الذى لا يحب جمال عبد الناصر

Foto

بداية الرواية تؤسس للفانتازيا من سطرها الأول، ولمنطقها الساخر، فى مشهد أمام ضريح عبد الناصر، الذى يتفاوض مع ملاكه الحارس، ليسمح له هذا الأخير بالخروح فى زيارة للحياة ليرى مصر


فى روايته الأولى «الذى لا يحب جمال عبد الناصر» الصادرة عن دار «الانتشار العربى»، والتى جاءت بعد عدة مجاميع قصصية، يعمد الكاتب العمانى سليمان المعمرى، إلى تقديم نص يرتهن إلى أصوات رواة مختلفين، معتمدًا فى ذلك على أحداث تاريخية قريبة تتمثَّل فى بعض أحداث الثورات والهبّات الشعبية العربية. وعبر هذه التقنية، يمرر المعمرى قصته الطريفة والذكية، عن المواطن المصرى بسيونى سلطان، المقيم فى سلطنة عمان، والذى يتضح كما فى عنوان الرواية أنه لا يحب الزعيم الراحل عبد الناصر، ومع تعاقب الفصول يتضح كونه إخوانيًّا صرفًا، انتمى فى منتصف عمره إلى أفكار قطب والبنا والجماعة بشكل عام، بسبب اشتراكه معهم فى أمرَين: كره عبد الناصر، والتعصب المذهبى.


بداية الرواية تؤسس للفانتازيا من سطرها الأول، ولمنطقها الساخر، فى مشهد أمام ضريح عبد الناصر، الذى يتفاوض مع ملاكه الحارس، ليسمح له هذا الأخير بالخروح فى زيارة للحياة ليرى مصر، وكان شرط الموافقة على عودة ناصر إلى الحياة هو أن يذهب إلى أكثر شخص يكرهه على وجه الأرض، ويستل من قلبه نسبة 1% من الكراهية التى يكنها له، وتصادف أن يكون هذا الشخص هو بسيونى سلطان، المقيم فى عمان منذ 35 سنة، والذى يعمل مدققًا لغويًّا فى صحيفة «المساء».

بسيونى سلطان يدخل فى غيبوبة عندما يرى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يقف أمامه، وهو الإخوانى الذى يقبل العمى ولا يقبل عبد الناصر.


السخرية، والسخرية وحدها كانت قادرة على تفكيك الشخصية الإخوانية وكشف مواطن العلة فيها، وفى حالة «الذى لا يحب جمال عبد الناصر»، جاءت السخرية منسابة ومستدامة على طول العمل، المفارقة والتناقض هما منبع تلك الابتسامة التى سترتسم على ملامحك طوال قراءة العمل، فبسيونى متناقض مثل أى إنسان، إلا أن لتناقضاته بعدًا آخر، بعدًا مؤدلجًا، كأن يحب بسيونى المترجم المصرى الشاب زميله فى الصحيفة ويحنو عليه كأب، وفى الوقت ذاته يغضب منه ويقاطعه، لأنه منح صوته لحمدين صباحى، بدلاً من مرسى فى الانتخابات الرئيسية التى تلت ثورة 2011، بخلاف ذلك يتعصَّب بسيونى لآرائه، ويرفض التسليم بالهزيمة فى النقاشات التى يخوضها، مثل أى سوفسطائى مبتدئ، حتى إنه يعرض على زميلته الشيعية أن يتزوج منها زواج متعة، متنازلاً عن مبادئه وعقيدته لصالح تحقيق مكاسب وقتية قصيرة الأجل.


هذا التناغم بين حقيقة الشخصية الإخوانية، وبين النسخة الروائية منها، المصاغة فنيًّا وبأبعاد إنسانية حقيقية تنحاز إليه أو عليه حسب زاوية رؤية الراوى، هى التتبيلة المثلى لهذا العمل الفاتن. فعلى الرغم من التناقضات والتعصب فى شخصية بسيونى سلطان، فإنه فى الوقت ذاته شهم وأبوى، وأحيانًا حساس، ليس شريرًا صرفًا، هو يعادى الحداثة ويرفض شعر التفعيلة ويفضل الأشعار العمودية، شخصية كلاسيكية باميتاز تصلح تمامًا لتوضع تحت مبضع الروائى وعينه الفاحصة، إلا أنها كلاسيكية تم تقديمها بشكل متطوّر فنيًّا وببناء وتقنيات جاءت فى محلها بالضبط.


هناك لون كتابى يُطلق عليه النقاد «ميكروهيستورى» أو «التاريخ المصغر»، المقصود هنا هى تلك الكتابة التى تتخذ من المحطات الكبرى فى حقبة تاريخية معينة خلفية للعمل، بحيث تغزل درسًا تاريخيًّا فى نسيج العمل الروائى، والوضع فى «الذى لا يحب جمال عبد الناصر» لا يبعد كثيرًا عن ذلك، إذ إن المعمرى يغزل الكثير من الأحداث التاريخية فى بنية نصه، لا سيما فترة الثورات العربية التى بدأت أواخر 2010 فى تونس واندلعت بعدها فى بقية بلدان المنطقة، وكذلك بعض ملامح فترة حكم عبد الناصر، الأمر الذى يوضح حجم البحث والتدقيق التاريخى الذى قام به الكاتب.

بخلاف ذلك فإن الرواية قدمت إن صح الوصف «جغرافيا مصغرة»، حيث يتعاقب على حكى الفصول عدة رواة من جنسيات عربية مختلفة، لا يكاد يفلت إقليم من أقاليم الوطن العربى من هذا الأمر، الخليج، السودان، مصر، تونس.. إلخ.


لتمييز أصوات الرواة المختلفين لجأ المعمرى إلى تغييرات بسيطة وذكية فى بنى الجمل، والأسلوب، بحيث يمنح كل راوٍ صوتًا خاصًّا، بخلاف تطعيمه فقرة كل راوٍ بأمثلة تعكس ثقافته المحلية، فالتونسى مثلاً يستخدم الكثير من الأمثال الدارجة التونسية، والسودانى بالمثل يستخدم العامية الخرطومية فى بعض كلامه.


بتلخيص، يمكن القول إن الرواية حققت تناغمًا حقيقيًّا بين قصتها والدراما من جانب، وبنيتها والتقنيات الروائية من جانب آخر، لتنتج فى منقضاها عملاً قويًّا، يحمل قيمتين فنية وتنويرية فى آنٍ واحد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات