركزية عربية تعمل وتدفع فى اتجاه صياغة نظام عربى إقليمى؟ كيف ساعدت جامعة الدول العربية فى استدعاء قوى خارجية لضرب دولتين من أعضائها؟


حلَّت الشهر الماضى الذكرى السابعة والخمسون للوحدة المصرية- السورية، وعلى الرغم من أن ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة كانت تمثل فرصة سانحة لبدء نقاش معمّق حول ما ألمّ بالوطن العربى خلال النصف من القرن الماضى حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم من انهيار تام لبعض الدول العربية، وتدمير الكثير من قدرات البعض الآخر، والتسابق على استدعاء القوى الغربية للتدخل فى الشؤون العربية وإداراتها بعد أن كان الشعب العربى «لا حكامه» يحتفل فى عام 1958 بالوحدة والثورة العراقية وإجبار الجنود الأمريكيين على الانسحاب من بيروت، ولكن للأسف مرّت هذه المناسبة مرور الكرام إلا من بعض البكائيات على ما مضى ودون محاولة جادة لاستخلاص العبر للمستقبل. ولا يتطلب الأمر إجراء مقارنة تفصيلية بين الوطن العربى وغيره من الأقاليم فى العالم لملاحظة أن الأول وعلى النقيض من الكثير من الأقاليم الأخرى مرّ فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة بعملية تغيير شاملة قضت على أسس النظام الإقليمى الذى كان قائما أو فى طور التكوين فى أثناء الحرب الباردة، وترتب على هذه العملية فى الوطن العربى عدد من التحولات الرئيسية المترابطة، أولها انتقال مركز الثقل والقرار فى «النظام» العربى إلى دول الخليج على حساب كل من مصر والعراق وسوريا والجزائر، وثانيها تغلغل بعض الدول والتى كانت فى أثناء الحرب الباردة تشكّل مجرد جوار للنظام العربى فى صميم الشأن العربى الراهن، أما ثالثها فكان تحول الولايات المتحدة إلى فاعل أساسى فى الوطن العربى بل إلى الفاعل الرئيسى -على الأقل- حتى غرقها فى مستنقع الحرب فى العراق، ويلاحظ فى هذا الصدد أن الوطن العربى هو الإقليم الوحيد فى العالم اليوم الذى تقوم الولايات المتحدة باستباحته بعمليات قتالية شبه دائمة فى أكثر من دولة، أما رابع هذه التحولات فهو غياب دولة مركزية عربية تعمل على وتدفع فى اتجاه صياغة نظام عربى إقليمى وتحديد أهدافه وحدوده، وهو الدور الذى لعبته مصر حتى الساعات الأخيرة من الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، تاريخ رحيل جمال عبد الناصر، على الرغم من التغيرات فى القوة النسبية بينها وبين بعض الدول العربية الأخرى عقب حرب 1967 وزيادة عوائد السعودية النفطية فى المرحلة ذاتها، وإذا كانت مصر قد تخلّت عن لعب هذا الدور منذ سبعينيات القرن الماضى كما سبق الإشارة فى الجزء الأول من هذا المقال، فإن الدول العربية الرئيسية الأخرى التى تطلعت للقيام بهذا الدور -ومن بينها السعودية- أخفقت فى القيام به سواء فى ظل القطبية الثنائية فى أثناء الحرب الباردة أو فى مرحلة الهيمنة الأمريكية على النظام الدولى عقب انهيار سور برلين.

وأدَّت هذه التحولات مجتمعة إلى غياب تام لأية منظومة عربية مشتركة ينطبق عليها مفهوم ومواصفات النظام الإقليمى كما تعرفه وتحددها أدبيات العلاقات الدولية، حتى إن «الجامعة العربية» والتى من المفترض أنها تمثّل رمزًا للعمل العربى المشترك ورافعة له تحوَّلت -وفى ما يمكن اعتباره سابقة فى عمل المنظمات الإقليمية- إلى أداة لاستدعاء عدوان حلف عسكرى من خارج الإقليم لتدمير دولتين من أعضائها، خضوعًا لأطماع عبثية ولرغبات ضيّقة الأفق تملّكت عضوين آخرين ودون أخذ ما سيترتب على مثل هذا العدوان من مآسٍ على شعبَى تلك الدولتين، وما سيلحق بقدرات الوطن العربى بأكمله من دمار فى الاعتبار، والأخطر أن هذه التحولات عملت على إضعاف الهوية القومية للإقليم ولدوله، لصالح الهويات المذهبية ولخلخلة الحدود الجغرافية للإقليم، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لتدخل دول الجوار غير العربية فى العلاقات العربية- العربية وفى الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية، كما حرم غياب دولة مركزية عربية الوطن العربى من استغلال التراجع النسبى فى القوة الأمريكية وهيمنتها على النظام الدولى منذ أواخر العقد الأول من القرن الحالى وصعود دور العديد من القوى الإقليمية على الساحة الدولية فى وضع قيود على التدخل الأمريكى فى الوطن العربى أو فى الحد الأدنى دفعها إلى إدخال تعديلات فى استراتيجيتها الخاصة بالوطن العربى بما يحفظ ولو بعض الحقوق والمصالح العربية الأساسية كما فعلت دول مركزية فى أقاليم أخرى، مثل الصين فى شرق آسيا وشمال المحيط الهادى والبرازيل فى أمريكا الجنوبية، وكما تفعل كل من إيران وتركيا فى مفاوضاتهما الحالية مع الولايات المتحدة حول الملف النووى للأولى وحول مشاركة الثانية فى التحالف العسكرى الذى شكلته الولايات المتحدة مؤخرًا فى الإقليم.
وإذا كان انهيار الثنائية القطبية فى نهاية القرن الماضى قد منح الولايات المتحدة فرصة تاريخية فريدة لصياغة نظام عالمى يعكس قيمها ويحقّق مصالحها، فإن العربدة العسكرية الأمريكية فى الوطن العربى دون غيره، وتفكك النسيج الاجتماعى فى العديد من الدول العربية وتزايد تدخلات دول الجوار غير العربية فى الشأن العربى لا يمكن إرجاعها إلى هذا العامل فقط، بل هى فى المقام الأول نتيجة لعوامل إقليمية. ويكفى للتدليل على هذا الأمر التذكير بأن الغزو الأمريكى للعراق قد انطلق من أراضى عدد من الدول الخليجية، وأن تدمير ليبيا تم بغطاء من «الجامعة العربية»، كما أن السعودية وقطر لم تتوقفا على مدار الأعوام الأربعة الماضية عن تحريض الولايات المتحدة على مهاجمة سوريا ولا عن تمويل وتسليح العصابات الوهابية المسلحة فيها، إضافة إلى توفير دعم سياسى وإعلامى للتدخُّل التركى فى الشأن الداخلى السورى، كذلك الأمر فى ما يتعلق بالمذهبية السياسية والتى عمل الإعلام الممول سعوديًّا وقطريًّا على ترويجها فى المجتمعات العربية منذ الغزو الأمريكى للعراق فى 2003، بل إن السعودية بدأت فى العمل على نشرها خارج حدودها قبل ذلك التاريخ بعدة عقود، لذلك فإن رهن وقف المأساة العربية الراهنة بتغيير فى توازن القوى فى الساحة الدولية لن يتحقق قريبًا أو بالدعم االروسى -على الرغم من أهميته البالغة- أو بالموقف الصينى أو الأوروبى هو توجه ليس فقط خاطأ بل بمثابة انتحار جماعى من كل المجتمعات العربية وأغلبية الأنظمة الحاكمة التى يمثل الوضع الإقليمى الراهن خطرًا وجوديًّا عليها. إن مواجهة هذا الخطر هى مسؤولية عربية فى المقام الأول، ولن يقوم أحد بهذا الأمر نيابة عن العرب، على العكس فإن الفاعلين الآخرين -مثل الأتراك والصهاينة- يستغلون هذا الخطر لتعزيز مصالحهم وأدوارهم.
ولكن مجرد وجود خطر وجودى أو حتى إدراك وجوده لا يعنى تلقائيًّا التحرُّك لمجابهته، ولنا فى مواقف قطاعات من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية العربية من الكيان الصهيونى مثالٌ جلىٌّ على هذا. إن مواجهة أى تهديد للوطن العربى مهما صغر أو عظم خطر هذا التهديد يتطلب أول ما يتطلّب وجود قيادة أو دولة مركزية، وفى هذا الصدد من الضرورى التمييز بين مفهوم القيادة من جانب وبين مفهوم السيطرة من جانب آخر. فالسيطرة الإقليمية تتحقَّق عن طريق الضغوط -سواء العسكرية أو الاقتصادية أو مزيج من الاثنين- لفرض رؤية وأهداف دولة واحدة على باقى دول الإقليم دون مراعاة للمصالح الحيوية للأخيرة، بل حتى لو كان ذلك على حساب مصالح تلك الدول سواء الفردية أو الجماعية، وهو ما يحاول البعض القيام به منذ سنوات فى الوطن العربى. أما القيادة الإقليمية فترتكز على قبول بقية دول الإقليم أو أغلبها بقيام الدولة المركزية بالدور الرئيسى -وليس بالتفرد- فى تنسيق وتعبئة جهود وموارد تلك الدول لحماية وتحقيق مصالحها المشتركة، كذلك فى وضع آليات لتسوية الخلافات ما بين تلك الدول، وقد ظل موقع القيادة فى الوطن العربى شاغرًا منذ أن تنازل أنور السادات عن هذا الدور فى سبعينيات القرن الماضى وقبل بأن تتحول الدولة المصرية إلى منفذ لاستراتيجيات الآخرين وحارسة لمصالحهم. وفى ضوء الوضع العربى الحالى تصبح عودة مصر لممارسة هذا الدور القيادى ضرورة ملحة يتوقف عليها مصيرها ومصير العرب جميعًا وليس عنترية سياسية أو نزعة إمبراطورية كما دأب المتضررون من الدور القيادى لمصر فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى على وصف التوجه العروبى لعبد الناصر، كما يصير السؤالان الجوهريان هما هل تستيطيع مصر القيام بهذا الدور؟ والأهم هل ترغب مصر فى القيام بهذا الدور؟
وفى ما يتعلق بالسؤال الأول فإن العائقين الكبيرَين أمام قيام مصر بدور قيادى مستقبلى هما أولاً الاعتماد المصرى على المعونات المالية الخليجية، خصوصًا السعودية والعسكرية الأمريكية، وثانيًا فقر الخطاب السياسى المصرى المعاصر الغارق فى محليته والغالب عليه إما الطابع الحقوقى، وإما الصبغة الاحتجاجية، وإما النزعة الاستعلائية، خصوصًا على العرب من غير الخليجيين، أو المذهبية السياسية، بل إن خطاب الدولة المصرية المتعلق بالشأن العربى ذاته يعانى من ميل شديد إلى العموميات ولا يعكس رؤية خاصة واضحة، حتى إنه فى حالات كثيرة لا يبدو أكثر من مجرد نسخة منقحة من الخطاب السعودى الرسمى. وإذا كان التخلص من العائق الأول -حتى مع وجود رغبة صادقة لدى صناع القرار- سيستغرق زمنًا ليس بالقليل، فإن إنتاج خطاب سياسى عروبى جديد نقيض للمذهبية السياسية وللفكر الوهابى أمر يمكن إنجازه -ولو على مستوى مؤسسات الدولة فقط- فى فترة وجيزة، خصوصًا أن الكثير من المفردات الضرورية لمثل هذا الخطاب موجودة ولو بشكل متناثر وضمنى فى الخطاب الرسمى الحالى، ولا يتطلب الأمر أكثر من ترتيبها حول مفهوم واضح ومحدد للأمن القومى العربى لا يختزل الأخير فى أمن السعودية أو حتى فى أمن الخليج العربى مجتمعًا لقطع الخطوة الأولى فى طريق إنتاج خطاب عروبى جديد للدولة المصرية يمكن الأخيرة فى حال ما إذا نجحت فى إقناع عدد من الدول العربية وقطاعات واسعة من المجتمعات العربية به -ودون الحاجة إلى طفرة اقتصادية مصرية سريعة- فى قيادة الجهود العربية لإقامة نظام إقليمى عربى لا شرق أوسطى ولا مذهبى لبناء مناعة سياسية عربية فى مواجهة دول الجوار والمذهبية فى آن واحد بما يساعد فى الحفاظ على النسيج الاجتماعى الثرى والمتنوع للمجتمعات العربية ووقف التدخل الخارجى فى الشأن العربى، وفى هذا السياق لا يجوز الاستهانة بالقدرات الإعلامية للدولة المصرية التى إذا ما أحسن استخدامها ستشكل بديلاً إيجابيًّا على اتساع الوطن العربى للإعلام المذهبى، ولكن نجاح إعلام الدولة المصرية فى القيام بهذا الدور لا يتوقف فقط على كفاءته المهنية، وإنما أيضًا على مدى اتساق السياسة المصرية عامة مع هذا الخطاب، وهو ما يتطلب أن يتوقف بعض مؤسسات الدولة المصرية عن اتخاذ مواقف أو إطلاق تصريحات تعتبر بعض المواطنين المصريين وقطاعًا أصيلاً من المجتمع العربى عناصر دخيلة على الوطن العربى أو بمثابة عملاء لإحدى دول الجوار، كما سيساعد بدء حوار استراتيجى مصرى- إيرانى تأخَّر كثيرًا فى مقاومة المذهبية السياسية والتى تشكل فى اللحظة الراهنة الخطر الأكبر على المجتمعات العربية والأساس الفكرى والمعنوى للعنف المادى الذى تمارسه العصابات الوهابية فى أكثر من دولة عربية. 
أما فى ما يتعلق بالسؤال الخاص بمدى توفر رغبة مصرية -سواء رسمية أو شعبية- فى القيام بدور قيادى عروبى، فإن الدولة والمجتمع المصريين هما فقط مَن يملكان الإجابة عنه وهو ما ستكشفه الأيام القادمة، ولكن يجب أن يأخذا فى الاعتبار أن ثمن تأجيل الإجابة عن هذا السؤال أو ثمن الاستمرار فى النهج السياسى الذى بدأ فى سبعينيات القرن الماضى سيفوق أى أعباء ستترتب على محاولة القيام بهذا الدور بما فيه عبء إجراء مكاشفة وحوار صريح مع المملكة السعودية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات