.

«سيلفى» نشوى.. على الجانب الآخر من الفجوة بين الحياة والموت

Foto

هل نحن أمام تجربة تعيد صياغة مفاهيم الحياة والموت عبر حكايات وتفاصيل متشابكة؟


فى التجارب المسرحية يبقى للمونودراما أو العمل القائم على الممثل الواحد مذاق خاص، كما تبقى تلك النوعية من التجارب محفوفة بالمخاطر، خصوصًا أن انفراط عقد التفاعل مع الجمهور من يد الممثل أو بطل العمل من شأنه أن يصرف الجماهير عنه إلى غير رجعة.
 
نشوى مصطفى قررت أن تخوض تلك المغامرة من خلال مسرحيتها الجديدة «سيلفى مع الموت»، والتى أثارت ضجة كبرى مع بداية الإعلان عن عروضها على خشبة المسرح الكوميدى، مما دفع البعض للتساؤل حول معنى تقديم عرض ميلودرامى على خشبة المسرح الكوميدى.
 
وبعيدًا عن السؤال والتصنيف، يمكن القول إننا أمام تجربة تعيد صياغة مفاهيم الحياة والموت من جديد عبر حكايات وتفاصيل متشابكة.. تجربة تقف فيها نشوى وحيدة لتملأ الفراغ من حولها وتطرح الأسئلة من نوعية «هل الفن حرام؟ هل التفكير حرام؟ وهل يجرَّم المرء حين يقرر أن يعيد صياغة العالم من حوله وَفقًا للمعطيات الجديدة؟».
من اسم العرض الذى كتبته نشوى مصطفى، يتضح لك أن هناك تركيزًا بدرجة أكبر على بطلة التجربة، فهى التى تتصدر صورة «السيلفى»، ليبقى الفراغ من حولها بطلًا ثانيًا ينسج بين خيوطه مشكلات كثيرة نحياها على مستويات عدة، اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية.
 
ولأن العادة جرت فى مثل تلك التجارب على أن يكون الرهان الأول والأكبر والأهم على البطل نفسه، كونه وحده من يُشكل الفراغ المسرحى، وهو أيضًا مَن يملك كل مفاتيح الإيقاع، يمكن التأكيد أن نشوى برعت فى أن تأخذ معها الجمهور وتتنقل به بين حالات متنوعة، فتارة تحاوره عن الحب والحياة وتارة أخرى عن الموت، تحدثه عن الضحك وفجأة تلقى به إلى أتون الحزن والبكاء، تتحدث وتسأل وتناقش وتفسّر وترد، ولا تنسى حالة التشتت التى تسيطر عليها وتحاول تصديرها إلى الحضور، لتأكيد أننا نعيش فى عصر متذبذب يترنح بين الصواب والخطأ، الحق والضلال، بين رغبة البعض فى تحريم كل شىء، ورغبة الغير فى إعمال العقل ومواجهة فتاوى الضلال والشذوذ.
 
الفراغ المسرحى قدَّم لنا مساحة واسعة تبدو وكأنها الفجوة بين الموت والحياة، حيث لا شىء ثابت، الكل متغيّر، بينما تحلّق بطلة العرض فى فضائه بأسئلتها عن الهموم الشخصية وقضايا المجتمع، عن الإرهاب والقتل والتخريب، ساخرة من السياسيين المنافقين والإعلاميين والفنانين الذين يرتدون أقنعة لا تعكس معتقداتهم، مشددة على أن البلاد لن تنهض ما دمنا نواجه اختلاف الفكر بالقتل والدماء لا بالمناقشة والتلاقى فى منطقة وسط.
 
موسيقى خالد داغر كانت مميزة للغاية ولعبت على مشاعر الحضور بطريقة لافتة، كما أسهمت إضاءة أبو بكر الشريف فى تفسير الحالات المختلفة التى تمر بها بطلة العرض، وأسهم الديكور الذى جاء أغلبه من اللون الأبيض فى أن يتيح للإضاءة أن تلعب الدور الأكبر فى ترجمة كل ما تشعر به بطلة المسرحية من مشاعر متضاربة، كذلك أضافت الإضاءة متعة بصرية أسهمت بدرجة كبيرة فى القضاء على حالة الملل التى عادة ما تسيطر على تلك النوعية من العروض، خصوصًا أنها تعتمد كما سبق وذكرنا على ممثل واحد فقط.
 
المخرج محمد علام كان ذكيًّا فى التعامل مع خشبة المسرح، ونجح فى تقديم صورة مسرحية باهرة، غنية بالتفاصيل، وبدا أنه واعٍ بخطوط الحركة التى جاءت مفعمة بالحيوية والنشاط، كما لم ينسَ أن الشخصية التى انقسمت على نفسها تعانى التوتر والقلق والتشتت، فراح يرسم خطوطًا حركية سريعة ومضطربة لتناسب أجواء العرض.
 
«سيلفى مع الموت» وإن كان يطرح تساؤلات عدة حول ما نمر به فى مصر، فإنه يفتح أيضًا الباب أمام أسئلة مشروعة عن أسباب هجرة النجوم للمسرح والارتماء فى أحضان السينما والدراما، بحجة أن المسرح مرهق وتجاربه تحتاج إلى الكثير من الوقت، ويعلن فى الوقت ذاته عن موهبة نشوى مصطفى الكاتبة التى تحتاج فقط إلى البعد عن التطويل فى بعض الجمل الحوارية وإعادة صياغتها وضبط إيقاعها، ليخرج نصها المسرحى بصورة أكثر حيوية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات