واشنطن وموسكو.. غليان الانتهازية فوق الحريق السورى

Foto

لماذا تبقى الجبهات باردة بين نظام بشار و«داعش» بينما تشتعل مع المعارضة؟ هل تفرض موسكو وجودها فى المنطقة على أشلاء أهالى الغوطة؟


الدب الروسى يضع قدمَيه فى الشرق الأوسط راغبًا فى استعادة المجد الضائع ووهم القوة الأحادية العظمى فى العالم، حتى لو كان ذلك على أشلاء الشعب السورى، وموسكو تدافع عن بشار الأسد ونظامه باستماتة، وتضع يدها فى يد إيران، وتُنكر استهداف المدنيين، وتُنكر استخدام السلاح الكيماوى وغاز الكلور فى الغوطة الشرقية بريف دمشق بالعاصمة السورية، والتى يسيطر عليها مسلحو المعارضة.

ولأن نفى النفى إثبات، كما أن الإنكار غير المبنى على تحقيقات موسعة يثير الشبهات بقوة حول مدى استفادة روسيا من دفاعها المستميت عن المجزرة التى يرتكبها نظام بشار باستهدافه المدنيين هناك، فإن ما تفعله روسيا لا يخرج عن كونه استمرارًا لإثبات وتأمين الدور الذى تقتنصه، لتقدم نفسها بديلًا ومنقذًا من الفخاخ الانتهازية للوحش الأمريكى، ملقيةً فى وجهه الاتهامات التى تتقدم وتتراجع -حسب المزاج السياسى- بتمويل وتدريب الإرهاب، فى سوريا وقطر والعراق، فتلتقطها أمريكا لتعيد قذفها مرة أخرى فى وجه روسيا فى تعرية دولية متهمةً إياها بالمشاركة مع بشار فى استخدام السلاح الكيماوى، حتى إن أمريكا تقدمت بطلب إلى الأمم المتحدة لفتح تحقيق فى الأمر، ولكن أى تحقيق ذلك الذى قد يجرى فى ظل «الفيتو»، فمن حق روسيا، بل من المؤكد أنها ستفعل، أن تستخدم «الفيتو» ضد المطلب الأمريكى وتوقفه، وتبقى دماء الأبرياء رهن إشارة «فيتو» من «سبابة» الروس، أو «وسطى» الأمريكان.
وفى مفرمة الصراع الأمريكى- الروسى على مَن له اليد العليا فى المنطقة، تمزق أهالى الغوطة الشرقية، والعالم ما زال غارقًا فى تفاصيل نصفها مُختلق، ولا يعلم أحد صحة النصف الآخر، فينحاز كل إلى مصالحه وليس إلى جانب الحق، فنظام بشار الذى يلقى حاليًّا منشورات تخاطب المدنيين وتحثهم على الخروج من الغوطة عبر ممرات إنسانية يدَّعى أنها آمنة، هو نفسه الذى قتل خمسمئة وستين نفسًا منهم، قبل أيام، تحت ادعاء محاربة الإرهاب، ويتناسى البعض أن مَن يمكنه إلقاء المنشورات يمكنه أيضًا إلقاء القنابل.
وبينما يهتف الدب الروسى ومؤيدوه بتأمين نظام بشار خروج الأهالى، ويتهمون المسلحين باحتجازهم واستخدامهم دروعًا بشرية لحمايتهم، يستطيع مَن يريد فقط إعمال العقل أن يتساءل: كيف ومتى يمكن لـ400 ألف مدنى، هم سكان الغوطة الشرقية، أن يخرجوا تباعًا لممرات تتعرض للقصف مع بقية المنطقة لمدة 19 ساعة يوميًّا، والهدنة خمس ساعات فقط -حسب القرار الروسى لفرض الهدنة- كم يتطلب الأمر من وقت لإخراج مئات الآلاف أو حتى العشرات منهم وسط جحيم القصف من الطرفَين (النظام ومسلحى المعارضة)؟! وكم منهم يريد الفرار؟ وإذا فروا هل يرحمهم النظام السورى؟ وهو يعلم جيدًا أن بينهم أهالى المسلحين؟ أم أن ما يجرى هو مجرد تمثيلية هزلية من القوات السورية مدعومة بالقوات الروسية لغسل الأيادى من دماء الأبرياء أمام العالم حتى لا تظل مُدانة وتصطدم بالرأى العام العالمى؟
والمؤسف أن حتى التمثيلية لم تعد مقنعة، ولا كافية لدرء الخطر الأمريكى بعيدًا عن تطلعات موسكو، لأن النتيجة الوحيدة التى جنتها موسكو من دعمها لبشار هو قفز الوحش الأمريكى للمشهد مقدمًا نفسه حامى حمى الإنسانية من جديد! رغم أصابع الاتهام التى تشير إليه طول الوقت بأنه مَن زرع الإرهاب فى المنطقة، لكن دوائر المصلحة لا تنتهى عند نقطة، والفرصة التى منحها له تحالف روسيا مع سوريا ذهبية المظهر، دموية الجوهر.
إذا كان النظام السورى ومعه الحليف الروسى جادَّين فى إنقاذ المدنيين لأوقفا الحصار، ومكَّنا فرق الإغاثة التابعة للأمم المتحدة من الدخول لتقديم العلاج للجرحى، وتأمين المساعدات للمحتاجين الذين مات منهم البعض جوعًا، فلا يمكن أن تتخذ المعارضة المسلحة من نصف مليون مدنى دروعًا بشرية، إلا إذا كان ذلك برضا القسم الأكبر منهم على الأقل، خصوصًا أن أعداد المُسلحين لا تتعدى 12 ألف مُسلح داخل الغوطة التى لا تتعدى مساحتها 110 كم مربع، وحتى إذا سلمنا بأن المسلحين يستخدمون النساء والأطفال «دروعًا بشرية». والبعض يفلت منهم، فلماذا يواجه الفارون عبر الممرات طلقات القناصة والألغام الأرضية والقصف والاعتداء اللفظى والجسدى والاحتجاز والتفتيش المُهين والضرب؟
كما أن إعلان روسيا عن هدنة لخمس ساعات يومية، بعد يومين من اعتماد مجلس الأمن الدولى قرار «2401» -الذى يتضمن وَقفًا شاملًا لإطلاق النار لثلاثين يومًا فى سوريا وفك حصار النظام عن أهالى الغوطة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والسماح بإجلاء المرضى والمصابين فقط دون قيد أو شرط- يُعرى الموقف الروسى ويضعه أمام مسؤولية تاريخية كشريك فى قتل الأبرياء، لأن خمس ساعات أصلًا لا تكفى لدخول قوافل الإغاثة التى يجب استيقافها عند نقاط التفتيش، وتفريغ حمولاتها، وتفتيشها ثم إعادتها إلى القوافل، وتمريرها، كيف يمكن أن تدخل القوافل وتخرج خلال خمس ساعات؟! ألا يبدو ذلك تعجيزًا متعمدًا، ومنعًا مُقَنَّعًا، لا نبالغ إن وصفناه بحرب الإبادة الجماعية؟ يواجهها العالم بمدفعية الصمت العاجز أمام المصالح، إبادة سقط فيها منذ تاريخ 19 فبراير حتى تاريخ 27 فبراير ألفا مصاب، منهم من الرجال 1000 و600 من نساء، و500 طفل، أما القتلى فعددهم خمسمئة وستون، منهم 107 من الأطفال، و76 من النساء، و377 من الرجال، هذه الإحصائية طبقًا لآخر تحديث وصلنى من الإعلامى السورى الموجود فى الغوطة، عمار الحسن.
والعجيب أن الحرب تشتعل بين النظام والمعارضة فى الغوطة -ريف دمشق- بينما تظل باردة بينه وبين تنظيم داعش الإرهابى منذ أواخر عام 2014 على أجزاء واسعة من جنوب دمشق، ومخيم اليرموك، وخرجت تمامًا من الغوطة، ألا يثير ذلك الدهشة؟ أيهما أولى بالقتال: المعارضة أم الإرهابيون؟ أم أن التحالف السورى- الروسى- الإيرانى لا يقوى على الدواعش فيقاتل مَن يتمكن من غلبتهم، أم أن «داعش» قتال مؤجل لغرض ما؟ أم أن أمريكا وروسيا تستخدمان الوجود الداعشى فى الشرق الأوسط، لتحقيق مكاسبهما؟
ألا يثير الدهشة إعلان كل فصائل المعارضة فى الغوطة، والتى تضم 12 ألف مُسلح ليس بينهم دواعش، استعدادها لإخراج ما يتبقى من عناصر لجبهة النصرة وعددها 200 عنصر فقط -جبهة النصرة تحالفت مع القاعدة وكونتا جبهة سمت نفسها بـ«جبهة تحرير الشام» وهى منظمة إرهابية- فى خطوة لنفى أية علاقة بينهما وما زالت روسيا تصر على توصيف الموجودين داخل الغوطة بالإرهابيين وتغض البصر عن المعارضة المسلحة التى تولت هى ذاتها تسيير الاتفاقات معها لتكوين قيادة وطنية فى سوريا؟
تلك المعارضة حضرت مؤتمر الأستانة، ومؤتمر جنيف، ووقع جيش الإسلام اتفاقية الهُدنة برعاية القاهرة، باعتباره الجناح العسكرى للثورة السورية، حيث جرى اتفاق الغوطة الأول بخفض العمليات العدائية فى شهر يوليو ٢٠١٧، برعاية مصرية، وهو ما يعنى أن هناك اعترافًا دوليًّا بهذا الجناح ودخول فى مفاوضات، فمن أين جاءت إيران وروسيا بادعاء الحرب ضد الإرهاب فى الغوطة الشرقية؟ كان أولى بهما محاربة «داعش» فى مخيم اليرموك، وإذا كانت روسيا ذاتها تدير تفاوضات باعتبارها وسيطًا بين النظام والمعارضة، لكنها وسيط غير نزيه، فهل تتوسط لدى الإرهابيين؟! وهكذا تتضارب اداعاءاتها وتصرفاتها فى موقف الغوطة الشرقية، الذى كشف عن اضطراب حقيقى يصيب موسكو كلما أدانها الرأى العام العالمى وحقق ذلك مكسبًا للأمريكان، حتى ادعاء روسيا بأن المُسلحين هم مَن قاموا بالقصف والبدء بخرق الهدنة! هو أمر غير منطقى، فكيف يبادر الطرف المحاصر الجوعان الجريح الذى يضم مدنيين يتعرضون للدك وهو يعلم جيدًا أن رصاصة واحدة من طرفه سيكون مقابلها سيلًا من الصواريخ جوًّا وبرًّا تدمر أهالى الغوطة وتدك أبناءها؟! فكيف يبدأ المُدافع بهجوم هو على يقين أنه غير متكافئ؟!
لسنا فى معرض لتخطئة طرف على حساب طرف آخر، ولا مع طرف ضد طرف، لكن صرخات الإنسانية التى تُنتهك فوق التراب السورى تدعونا للوقوف أمام مرآة الضمير. وبعيدًا عن التحالفات والانتماءات، بعيدًا عن السياسة والساسة، تمس مجزرة الغوطة فى سوريا شيئًا ما تحت جلد الإنسانية، تهز عروش المصلحة، ولا يهتز للمستفيدين جفن، ولا أحد يسمع، ويبقى المدنيون دروعًا بشرية لكل مستفيد وانتهازى عالقين فى منافى الدم رهن الرعب الروسى من الفشل وشهوة القوة الوحيدة التى تتنافس روسيا مع أمريكا عليها، وتظل موسكو لا تعترف بالهزيمة فى معركة الإنسانية، والعالم يرى -صارخًا بلا حيلة- جثث الصغار تتناثر بعضها فوق التراب وبعضها تحت الركام، على مداخل الأزقة وبوابات الملاجئ قربانًا للدب الروسى الذى يحاول من خلال وجوده فى سوريا فرض تغييرات سياسية على المشهد العالمى وتقديم نفسه باعتباره القوة العظمى من جديد، بينما تندد أمريكا التى ستغض البصر عن تلك الفظاعات فى أول محطة تلاقٍ مع مصالحها، وهكذا يمضى الغليان البطىء بين القوتَين الأمريكية والروسية فوق الحريق السورى، ووقوده حياة الأبرياء من المدنيين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات