تحولات المثقفين المصريين.. وظهور نموذج المثقف اللاهث وراء اعتراف غربى بمواهبه

Foto

كيف أصبح صراع النفط قبلة المثقفين فى الثمانينيات والتسعينيات؟ كيف قاومت قلة منهم وبدون فاعلية تحالف الوهابية؟ لماذا اختفى نموذج المثقف الملتزم بالقضية الوطنية لصالح نموذج المثقف اللاهث وراء اعتراف غربى بمواهبه؟


«لوحوا بأيديكم ودعوا زنوبيا، قولوا للشعراء يكملوا الأشعار، قولوا للثوار يظلوا ثوار، مملكة تدمر انتهت من الأرض صارت فى القلوب، صارت فى المدار، صارت الصرخة وصارت النار» زنوبيا- فيروز والأخوان رحبانى.

فى مايو الماضى، اجتاحت جحافل الدولة الإسلامية «تدمر» لؤلؤة البادية السورية بعد أن اضطر الجيش السورى المستنزف على عشرات الجبهات إلى سحب قواته منها، وجاء تقدم عصابات الخلافة تحت أنظار طائرات الولايات المتحدة وعربها والتى كانت بردًا وسلامًا عليها، على الرغم من انتهاك هذا التحالف الفجّ للسيادة السورية بحجة محاربة تلك العصابات التى استدعاها الرئيس السورى، لا أعضاء التحالف كما يدّعى المثقف الحداثى المتبتل فى محراب الديمقراطية الليبرالية، وأخوه الإسلامى المعتدل المتسامح فى عليائه مع «النصارى» و«العلمانيين» ليلَ نهار، على الشاشات وفى صحف شيوخ أنظمة النفط والكفيل، رعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان العربى المزعومين. وربما التمس الاثنان العذر للتحالف لعدم تصديه للعصابات الزاحفة على مملكة زنوبيا؛ لانشغال أركانه بحماية عروبة اليمن من «الملالى الصفويين» عبر إلقاء الأطنان من القذائف على رؤوس شعبه، وقتل أطفاله ببطء -وفق تقارير دولية يعانى نحو نصف المليون طفل يمنى من نقص حاد فى الغذاء» بعد تدمير مصانع حليب الأطفال والمستشفيات، وتهشيم تراثه العريق، والذى لن يكون من سيتبقى من الأطفال اليمنيين بحاجة له فى يمن المستقبل الذى ينظر له المثقف الحداثى وتؤسسه المملكة وغيرها من الإسلاميين المعتدلين من أمثال إخوان اليمن والقاعدة التى رفعت راياتها فى عدن كما فى غيرها من المدن التى «حررها» التحالف.
ومنذ مايو الماضى، تعلقت الآمال بحدوث معجزة تقى ما تبقى من آثار فى تدمر لم تستطع الحكومة السورية نقلها إلى مكان آمن، لضخامتها، مصير المواقع الأثرية الأخرى التى سقطت فى براثن الوهابية، سواءً فى الجزيرة العربية أو فى العراق أو فى مناطق أخرى فى سوريا. وزادت هذه الآمال مع ما تردد فى الأسابيع الماضية عن وصول القوات السورية إلى مشارف تدمر، ولكنها سرعان ما تسربت مع انتشار خبر قتل خالد الأسعد، حارس تدمر الثمانينى، الذى فضّل الموت على البوح بأسرار مليكته، وما أعقبه من أنباء عن بدء جنود الدعى المنتسب زورًا إلى بغداد دار السلام وإلى سيد الشهداء، تدمير معابد تدمر ومدافنها الأثرية. وإذا كان سلوك تلك العصابات لا يحتاج إلى سكب الكثير من الحبر لتفسيره حيث يتوافق مع أيديولوجيتهم الوهابية الكارهة لكل الحضارات القديمة وآثارها، والتى كفر مؤسسها المسلمين من السُّنة المتصوفة والشيعة باعتبارهم عباد قبور، فإن ما يستحق التفسير هو تواطؤ مثقفى مصر المتشدقين بحب الحضارة مع هؤلاء بالصمت ليس فقط طوال الأربعة أشهر الماضية أو فى ما يخص سوريا فقط، بل منذ أن سقط القناع عما زعموا أنه ربيع عربى، لتظهر وجوه المحافظين الجدد -بتنويعاتهم المختلفة- المعادية لكل ما هو عروبى وحضارى فى كل بلادنا، وانصرافهم إلى الاقتتال على مواقع بيروقراطية، والتسابق على الظهور فى فضائيات رجال الأعمال والشاشات الخليجية للتعليق وللتجادل على توافِه الأمور بدلا من محاولة تقديم قراءات نقدية لواقعنا العربى المرير، واقتراح سبل للخروج منه.
ولكن أزمة المثقف -لا الثقافة- فى مصر ليست وليدة ربيع المحافظين الجدد، بل يمكن اعتبار الأخير الإشهار الأبرز لوقائع الاختفاء المعلَن للمثقف فى مصر منذ مطلع تسعينيات القرن الماضى على الأقل. ويمكن إرجاع جذور هذه الأزمة إلى مفهوم المثقف المسيطر على جماعات المثقفين المصريين، ونظرتهم إلى دوره، فمفهوم المثقف الذى ساد تاريخيًّا بينها متأثر بشدة بفكرة المثقف العام التى عادةً ما يؤرخ لبدايتها بمقال «إنى أتهم» لإميل زولا، وهو ما ترتب عليه ارتباط مفهوم المثقف فى الحالة المصرية عادةً بالأدباء والكتاب الصحفيين الذين يمثلون الضمير العام فى مواجهة السلطة السياسية غالبًا من خلال توجيه الاتهامات البلاغية لممارساتها، لا بالباحث الذى ينقد أسس هذه السلطة ويحلل توجهاتها ويحاول تشكيل بدائل مدروسة وممكنة لها وتعبئة المجتمع حولها. وساعد فى ترسيخ هذا المفهوم حصر الكثير من المثقفين المصريين دورهم فى استيراد أحدث الصراعات الفكرية والمصطلحات الأكاديمية من الغرب، وفرضها على الواقع المصرى، دون القيام بمحاولات جادة لفهم الواقع المادى الذى أنتجها وعلاقته بالواقع المادى للمجتمع المصرى، وهو الأخطر دون تقديم أى تحليل لإمكانية التغيير الاجتماعى والسياسى للواقع المصرى وحدود هذا التغيير على ضوء أوضاع القوى الاجتماعية المصرية المختلفة وتوازن القوة بينها، والاستعاضة عن هذا التحليل بترديد شعارات عن التغيير قائمة فى الكثير من الأحيان على فهم مبتسر لنظريات اجتماعية وسياسية، أو على انطباعات عن تجارب شعوب أخرى، وإصباغ قوة خرافية على تلك الشعارات تجعل التغيير المنشود -مهما كانت جذريته- متوقفًا على هتاف الجماهير بها أو على تضمين وصفات المنظمات الدولية للتغيير المعبرة عنها فى وثيقة، بغض النظر عن توافر أو غياب العوامل الضرورية لتحويل هذه الشعارات والوصفات إلى واقع.
وأسهم هذا الفهم لدور المثقف فى اتساع الفجوة بين المثقفين والجماهير التى نصبوا أنفسهم أوصياء عليها، ولا عجب فى ذلك، حيث إن المثقف المصرى هو فى الأساس نتاج مشروع تحديث فوقِى وليس مثقفًا عضويًّا، ولكن الإشكاليات الخاصة بمفهوم المثقف وبدوره، التى سادت تاريخيا فى أوساط المثقفين المصريين فى حد ذاتها لا تفسر التحولات التى طرأت على أغلبيتهم التى تخلّت عن نموذج المثقف الملتزم بالقضية الوطنية لصالح نموذج المثقف اللاهث وراء أى اعتراف أو حتى شبه اعتراف غربى بمواهبه، وتحولت من مبشر بالثورة الاجتماعية إلى حجيج إلى كعبة الاستبداد فى الوطن العربى، ولا يشرح كيف استبدلت بخطابها الجذرى مفردات البنك الدولى وصندوق النقد وغيرهما من المنظمات الدولية الهادفة إلى تخفيف الاحتقانات الاجتماعية -لا علاج أسبابها- حتى لا تنفجر فى المستغلين، يرددها «مثقف» الجمعيات الأهلية فى قاعات الفنادق فى ضيافة إمبرياليى الأمس ممولى اليوم، ولا كيف تحول التغنى بالكفاح المسلح المتمسك بالعودة إلى فلسطين، كل فلسطين الصاعد من مخيمات الشتات إلى واقعية الاكتفاء بأخذ «ما تستطيع من الحق فى هذه السنوات القليلة»، ولا يفسر التخلى عن مبدأ رفض التصالح مع العدو التاريخى، والهرولة للتطبيع معه -أو غض النظر عن عمليات التطبيع- تحت مُسمى الاعتراف بالآخر، بينما يمعن العدو فى استلابه ما يستطيع من مفردات هويتنا وتدمير الباقى، ولا كيف انتهى المقام بالمثقف المالئ المجال العام صخبًا بالاتهامات يوزعها يمينا ويسارًا على الكمبرادور مرة وعلى البرجوازية الصغيرة مرات، وعلى العسكرتاريا دائمًا إلى سكن حظائر كل السلطات.
إن مفتاح فهم تحولات المثقفين المصريين -فى رأى الكاتب- يكمن فى التغيرات التى حدثت فى قمة النظام المصرى فى سبعينيات القرن الماضى، وما ترتب عليها من تفكيك ما تم بناؤه من الدولة الوطنية، فالمثقف المصرى -كما سبقت الإشارة- هو نتاج مشروع التحديث الفوقى الذى بدأ فى القرن التاسع عشر، بعبارة أخرى هو ابن السلطة السياسية لا المجتمع، بل إن فاعلية المثقف المصرى وقدرته على التأثير فى المجتمع قد ارتبطتا تاريخيًّا -حتى لو لم يرغب فى الاعتراف بذلك- بتعاونه مع السلطة السياسية، بما فيها سلطة المحتل، ومع الدولة الوطنية فى مرحلة يوليو فى تنفيذ المشروع السياسى لكل منهما، لا بتحديه لهما. ينطبق هذا الأمر على رفاعة الطهطاوى -المثقف الأول- الذى كان خادمًا أمينًا لمحمد على ومن بعده لإسماعيل، لا ناقدًا لهما، على الرغم من استبدادهما وسياساتهما -خصوصًا الأول- المفرطة فى القسوة، بل إن الطهطاوى يمكن اعتباره من منظرى مشروع إسماعيل الاستعمارى فى إفريقيا، ولم يتردد على مبارك فى خدمة سلطة عائدة إلى الحكم بفضل الغُزاة البريطانيين. كذلك تعاون الشيخ محمد عبده وتلاميذه مع المندوب السامى البريطانى -الحاكم الفعلى للبلاد فى أثناء الاحتلال- من أجل تطبيق إصلاحاتهم، وكان أبرز مثقفى ما قبل الثورة من أمثال أحمد لطفى السيد ومحمد حسين هيكل وطه حسين، جزءًا من النخبة السياسية، وشغلوا مناصب هامة سواءً فى مجلس الشيوخ أو فى وزارات الوفد أو الأحرار الدستوريين. أما المرحلة الناصرية فكانت العصر الذهبى للمثقفين المصريين على الرغم من اعتقال أعداد منهم بسبب انتماءاتهم التنظيمية وليس لدورهم الثقافى بالمفهوم الضيق لهذا الدور؛ فنجيب محفوظ -على سبيل المثال- لم يتعرض لأى تضييق حكومى على الرغم من رواياته الناقدة والتى تحول عدد منها إلى أفلام سينمائية من إنتاج مؤسسة حكومية. انتشر المثقفون فى عهد يوليو فى المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية المختلفة التى أقامتها الثورة، وأتيحت لهم فرص لم تكن مُتاحة من قبل، سواءً لنشر أعمالهم من خلال المجلات ودور النشر الحكومية، أو للانفتاح على ثقافات ومثقفى آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، كما أسهم العديد من المثقفين اليساريين فى صياغة الخطاب السياسى للدولة، وفى جهود التثقيف السياسى للمواطنين، خصوصًا من خلال منظمة الشباب ومعهد الفكر الاشتراكى. وأدت تلك العوامل، إضافةً إلى مجانية التعليم الجامعى، إلى سد ولو جزء من الفجوة القائمة منذ القرن التاسع عشر ما بين المثقفين والقطاعات الأكبر من المجتمع.
ولعل هذا التطور فى العلاقة بين المثقف والمجتمع كان من العوامل الرئيسية التى شجعت قطاعًا مؤثرًا من المثقفين المصريين فى سبعينيات القرن الماضى على الدخول -ولأول مرة فى التاريخ المصرى- فى صراع سياسى مفتوح مع السلطة الحاكمة؛ بسبب انحيازها للقلة الثرية وتوجهات سياستها الخارجية التى أسست للتبعية، وكانت التحركات الطلابية والعُمالية الحاشدة فى يناير 1972، وانتفاضة يناير 1977، وتأسيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، أبرز محطات هذا الصراع، والذى أدى إلى أن تصبح مصر فى عهد أنور السادات، ولأول مرة منذ القرن التاسع عشر، طاردة للمثقفين لا جاذبة لهم. وكانت القارة الأوروبية وجهة الموجة الأولى من المغادرين، والذين توجه بعضهم أيضًا إلى بغداد البعث، وكذلك إلى عاصمة الثورة الفلسطينية فى بيروت الغربية، وعندما عادوا وجدوا بقايا الوطن تتقاسمه أوليجاركية المعونة وشيوخ الوهابية. أما الموجات التالية فى الثمانينيات والتسعينيات، والمشبعة بقيَم انفتاح السادات، فكانت قبلتها صحراء النفط، والتى دفنوا فى رمالها كل ما تعلموه -وربما آمنوا به يومًا- عن الحرية والعدالة، وقبلوا فيه الدية. أما من لم يغادر فإما سارع بالقفز من سفينة الاشتراكية السوفييتية الغارقة إلى شواطئ الليبرالية الجديدة سواء فى الحزب الحاكم أو فى المنظمات غير الحكومية، أو انزوى فى مربعه الأثير فى وسط القاهرة يحن إلى كوزموبوليتانية لم تكن لتتسع له، بينما قاومت قلة منهم بنُبل -وإن كان دون فاعلية كبيرة- تحالف الأوليجاركية- الوهابية.
أدى تخلى السلطة السياسية فى سبعينيات القرن الماضى عن مهمة استكمال بناء الدولة الوطنية إلى استحكام أزمة المثقف، والذى تجول منذ ذلك الحين على أبواب كل السلطات، سواءً فى مصر أو الوطن العربى أو عبر المتوسط أو الأطلسى، عارضًا خدماته على كل مَن يملك دفع راتبه دون الاهتمام كثيرًا بمضمون المشاريع السياسية التى جند مواهبه لخدمتها، أو بالنتائج التى ستترتب على نجاحها. وظن كثيرون أن الانتفاضات الشعبية العربية ستشكل بوصلة تهدى المثقف إلى سبيل إنهاء تيهه الذى كان قد قارب على الأربعين عامًا، ولكن عوضًا عن ذلك أظهرت هذه الانتفاضات أن المثقف السابق كان قد فقد على مؤائد الأوليجاركية والوهابية ليس فقط قدرته على تحليل الواقع وتعقيداته -حتى إن مواقفه أسهمت فى تمهيد الطريق لصعود الإسلاميين للحكم فى مصر وتونس، وتوفير الغطاء اللا أخلاقى لتدمير الأطلسى لليبيا وكذلك لحرب عرب وإسلاميى أمريكا والكيان الصهيونى على سوريا واليمن- وإنما أيضًا حسّه الإنسانى، كما تجلى فى تجاهله التام لمحنة الشعب فى كل من البحرين واليمن، وعدم التفاته لمأساة الشعب السورى النبيل إلا بعد أن تحول جزء منها إلى عبء على الدول الأوروبية التى صدرت العديد من المقاتلين التكفيريين إلى سوريا. ومع توالى فصول ربيع المحافظين الجدد تأكدت وترسخت عزلة المثقف السابق التامة عن الجماهير، والتى أصبحت -فى ما يعد بمثابة استقالة من الدور الذى ارتضاه لنفسه- الجهة الوحيدة التى يوجه إليها اتهاماته سواء ببيع أصواتها أو بعدم أهليتها للمشاركة السياسية، كذلك تأكد التزامه التام بالحدود التى رسمتها السلطة، سواء سلطة الكفيل أو سلطة الممول أو سلطة الوهابية، للكلام المُباح، وهى الحدود التى رفض خالد الأسعد الالتزام بها فكانت شهادته حجة على كل من قالوا «نعم» ولعنة ستؤبد تيههم، أما دماء الأسعد فامتزجت -كما دماء آلاف الشهداء الآخرين- بالأرض العربية السورية الخيّرة التى صنعت مجد زنوبيا الذى سيخلده صوت فيروز مهما حطم جنود الدعى، والتى أنجبت وستنجب ببركة هذه الدماء ثوارًا حقيقيين أمثال يوسف العظمة وسلطان الأطرش وإبراهيم هنانو وجول جمال، لا مرتزقة الفرقة ثلاثين أو أقرانهم، فالأرض كما أخبرتنا زنوبيا- فيروز «ما بتهرب».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات