.

«القائد.. لا ينبطح»

Foto

تزاحمت أعوادنا الغضّة باحثين عن مواقع تمكّننا من متابعة المشهد العصى على النسيان: جنازة الشهيد عبد المنعم رياض


كان ذلك على أبواب ربيع ١٩٦٩، اعتلينا أسطح مدرستنا، «ليسيه الحرية» بباب اللوق، المدرسة الفسيحة المطلّة من مسافة تسمح بالرؤية، على ميدان التحرير، ومكننا الارتفاع النسبى لأدوار المدرسة الأربعة من أن يعبر البصر، المبنى المجاور لجارتنا الجامعة الأمريكية، والذى يطل مباشرة على الميدان.

تزاحمت أعوادنا الغضّة باحثين عن مواقع تمكّننا من متابعة المشهد العصى على النسيان: جنازة الشهيد عبد المنعم رياض، كان الوقت ضحى، وشمس جلية يتوسط قرصها سماء، خُيّل إلينا أنها تطبق على أنفاسنا.

كانت أعمارنا لا تسمح بغير وعى مرهف وإن كان جياشًا، بان الراحل الذى تشيّعه الجموع تحت أبصارنا، قد استشهد دفاعًا عنا وعن الأرض، هكذا لخص لنا «مسيو أمين» مدرس أول اللغة العربية، ورائدنا فى اتحاد طلبة المدرسة، والذى تبنَّى مطلبنا، بنينًا وبنات، المطلب المحطم للقواعد المعلنة وغير المعلنة، والذى انتوينا عليه بغير اتفاق مسبق، فى عدم الدخول إلى الفصول والمطالبة بالخروج للمشاركة فى وداع بطل، أو على الأقل تعطيل الدراسة فى أثناء مراسم التشييع والسماح بالصعود إلى أعلى مكان يمكننا من «البكاء بحرية» والتلويح لجنازة الشهيد عبد المنعم رياض.

كنت أترأس اتحاد طلاب المدرسة واتحاد طلاب منطقة غرب القاهرة التعليمية، وبفطرة وطنية اعتبرت أن الوصول إلى نقطة المشاركة فى تشييع عبد المنعم رياض، معركة تستاهل الحشد والإصرار، وانتويت لها منذ طابور الصباح، بعدما علمت بأن طالبات المدرسة الحكومية المقابلة، مدرسة الحواياتى الثانوية بنات، سوف يخرجن فى طوابير منتظمة إلى حيث الجنازة، وأن المدرسة السعيدية بجاردن سيتى والخديوية بالسيدة زينب نفس الأمر، بت أرتّب السيناريو، متقبلة كل التداعيات المتوقعة من إدارة مدرسية صارمة مشتركة ما بين فرنسيين ومصريين، ليس من عادتها الخروج على ما تراه نصًّا واجبًا، لكن هذه الإدارة، أجهضت المعركة المحتملة ووافقت على مقترح الصعود إلى حيث يمكننا المشاركة عن بُعد، شريطة الالتزام بفترة زمنية محددة، نعود بعدها إلى نظام اليوم الدراسى.


كانت الكتل البشرية هى كل ما يصل إلى أعيننا، كتل هى أشبه بالكتلة الواحدة، التى مهما ركّزنا فيها لم نكن لتبين أن «ناصر» كان يتصدرها، وأنها كانت تضم الجميع، الذى كان «الكل فى واحد»، كانت مصر «الموجوعة» بسبعة وستين، تشد الحيل وتعيد لملمة شتات نفسها، وتستنزف عدوّها بحرب استنزاف، حرب الخمسمئة يوم، حرب لها «كود» مختلف، كود يتصدَّر فيه القائد الجنود، ليكون أول مَن يستشهد، وهكذا كان الوضع لما استُشهد الفريق عبد المنعم رياض فى مارس ١٩٦٩. فى ٨ مارس ١٩٦٩ قامت أربع وثلاثون كتيبة مدفعية بفتح النيران، بطول مئة وثمانين كيلومترًا، على تحصينات العدو الإسرائيلى بشرق القناة، فى حشد نيرانى عُد الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية. كان القصف المدفعى لـ«الطوبجية» المصريين (الطوبجية الاسم القديم لسلاح المدفعية)، يجسّد تجليًا من تجليات هذا السلاح الذى أوصل الجيش المصرى يومًا إلى السيادة فى الشام وشبه الجزيرة ودكّ حصون الأستانة.

لكنه فى يوم ٨ مارس كان بمثابة اختبار لاستعادة القدرة، بعمل علمى هندسى بالدرجة الأولى، فى سياق خطة عمل أكبر وأطول، تسير فى خطوط متوازية. كان عبد المنعم رياض «رجل ميدان»، أراد أن يستطلع بنفسه مباشرة، فى اليوم التالى، تداعيات شلالات نيران المدفعية المصرية، فى ضوء المتغيرات الجديدة أو المؤشرات العلمية لرؤية حرب استعادة الأرض. اختار الفريق رياض أن يذهب إلى موقع «نمرة ٦» بالإسماعيلية، وأن يسير محاذيًا خط المياه ويمسك بالنظارة المعظّمة، ويرى بنفسه أثر قصف المدفعية المصرية. أمام إصراره طلبوا منه أن لا يسير واقفًا، منتصب القامة، وأن يحنى ظهره حتى لا يراه العدو، وكان ردّه: «القائد لا ينبطح». رصد العدو وجود «شخصية»، انطلقت دانة من نقطة «نمرة ٦» (لسان التمساح)، ليستشهد القائد، الذى لقّبه الروس بـ«الجنرال الذهبى»، وليصير يوم استشهاده يومًا رمزيًّا لـ«الشهيد»، مع أن كل الأيام لا بد أن تكون للشهيد، ولكل ما يجسده من معانٍ، وعلى رأسها: القائد لا ينبطح.


«للقائد الذى لم ينبطح» ولكل الشهداء، فى كل المواطن المصرية، وكل الأزمنة، الذين أثروا الاستشهاد على الانبطاح:
أنتم «المعنى» علّنا نتذكّر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات