.

التمييز الواجب بين المعارضة والإرهاب

Foto

ما خطورة الجمع بين المعارضة السياسية السلمية والتنظيمات الإرهابية المتطرفة ضمن مفهوم أهل الشر؟ لماذا لا يتم فتح باب التحقيق فى بقية الوقائع التى تناولها فيلم بى بى سى؟


بالتأكيد يستحق سعى أى طرف لإدخال مصر فى فوضى وخراب وتدمير غضب المصريين جميعًا، وبالتأكيد لا يمكن أن يقبل أحد الإساءة إلى الجيش والشرطة، لكن السؤال الحقيقى الواجب الإجابة عنه من الرئيس والسلطة وأجهزتها، هو: مَن هم هؤلاء الذين يسعون لجر مصر لهذا السيناريو، ومَن هم الذين يسيئون، بمعنى الإساءة لا النقد، إلى الجيش والشرطة؟ بدلًا من ترك المجتمع والقوى السياسية تضرب أخماسًا فى أسداس، خصوصًا أن مثل هذه التصريحات تأتى فى زيارتَين شديدتَى الأهمية، أولاهما لافتتاح مقر قيادة قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب وبالتزامن مع العمليات التى تقوم بها القوات المسلحة فى إطار عملية سيناء 2018، والثانية تأتى فى إطار افتتاح مدينة العلمين الجديدة ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية.

هنا تكمن نقطة البداية الصحيحة فى تقديرنا، والتحرير اللازم للخلط الذى ساد على مدى الفترة الماضية بين المعارضة السياسية والإرهاب الذى يحمل السلاح، ليس فقط منذ حديث الرئيس الأخير فى أثناء افتتاح حقل ظهر، ولكن حتى ما قبل ذلك خلال السنوات الماضية التى شهدت إغلاقًا كاملًا لمنافذ الحياة السياسية الطبيعية، عبر ما جرى فى الأحزاب والنقابات والمجتمع المدنى والإعلام، ومع ذلك فإن الغالبية العظمى من القوى السياسية المدنية الديمقراطية المعارضة للسياسات الحالية لم تجنح لا للتحالف ولا التنسيق ولا حتى التفكير فى ذلك مع جماعة الإخوان وحلفائها فى ظل تورطهم فى العنف والإرهاب والتطرف، لكن الخطر الحقيقى هو المزج بين هؤلاء جميعًا فى سلة واحدة، واعتبار أن كل معارضة تعنى تحالفًا مع الإرهاب أو حتى تواطؤًا معه، وهو خطر لا يطول المعارضة وحدها فى الحقيقة فى ظل حملات ملاحقة أمنية وقبض على عدد من العناصر السياسية البعيدة كل البعد عن التطرف والإرهاب وتنظيماته، لكنها تمثل تهديدًا حقيقيًّا على المدى الأطول لمصداقية السلطة نفسها ولاستقرار المجتمع وقابليته للتفرقة بين المعارضة بمعناها الصحيح والإرهاب، والأخطر أن هذا يفتح الباب لدعاة الحديث عن «التوحُّد» الذى يعيد خلط الشامى مع المغربى باعتبار أن السلطة تستهدف الجميع دون تفرقة أو تمييز.
وبنفس القدر الذى لا يجب فيه أن يتم الخلط بين المعارضة السياسية وتنظيمات الإرهاب والتطرف، فإن فتح المساحات السياسية والإعلامية داخل مصر يبدو أمرًا ملحًّا خلال المرحلة المقبلة، ولعل واقعة الفيلم الذى أذاعته قناة «بى بى سى» مؤخرًا، يفتح الباب بجدية لضرورة ذلك، فلو كانت هناك مساحات حقيقية ومفتوحة فى وسائل الإعلام المصرية المقروءة والمرئية، لما كان لأية قنوات أخرى مثل هذا الأثر الذى أحدثه فيلم «بى بى سى»، وبعيدًا عن مصداقية واقعة زبيدة وحديث والدتها، فى ظل التحقيقات الجارية بخصوص تلك الواقعة تحديدًا، فإن هناك وقائع أخرى تم تناولها تستحق أيضًا فتح التحقيق فيها ولا علاقة لها بجماعة الإخوان ولا مناصريها، وإذا كان هناك نفى دائم ومستمر لعدم وجود ظاهرة الاختفاء القسرى وبعيدًا عن تعريفاتها القانونية التى تثبت حدوثها من عدمه، فلا داعى أبدًا لأن يتم القبض على سياسيين وشباب مثلما جرى خلال الأسبوع الماضى دون أن يُبلغ ذووهم فورًا بأسباب القبض عليهم وأماكن احتجازهم وعرضهم على جهات التحقيق فى أسرع وقت، مثلما شهدنا الأسبوع الماضى مثلًا فى عدة وقائع تخص على سبيل المثال حسن حسين وجمال عبد الفتاح وأحمد مناع ومحمد إبراهيم.
تحرير هذا الخلط بين المعارضة والإرهاب، وفتح الباب للأصوات المعارضة والناقدة فى وسائل الإعلام المصرية لا الحديث عن متابعتها بما يوحى بالملاحقة لأية وجهات نظر أو رؤى مختلفة مع السلطة وسياساتها، والتحقيق الجاد والسريع فى أية وقائع تخص تجاوزات أو انتهاكات، هو المدخل الصحيح فى تقديرنا للوقوف فى مواجهة أية مؤامرات فعلًا لجر مصر إلى الفوضى والخراب الذى لا يرجوه ولا يقبله أحد، وللتمييز بين الإساءة المرفوضة وبين النقد الذى يجب تقبله وتفهمه ما دام كان بحثًا عن تصحيح أى أخطاء أو مواجهة أية مشكلات.
الجهد المبذول فى تطهير سيناء من الإرهاب والتطرف يستحق دعمًا حقيقيًّا، والإعداد لتنمية وتعمير سيناء ظل مطلبًا وطنيًّا على مدى عقود طويلة، والتوجه إلى ذلك يستحق التقدير شرط أن تصاحبه الشفافية والمصارحة، ولعل حديث السيسى الأخير عن دعوة وسائل الإعلام للتغطية فى سيناء وتحويلها إلى أمر واقع يمثل خطوة جادة على طريق توضيح الكثير مما يقال عما يجرى فى سيناء ومعاناة أهلها.. وهو طريق صحيح يبدأ بأن تمتد تلك الشفافية للحديث بوضوح عن مَن هم أهل الشر تحديدًا فى وجهة نظر السلطة بعد أن تحول إلى مصطلح رسمى دائم الاستخدام، وهل يشمل ذلك المعارضين أم يقتصر على الإرهابيين والمتطرفين، وأن يكون ذلك مدخلًا لتمييز ضرورى يفتح الباب لعمل سياسى جاد وحقيقى لا يقتصر على السلطة ومؤيديها بل يمتد ليشمل المعارضين وحقهم فى التنظيم والتعبير والحركة، ودون ذلك ومهما اكتملت المشروعات واستقرت الأوضاع الأمنية سيظل هناك هاجس كبير وخطر حقيقى يتعلق بأوضاع الحريات العامة التى لا يمكن بناء دولة حديثة مستقرة حقًّا من دونها، وسيظل هناك أسئلة فى عقول وضمائر كثير من المصريين لا تجد إجابات فى ظل مناخ الخوف والقلق وغياب مساحات التعبير عن مختلف الآراء على تعددها وتنوعها، وهذا المناخ السياسى الصحى والحقيقى هو وحده ما يضمن الاستقرار الحقيقى، والتوحد دون دعوات لمواجهة الإرهاب والتطرف، والانخراط فى دعم المشروعات القومية التى لا يختلف عليها أحد، مثل تنمية سيناء، وهو ذاته الذى يغلق الباب أمام الخلط بين الإساءة والنقد، والذى ينهى أية مساحة ليظل البديل الوحيد المطروح على المجتمع فى المستقبل هو عودة التنظيمات الدينية المتطرفة، وهو أيضًا الذى يضمن أن مسار السنوات الأربع المقبلة وما بعدها قد يكون مختلفًا عما سبق، حتى وبما فى ذلك شكل الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية المقبلة.
أما دون التفكير الجدى فى ذلك، ودون التمييز اللازم بين المعارضة والإرهاب، والإيمان حقًّا بضرورة القبول بالتعدد والتنوع ووجهات النظر المختلفة، فإن مناخ الخوف السائد الآن سيظل مستمرًّا، لكنه لن ينتج سوى انفجارات سياسية ومجتمعية على المدى المتوسط فى ظل ضغوط عديدة على الجميع، ونتائجها بالتأكيد لن تكون فى صالح أحد، سلطة أو معارضة أو شعب.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات