.

سوريا قلعتنا.. فإما أن تكون أو لا نكون

Foto

كيف ناصبت السعودية وتركيا العداء للوحدة بين مصر وسوريا أيام «ناصر»؟ ولماذا تجتمع هذه الدول الآن فى الحرب ضد سوريا؟ لماذا تأثرت الثقافة المصرية بالوهابية منذ السبعينيات؟


بعد اجتياحهم لبغداد، زحف المغول باتجاه مصر عبر الشام، والذى كان عدد من مدنه يرزح تحت سيطرة الفرنجة. وكانت مصر فى ذلك الوقت تعانى من اضطراب سياسى وضائقة مالية، سجلهما المؤرخون. وعلى الرغم من ذلك، خرج المظفر قطز لملاقاة المغول فى أرض الشام، ولم يقبع داخل حدود مصر، متوهمًا إمكانية حدوث معجزة تصرف التهديد المغولى. كذلك لم يسعَ إلى التحالف مع الفرنجة، بذريعة مواجهة الخطر الأكبر، خصوصًا فى ظل الوضعين السياسى والاقتصادى الصعبين، كما لم يقترح قطز عقد معاهدة تمزق الشام بين الأطراف الثلاثة، على أمل أن يقنع كلا من المغول والفرنجة بنصيب من جثة الشام، ولا يتطلع إلى مصر، وإنما اختار المواجهة اعتمادًا على ما توفر لديه من إمكانات قليلة. وهو النهج ذاته الذى سار عليه خلفاؤه من سلاطين المماليك إلى أن تم إزالة التهديدين تمامًا، وحماية الشام ومصر والعراق منهما. بعد تلك اللحظة التاريخية بقرون، أعلن جمال عبد الناصر الوحدة بين مصر وسوريا، والتى كان من أهدافها حماية سوريا من التهديدات التركية، ومواجهة خطر الكيان الصهيونى الذى ظهرت نياته التوسعية فى العدوان الثلاثى على مصر فى 1956، الذى هبَّت الجماهير السورية اعتراضًا عليه، وشارك ضباط سوريون -أمثال الشهيد جول جمال- فى التصدى له، واحتضنت خلاله إذاعة دمشق شقيقتها القاهرية، بعد استهداف مقرات الأخيرة من قبَل طائرات الديمقراطيتين الإنجليزية والفرنسية. وقد ناصب كل من السعودية وتركيا والحكم بالأردن، وبالطبع الكيان الصهيونى، دولة الوحدة، العداءَ. وليس من قبيل المصادفة أن تجتمع هذه الأطراف اليوم -بالإضافة إلى قطر- فى الحرب على سوريا، والتى كانت تمثل دومًا -على الرغم من بعض السلبيات (وهى ليست بالقليلة) لبعض المواقف والسياسات السورية الداخلية أو الإقليمية- عقَبة أمام المشروعات التدميرية لهذه الأطراف، ونموذجًا مضادا أكثر تنوعا واستقلالية من أى منهم، وقيادة أشد حرصًا من العرشين السعودى والأردنى، على المصالح العربية المشتركة، وفى مقدمتها قضية فلسطين.
وغنىٌ عن الذكر، أن الأهمية الجيو- استراتيجية لبلاد الشام التاريخية ولسوريا المعاصرة، قد لعبت دورًا فعالا فى دفع قطز إلى ملاقاة المغول فى عين جالوت، وفى قرار عبد الناصر بالدخول فى وحدة اندماجية مع سوريا، فسوريا هى قلب المشرق العربى وحلقة الوصل بين جناحيه الشرقى فى العراق، والغربى فى مصر، وهو ما أسهم فى ربط مصائر بغداد ودمشق والقاهرة معًا، وجعل أية هزيمة استراتيجية لأى من الشقيقات الثلاث، خسارة فادحة يدفع ثمنها الجميع، وأى انتصار استراتيجى لإحداها، رصيدًا إضافيا للعاصمتين الأخريين، بغض النظر عن أية خلافات عارضة بينها أو مصالح ضيقة تتملك أى من النظم الحاكمة فى إحداها فى لحظة تاريخية بعينها. ولكن ما يربط العواصم الثلاث وغيرها من المدن العراقية والسورية والمصرية معًا، يتجاوز حدود الأمن بمفهومه العسكرى، واعتبارات الجغرافيا السياسية، فالتلاقح الفكرى والتفاعل الثقافى ونظيره الاجتماعى بين مدن البلدان الثلاث، شكلوا أساس الهوية الثقافية الحديثة لكل مجتمع على حدة، كما نتج عنهم ما يمكن اعتباره هوية ثقافية عربية مشتركة، سادت بين الطبقات الوسطى فى البلدان الثلاث، حتى ثمانينيات القرن الماضى. فالثقافة المصرية الحديثة -على سبيل المثال- لا يمكن تصوُّر ما ستكون عليه دون كتابات الكواكبى ودار الهلال والأهرام، وغيرها من إسهامات المثقفين الشوام الهاربين من الاستبداد العثمانى فى بلاد الشام فى القرن التاسع عشر، أو أشعار نازك والسيّاب والبياتى والجواهرى ونزار قبانى والمغوط وسعدى يوسف، وروايات وقصص حنا مينا وزكريا تامر، وكوميديا نجيب الريحانى، وموسيقى فريد الأطرش، ورقص بديعة مصابنى، وسينما أنور وجدى فى القرن العشرين. والأمر ذاته بالنسبة للثقافتين السورية والعراقية، اللتين نهلتا من إبداعات يوسف إدريس وأم كلثوم وصلاح أبو سيف وتوفيق صالح وبليغ حمدى وتحية كاريوكا وسيد درويش. لقد كانت مصر منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضى، نقطة لالتقاء هذين الرافدين الرئيسيين للثقافة العربية الحديثة، وإعادة ضخّهما بعد مزجهما بالإبداعات المصرية، إلى جميع أرجاء وطننا العربى، وهو ما بدأ فى التراجع منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى؛ نتيجة الزواج بين قيَم الوهابية والانفتاح الذى عقده ورعاه أنور السادات، إلى أن توقفت هاتان العمليتان تمامًا فى عهد حسنى مبارك، بعد أن تلوثت الدماء التى تصل إلى العقل المصرى بالنفط الذى كادت براميله تغلق شرايين مصر نهائيا.
ويمكن القول إن جزءًا رئيسيا من مشهد 30 يونيو، تمثَّل فى مواجهة بين ما تبقى فينا من الهوية الثقافية المشرقية العربية الحديثة، والإخوان باعتبارهم الابن البكر للوهابية والانفتاح والممثل السياسى الأبرز للهوية الوهابية- الاستهلاكية، التى شكَّلت الأساس الأيديولوجى لنظام السادات- مبارك، ولكن حتى لا يكون مشهد 30 يونيو تغريدة البجعة الأخيرة، وإنما خطوة فى اتجاه بعْث قيم الإبداع والاعتماد على الذات والمقاومة، فإنه يجب تأمينه إقليميا، خصوصًا فى سوريا التى تخوض فى تلك اللحظة معركة وجود -وجودها ووجودنا- فى مواجهة تعبيرات أكثر شراسة لنفس التيار السياسى الذى ينتمى إليه الإخوان، والذى أثبت حقده -وليس فقط اختلافه- على كل ما هو إبداعى وجمالى ومتنوع ومختلف، وانتصاره فقط للقبح والخرافة والأحادية والخراب. إن سقوط الدولة السورية -لا قدر الله- لن يكون فقط بمنزلة طرد لمصر من المشرق العربى لعقود طويلة قادمة، بكل ما يعنيه هذا من نتائج استراتيجية وثقافية وخيمة لأى دور مستقبلى عربى لمصر، وإنما أيضًا بداية للعدّ التنازلى لتبخُّر ما تبقى من آمال بعثها مشهد 30 يونيو داخليًّا وإقليميا، بعد أن تكفلت سياسة إمساك العصا من المنتصف داخليا، مع من هم على يمين الإخوان، وإقليميًّا مع الممثل الأقدم للوهابية السياسية على مدار عامين، بالقضاء على معظم هذه الآمال. إن الفجوة، اليوم، بين السلاح الذى يواجه عناصر ولاية سيناء، والسياسة المتحالفة مع مؤسسى ورعاة التنظيم الأم، والمتغاضية عن ممارسات من يشاركهم فى العقيدة السياسية، تشكِّل ثغرة ستؤدى مرة أخرى -لا قدر الله- إلى إجهاض انتصار كنّا قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه، وعندها لن يهم «مَن سيرفع راياتهم فوق قلعتنا، أنت أم فارس يائس».
إن دروس التاريخ تؤكد أن التهرب من خوض معارك الوجود، أو الاكتفاء بمشاهدة من يخوضها نيابةً عن الآخرين، يعدّان انتحارًا سياسيا، خصوصًا إذا ما كان العدو قد أصبح داخل الوطن لا على أبوابه. وفى حالة المواجهة مع الوهابية السياسية، فإن الأمر يتجاوز حدود الانتحار بالمعنى المجازى، إلى معناه الحرفى، كما تدل الجرائم اليومية فى سوريا والعراق وسيناء. كذلك فإن من الخطأ أيضًا تأجيل المواجهة، بذريعة نقص القدرات، خصوصًا إذا لم تكن هناك مؤشرات على حدوث طفرة فيها فى أى وقت قريب، بل إن مواجهة التحديات الوجودية عادةً ما تكون فرصة لكنس القيَم النفعية والاستهلاكية، ولاستنهاض الهمَم وقيم الإبداع والعطاء والتضحية، التى لا تقوم الأمم والدول -أيًّا ما كانت نظمها السياسية والاقتصادية- بدونها، والتى كثيرا ما تعوض نقص القدرات المادية فى اللحظات التاريخية، كذلك فإن الشرط الأساسى والذى بدونه لا تتوفر أية فرصة جدية للانتصار فى أية مواجهة -أعنى شرط تعريف العدو- لا يحتاج إلى قدرات مادية، وإنما إلى رؤية ومشروع سياسيين. لذلك فإن نقطة البداية فى أية استراتيجية مصرية ناجحة لمواجهة الخطر الذى يتهدد مصر والوطن العربى، هى وضع تعريف سياسى له والكفّ عن استخدام لفظة الإرهاب التى قد تكون لها فائدة دعائية لبعض الوقت، ولكنها لا تحمل أى مضمون سياسى محدد يساعد على تحديد كل من رفاق السلاح والخصوم، كل الخصوم، أو فى تعبئة الشعوب وإعدادها لمواجهة قد تطول. كذلك فإن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب رد الاعتبار لمبدأ قومية المعركة، والذى تم على أساسه التخطيط لمعركة أكتوبر- تشرين، كما أوضح المشير الجمسى، أحد أنصع الرموز العسكرية المصرية، فى مذكراته، وتطبيق هذا المفهوم على المعركة الحالية مع الوهابية السياسية.
إن رسالة سوريا اليوم إلى مصر، حكومةً ومثقفين وشعبًا، رسالة تحذير وليست استجداء، فسوريا وحلفاؤها فى الميدان سيقاومون «ولو سقطت كل المدن» كما أكد أمين عام حزب الله، غداة الاجتياح الوهابى لمملكة زنوبيا. مفاد رسالة سوريا لنا جميعًا: «إن سهمًا أتانى من الخلف سوف يأتيك من ألف خلف» بعد أن نكون قد خسرنا كل شقيق وشريك، مصير حقيقى فى حربنا ضد الأحقاد والخرافات الوهابية والأطماع الإمبراطورية الأردوجانية، والعبث القطرى والعدو التاريخى الجاثم فى فلسطين المحتلة.
فهل يقع النداء على آذان صاغية قبل فوات الأوان؟ أم أن القوم صُمٌّ بكمٌ عمىٌ؟ أم أن فى أفواههم نفطًا؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات