.

العدوان على اليمن وفرصة مصر الضائعة

Foto

كيف تنطبق صفة العمل العدوانى على عاصفة الحزم طبقًا لقرارات الأمم المتحدة؟ لماذا تعتبر التدخلات السعودية فى اليمن أكبر من تدخلات إيران؟ لماذا يتسبب ما يحدث فى اليمن فى تعميق المذهبية السياسية فى الوطن العربى؟


يعدّد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 الصادر فى عام 1974 بعض الأعمال التى تنطبق عليها صفة العمل العدوانى، وهى:

«أ» قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أى احتلال عسكرى، ولو كان مؤقتا...، «ب» قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل...، «ج» ضرب حصار على موانى دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى، «د» قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين التجاريين البحرى والجوى لدولة أخرى،... «و» سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بـأن تقوم هذه الدولة بارتكاب عمل عدوانى ضد دولة ثالثة، «ز» إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بشكل ملموس فى ذلك.
ومن الملاحظ أن قائمة الأعمال تلك والتى وردت فى المادة الثالثة من القرار الأممى المعرف للعدوان تشمل جميع الأعمال التى قامت بها القوات المسلحة السعودية وبعض قوات الدول المنضوية فى التحالف الذى تقوده المملكة منذ بدء العدوان على اليمن فى الأسبوع الأخير من مارس الماضى، وهو العدوان الذى لا يمكن شرعنته استنادًا إلى طلب قدّمه رئيس مستقيل هارب من عاصمة دولته بعد أن فقد القدرة على حكم البلاد التى وصل إلى موقع الرئاسة فيها مصادفة ونتيجة لمبادرة سعودية هدفت لاحتواء انتفاضة شعبية على نظام الحكم الذى كان عبد ربه منصور هادى أحد أركانه حتى ولو كان لا يزال معترفًا به من قبل حكومات أجنبية أو من قبل مجلس الأمن الدولى، فشرعية أى نظام حكم وإن كان لها شق دولى، إلا أنها تقوم فى الأساس على قبول أغلبية شعبية به، وعلى قدرته على الحكم، وعلى سيطرته على عاصمة الدولة -وهى كلها أمور لا تتوافر فى حالة هادى- لا على قرارات منظمات دولية أو إقليمية أو على مواقف حكومات دول أخرى منه، كذلك فإن التعلل بالتدخل الإيرانى فى الشأن الداخلى اليمنى لتصوير الأمر على أنه دفاع شرعى عن النفس وفقًا لميثاق الأمم المتحدة يتطلب التصدى له إزاحة تلال التراب التى تراكمت على ميثاق الدفاع العربى المشترك -والذى لم يفعل فى مواجهة الغزو الأمريكى للعراق الذى انطلق من أراضى بعض أطراف التحالف المعتدى على اليمن، أو فى مواجهة الاحتلال الصهيونى لفلسطين والجولان السورى والمزارع اللبنانية، أو فى مواجهة الاعتداءات الصهيونية على أكثر من دولة وشعب عربى، والتى وصلت إلى حد احتلال عاصمة عربية فى 1982، وبعد ذلك بعقدين إلى حد حصار رئيس عربى فى أنقاض مقرّه وعدم السماح له بالخروج إلا لكى يلفظ أنفاسه الأخيرة فى أحد المشافى الفرنسية، أو فى مواجهة العصابات الوهابية التى اجتاحت بدعم سعودى-قطرى- تركى- أردنى- غربى، تنطبق عليه بوضوح الفقرة «ز» من المادة الثالثة من القرار 3314، أراضى دولة مؤسسة للجامعة ولميثاق الدفاع المشترك، هى سوريا- إنما هى حجة واهية، فالتدخل الإيرانى المرفوض وبحق فى الشأن الداخلى اليمنى لم يصل إلى الحد الذى تنص عليه الفقرة «ز» التى سبق الإشارة إليها، فالقوى السياسية والقوات العسكرية -سواء اللجان الشعبية التابعة لأنصار الله أو قوات الجيش اليمنى الموالية لعلِى عبد الله صالح- الرافضة لهادى، هى قوى وقوات يمنية لا إيرانية، بل إن التدخل الإيرانى الراهن فى الشأن اليمنى لا يقارن بالتدخلات السعودية الفجة والمتكررة فى الشأن اليمنى الداخلى منذ نشأة المملكة فى 1932، إن إنقاذ العواصم العربية من النفوذ الإيرانى كما يطالب المدافعون عن العدوان على اليمن لا يتم عبر تدميرها، سواء عن طريق القصف الجوى السعودى أو محاولة اجتياحها بواسطة عصابات تعتنق ذات الأيديولوجيا المذهبية التى قامت عليها المملكة، وإنما يتم عبر التخلِّى عن ومحاصرة وعلاج نتائج السياسات الداخلية والإقليمية للعديد من الدول العربية المشاركة فى العدوان على اليمن والتى عبدت الطريق للنفوذ الإيرانى إلى تلك العواصم. أما ثالثة الحجج التى تساق للترويج للعدوان على اليمن وشرعنته، خصوصًا فى مصر، فهى حماية باب المندب ومن ورائه قناة السويس بما تمثّله من أهمية للاقتصاد المصرى، وهذه الحجة وإن كانت أوهى من الحجتَين السابقتين، حيث لم تُظهر جماعة أنصار الله أية نية لإغلاق المضيق بل على العكس أصدرت تصريحات مطمئنة بهذا الشأن -فضلاً عن أن الأساطيل الأمريكية فى المنطقة لن تسمح لأنصار الله أو لأى طرف آخر بتكرار ما حدث فى أثناء حرب عام 1973 من إغلاق للمضيق- فإنها لا تقل خطورة عنهما فى ما يتعلق بمستقبل العلاقات بين دول المنطقة والترتيبات الأمنية فيها، حيث تعمل على شرعنة الضربات الاستباقية حتى فى غياب دليل على وجود خطر محدق بما يتيح للدول القوية عسكريًّا مهاجمة الدول الأضعف منها متى أرادت ودون أية مراعاة للقواعد الدولية المنظمة لاستعمال القوة العسكرية، بل الأخطر من ذلك أن منطق المدافعين عن العدوان السعودى على اليمن يجعل أى تغيير سياسى داخلى فى دولة ما لا ترضى عنه جارتها الأقوى ذريعة كافية لشن حرب وقائية، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة فى السيادة الذى يشكل الركيزة الأولى للقانون الدولى وللمنظمات الدولية والإقليمية بما فيها «جامعة الدول العربية» ويخالف القواعد التى تحكم استخدام القوة فى العلاقات الدولية.
إن العدوان السعودى على اليمن ومنطق المدافعين عنه يخلقان تحديات كبيرة لصانع القرار المصرى أقلها شأنًا ما يتعلق بضرورة إجراء تغييرات فى مناهج التاريخ فى المدارس المصرية بحيث يتم «تصحيح» تناولها للثورة العرابية، فوفقًا لمنطق العدوان السعودى والذى هللت وروجت له العديد من وسائل الإعلام المصرية لا تزيد هذه الثورة عن كونها تمردًا مسلحًا قاده ضباط عصاة -كما أعلن فى حينه خليفة المسلمين صاحب السيادة على مصر- على والى يستمد شرعيته ليس فقط من رضا الخليفة عنه، بل أيضًا من معاهدة دولية وقعتها معظم الدول الكبرى فى ذلك الوقت، وبذلك يصبح الغزو البريطانى لمصر تدخلاً اضطراريًّا لمساندة الوالى الشرعى وإعادته إلى قصره فى العاصمة وليس احتلالاً عسكريًّا. ووفقًا للمنطق ذاته يصبح من الواجب «تصحيح» تناول هذه المناهج للعدوان الصهيونى فى عام 1967، بحيث يعرض على أنه مجرد ضربة استباقية ووسيلة لضمان سلامة الملاحة الدولية كما يزعم الصهاينة، بل إن هذا المنطق يلقى بظلال كثيفة من الشك على شرعية مشهد 30 يونيو 2013 وما تلاه من تطورات سياسية داخلية، خصوصًا إذا ما أخذنا فى الاعتبار أن محمد مرسى -وعلى العكس من هادى- رفض وحتى خطابه الأخير الاستقالة من منصبه وتمسّك بما وصفه بشرعيته، كذلك تصبح مطالبة بعض مساعديه وأنصاره بتدخل دولى لدعمه -كما أشار عدد من وسائل الإعلام المصرية- أمرًا مقبولاً لا دليل خيانة.
ولكن التحدى الأكثر خطورة الذى يشكله هذا العدوان لصانع القرار المصرى يتعلق بما يمثله من تعميق للمذهبية السياسية فى الوطن العربى وجواره من خلال تخليق صراع مذهبى فى مجتمع عربى آخر -عُرف مثل العراق وسوريا حتى سنين خلت- كنموذج للتعايش المذهبى على الرغم من حدة صراعاته السياسية. وهو ما من شأنه أن يزيد من اشتعال الحريق المذهبى إقليميًّا، وهو ما لن تنجو منه مصر وستعانى من ارتداداته والتى ستزيد من الاحتقان الطائفى والمذهبى فى المجتمع المصرى ولو بعد حين، خصوصًا فى ظل تقاعس مؤسسات الدولة عن مواجهة المذهبية السياسية بل وفى أحيان كثيرة المشاركة فى ترويجها. كذلك كشف العدوان السعودى على اليمن بشكل لا لبس فيه حجم اختلال توازن القوة بين مصر والمملكة لصالح الجانب السعودى، والذى بادر بشن عدوانه قبل ساعات من انعقاد القمة العربية بمصر، ليفرضه كأمر واقع على المجتمعين، قاطعًا بذلك الطريق على إمكانية صياغة أو حتى مناقشة أية مبادرة عربية جماعية لحل تفاوضى للأزمة السياسية اليمنية تتجاوز ما ترأه المملكة حقها فى الهيمنة على اليمن، بل وغادر الملك السعودى القمة قبل أن تنتهى، مصطحبًا معه هادى، بعد أن حرص على التذكير بالدعم المالى الذى قدّمه للدولة المستضيفة قبل عدة أسابيع. إن عجز أو عدم رغبة مصر فى اتخاذ موقف متمايز ولو قليلاً عن الموقف السعودى، بل وتسريب موقف مصر الداعم للعدوان السعودى من قبل مصادر خليجية -لا مصرية- قبل إعلانه رسميا قد أضاع على مصر فرصة قد لا تتكرر قريبا لتقديم نفسها كقطب عربى مستقل يمكن أن تتجمع حوله كل الدول العربية وكل الفاعلين السياسيين والثقافيين فى المجتمعات العربية الرافضين للمذهبية السياسية والتى يحرص البعض سواء من الحكام العرب أو من الدول الإقليمية وبالطبع الكيان الصهيونى، على توطينها فى الوطن العربى لتمزيقه، كذلك فإن هذا العجز أو عدم الرغبة عن التمايز عن المملكة فى قضية عربية ليس لها بُعد دولى سيؤثر كثيرًا على نظرة الدول الصاعدة على الساحة الدولية لمصر، فالدولة التى لا تستطيع أن تقاوم الضغط المالى السعودى لن تصمد كثيرًا فى مواجهة الضغوط السياسية الأمريكية، وبالتالى لا يمكن الاعتماد عليها كحليف فى الأزمات الدولية. وفى السياق ذاته، زاد الموقف المصرى الداعم للعدوان السعودى على اليمن من التساؤلات حول طبيعة ومهام القوة العربية المشتركة التى دعا إلى تشكيلها الرئيس المصرى، والتى كان من المفترض أن تكون الموضوع الرئيسى على جدول القمة وفقًا للتصور المصرى، بل ويمكن القول إنها أضعفت من فرص تشكيل هذه القوة والتى كان من المتصور أن تكون البوابة التى تعود من خلالها مصر إلى لعب دور قيادى فى وطنها العربى. فإذا كان العدوان على اليمن هو نموذج أولى لما ستقوم به هذه القوة المشتركة مستقبليا من مهام -كما هللت بعض الأصوات فى الإعلام الخليجى- فمن المؤكد أن مصر لن تلعب أى دور قيادى فيها، بل إن هذه القوة المشتركة لن تعدو فى الواقع أكثر من نسخة خليجية معاصرة للحلف المقدس الذى شكلته مراكز الرجعية فى أوروبا فى القرن التاسع عشر، لحماية العروش والقيم المحافظة التى زلزلتها مبادئ الثورة الفرنسية، مع تعديل بسيط هو أن دور هذه القوة المشتركة سيمتد إلى حماية «رؤساء الجمهوريات» التابعين حتى إذا لم يكترثوا بالبقاء فى المؤتمرات التى تناقش مستقبل ما يفترض أنها أوطانهم فى الوقت الذى تسيل فيه دماء شعوبهم على أيدى مضيفيهم. إن مثل هكذا قوة إذا ما تشكلت ستكون خنجرًا لنزعة قبلية مذهبية لا درعًا للمجتمعات العربية، وحتمًا لن تكون سيفًا لعروبة تحررية لم تخطر على أذهان المجتمعين فى شرم الشيخ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات