.

واقعية سحرية بنكهة مصرية 

Foto

تدور أحداث الرواية فى قرية «دجا» أقصى جنوب مصر وكغيرها من المناطق التى لا تدرى عنها الدولة شيئًا لا لشىء سوى أنها لا تنتمى للعاصمة


يتباين  الفضاء السردى وتأويلات النص بعدد من يتلقونه، كما يرتبط هذا التأويل بقناعات وموقف متلقيه ورؤيته للعالم والموجودات، ونادرة هى النصوص الأدبية التى يقف متلقيها حائرًا أمامها، وكثيرة هى الأسئلة التى يخرج بها بعدما ينحيها جانبًا ويبدأ الاشتباك معها، تنتمى رواية «الأسياد» الصادرة عن دار الشروق للكاتب الطبيب «حسن كمال» لهذا اللون من الكتابات بدءًا من العنوان «الأسياد» المنطوى على الكثير من الدلالات فكما أصطلح فى الوعى الجمعى المشرقى تحديدًا على أن «الأسياد» هم الجان، والأسياد مالكو مفاتيح السلطة والسطوة والقوة، والأسياد هم الطبقة الخفية المجهولة التى تحرك العالم من وراء ستار، والأسياد بالمعنى الاستعمارى الكلاسيكى الرجل الأبيض الذى مازال يحتكر ولو حتى لا شعوريًّا امتيازه بكونه الأفضل والأعلى مرتبة فى سلسلة البشر «إذا بحثت فى الخرائط عن كل البلدان التى كانت تحتلها انجلترا فستجد بلدة صغيرة تشكلت بعد الحرب العالمية اسمها من ثلاثة أحرف من لغة أهل البلد اختصارًا للكلمة نفسها تجّمع جنود أجانب، وفى موضع آخر «هنا صنعنا دجا وصنعنا الشيخ عثمان، والآن نصنع الشيخ بشير» وهى لعبة الأمم الجديدة انتهاء الاستعمار العسكرى المباشر الذى عاد فى صورة الفتنة بين الشعوب بورقة الأديان وزرع بذور الشقاق بين بعضها البعض أو داخل أصحاب الدين الواحد بلعبة المذاهب.

تدور أحداث الرواية فى قرية «دجا» أقصى جنوب مصر وكغيرها من المناطق التى لا تدرى عنها الدولة شيئًا لا لشىء سوى أنها لا تنتمى للعاصمة أو المدن الكبرى الأسياد عن مصر الكبيرة المترامية الأطراف التى لا نعرف عنها شيئًا، وعن مصريين يعيشون بيننا لكننا نجهلهم ونجهل وجودهم.

تستدعى ذاكرة متلقى «الأسياد» ملامح كل من «صقر الحلوانى» فى عصفور النار و«معلا قانون» فى «غوايش»، الاثنان لم يتورعا عن التضحية بصلة الرحم والدم مقابل السيطرة والنفوذ بل وتستدعى مئات القصص عن قتل الآباء والأشقاء فى الصراع على الحكم والملك والسطوة بالمعنى الأشمل، فبشير بطل الرواية وموقفه السلبى يرفض المشيخة باحثًا عن خلاص فردى ويترك وراءه شقيقه الأصغر «ناندو» حتى يذبح فى الوقت الذى كان يمكنه استغلال إذعان وخضوع أهالى قريته لمن يشغل منصب المشيخة فى تغيير ما توارثوه من ظلمات الجهل والدجل والمعتنقات الفاسدة، وهو ما استمر حتى بعد فناء القرية بأهلها وتمت إعادة إنتاجه فى صورة «جنة» وابنتها «عسلية»، لكن فى صورة جديدة فلم يحاول بشير أن يكون بإيجابية «إسماعيل» بطل قنديل أم هاشم الذى تغلب على أنانيته وعاد مرة أخرى ليحطم الخرافات، ويبدد جهل الدجل والشعوذة، وتنصل من مسئوليته «بعضهم ينتظرون شيئًا ما رآه فى عيونهم» وحتى عندما ظن أنه أفلت من مصير أهالى دجا والحبس داخل سجن الخرافات والجهل كان يعيد سيرة  والده «عرفات» الذى هرب هو الآخر تاركًا وراءه زوجته وولديه للفرار مع الفرنسية التى تركته بعد خمس سنوات من زواجهما، ولم يكن بعظمة أمه «أروكا» التى ضحت بأنوثتها وقبلت بأن يعاملها الجميع ليس فقط كرجل وإنما كشيخ «امرأة لعنتها المشيخة»، ولا فى إخلاص «شهلى» وإصراره على حفظ الكيان الأكبر «دجا» نفسها من الفوضى والخراب، بشير يحمل هو الآخر شطرًا من الازدواجية تجلى فى موقفه دائم التذبذب من حبيبته «نور» والتى تحسمه هى فى النهاية.


وبعيدًا عن ابتذال قولبة الرواية ومحاولة اختزالها فى الإسقاط على الواقع المعيش نجح الكاتب ببراعة أن يخلق تاريخ قرية كاملًا من نسج خياله، بداية من تأسيس المدينة مرورًا بالمآسى والأحقاد بواقعية سحرية يحلو للجميع التغنى بها وقصرها على ماركيز!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات