.

ربنا هيسهلها إن شاء الله

Foto

عملت مرشدًا سياحيًّا نحو عشرين عامًا، وراقبت عشرات الأمثلة على تدهور مواقع أثرية عديدة بسبب الجهل المتفشى بين القيادات، أو بسبب التجاهل والإهمال والاستهتار


المآسى فى مصر عديدة ومتنوّعة، لكن أغلبها يعود إلى الجهل والتواكل، فمشكلة ذقن توت عنخ آمون ليست المرة الأولى التى يعالج فيها مسؤولون مصريون مشكلة ما، بأكبر قدر ممكن من الجهل والتواكل.

كنت فى قطار دمياط القاهرة، عندما جاء مهندس ومساعده وجلسا فى مقاعد قريبة من المقعد الذى أشغله، واستمعت إلى حوار يدور بينهما حول ضرورة مرور حفّار على كوبرى قديم، وذلك حيث إن هذا الحفار يتجه إلى مكان ما لا سبيل إلى الوصول إليه إلا بالمرور على هذا الكوبرى القديم، وفهمت أن المساعد يخشى انهيار الكوبرى، إلا أن المهندس رد عليه قائلاً «خليها على الله، ربنا سبحانه وتعالى حا يسترها معانا»، تعجبت مما سمعت، أين هى العقلية العلمية التى يجب أن يتحلى بها هذا المهندس؟ ولمن ترك إذن العقلية العلمية واختار هو العقلية التواكلية، وهو المهندس الذى درس فى الجامعة؟ أم أنه يمكن للمرء أن يصبح مهندسًا دون الذهاب إلى الجامعة؟


فى أثناء إعدادى لملف الزيارة الأولى لواحة الخارجة، قبل القيام بعمل برنامج سياحى هناك، تقريبًا سنة 2001، وجدت مقالاً فى جريدة فرنسية يقول: «إن أعمال الترميم قد توقّفت فى معبد هيبيس، من الأسرات الفرعونية المتأخرة، الذى يبعد بالكاد ثلاثة كيلومترات عن مدينة الخارجة، وذلك لأن المقاول من الباطن الذى أوكلت اليه الأعمال، أزال السور المحيط بالمعبد، والذى يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد»!


عملت مرشدًا سياحيًّا نحو عشرين عامًا، وراقبت عشرات الأمثلة على تدهور مواقع أثرية عديدة بسبب الجهل المتفشى بين القيادات، أو بسبب التجاهل والإهمال والاستهتار واللا مبالاة السائدة فى العقلية المصرية، فهناك -مثلاً- تدهور النقوش الجدارية فى مصطبة «ميرى روكا» بسقارة بسبب تزاحم السياح داخلها واحتكاكهم بنقوشها، وهناك تدهور «الكاتاكومب» فى الإسكندرية بسبب المياه الجوفية، وهناك كذلك السرقات المتعدّدة أو التدمير المتعمّد لمتاحف ومخازن الآثار فى الصعيد مثلما حدث فى ملّوى والأشمونين خلال سنة 2011.


وقد تختلط عاهات الجهل والتواكل بمشاعر التعصّب الدينى إذا تعلقت المسألة بآثار مسيحية، والدليل على ذلك هو أن عمال المقاولين العرب المكلّفين بشق طريق جديد يهتفون «الله أكبر... الله أكبر»، لأن الطريق الجديد سيمرّ بموقع أحد الأديرة المسيحية، كأن هؤلاء العمّال قد عادوا إلى القرون الأولى من الهجرة فى أثناء مهاجمة حصن من حصون شرق حوض البحر المتوسّط فى مصر والعراق والشام، التى كانت تدين بالمسيحية حتى لحظة فتح «غزو؟» العرب لها.

فبصرف النظر عن أية ملابسات زمنية ومكانية للحادثة الخاصة بأحد أديرة وادى النطرون، فكل شىء فى مصر عشوائى. وقد قام رهبان الدير الذى يحمل اسم أحد الرهبان الأوائل من القرن الرابع الميلادى، وهو القديس الأنبا مقّار، بالتصدّى بأجسادهم لمحاولة هدم الدير.

نظرًا لأن الطريق سيهدم كنيسة أثرية تعود إلى القرن الرابع الميلادى «مش مهم وفى ستين ألف داهية».

هى فى نظر بعض مهندّسى المقاولين العرب المتعصّبين دينيًّا كانت فرصة لا تعوّض للانتقام من الكفّار الأنجاس. وأكد أحد الرهبان أن بعض المهندسين المعتدلين كانوا قد قدّموا للمسئولين طرقًا بديلة عديدة لتنفيذ نفس الطريق دون الإضرار بآثار الدير ولا مصالح الدولة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات