.

الإدارة هى أصل مشكلة التعليم المصرى وبداية الحل

Foto

لماذا لا يجدى تدريب 10 آلاف معلم؟ متى نجد شراكة بين المجتمع المدنى و«التعليم» لخدمة الطلاب؟


بعكس المشهور عن مشكلات التعليم التى تذهب إلى أمور فنية بحتة، مثل جودة التعليم والمناهج وقدرات المعلمين، فإننى أزعم أن المشكلة الرئيسية للتعليم فى مصر هى فى إدارة التعليم نفسه. وهذا ليس اتهامًا للوزير الحالى أو الرئيس الحالى، فلقد تراكمت مشكلات التعليم على مدى عقود حتى أصبحت بحاجة إلى ثورة حقيقية، ولأن مثل هذه الثورة تعتبر مجازفة كبرى بمستقبل وطن، فإن الإقدام على تطوير التعليم يمشى دائمًا بخطوات متثاقلة أكثر من اللازم، والنتيجة الطبيعية التى يشعر بها الناس أن ثمة شيئًا لا يتغيَّر، فلا التعليم يتطور ولا الحلول الجديدة مجدية.

خُذ على سبيل المثال تصريحات الوزير طارق شوقى، الذى نكن له كل الاحترام، التصريحات التى قالها هذا الأسبوع تهتم بالتغذية المدرسية، و«التابلت» المدرسى، وبعض المبادرات المجتمعية مثل «عينك فى عنينا» التى تعتبر شراكة جيدة بين المجتمع المدنى والحكومة.
كما كان للوزير شوقى لقاء بوزير الدولة للتعليم فى بريطانيا، قال عنها المتحدث الرسمى باسم وزارة التربية والتعليم المصرية إن اللقاء «لبحث سبل تطوير التعليم فى مصر، وإيجاد الحلول والأفكار المختلفة فى التعليم، وتبادل الخبرات»، فى إشارة إلى التعليم الفنى على ما يبدو. ثم توجه الوزير شوقى إلى طوكيو، للوقوف على تطبيق أنشطة التوكاتسو التى تسهم فى بناء الشخصية اليابانية، والتى من المزمع تطبيقها فى المدارس اليابانية فى مصر.
ولسبب ما لا أعرفه، زاد عدد المدارس اليابانية من مئة مدرسة إلى مئتَين، وجاء الإعلان عن هذا بعد استقبال الرئيس السيسى رئيس الجايكا (هيئة المعونة اليابانية) التى فى ما يبدو سيكون لها ليس فقط الإشراف على المدارس اليابانية فى مصر، ولكن أيضًا إدارتها! وعند إدارتها ضع مئة خط! فهذا هو مربط الفرس.
لاحظ أن الوزير شوقى له تصريح أخير هذا الأسبوع قال فيه إنه غير راضٍ عن نتائج تدريب المعلمين على استعمال «بنك المعرفة» الذى كلَّف الدولة تكلفة عالية. لذلك نعود إلى ما طرحناه فى بداية المقال، فالمسألة ليست فى التعليم ولا الجودة ولا المناهج ولا المعلمين، وإنما فى إدارة هذه العناصر بعضها مع بعض.
الإدارة هى أصل المشكلة وبداية الحل. ونحن نعرف أن الوزير المحترم طارق شوقى يبذل قصارى جهده لتطوير التعليم فى مصر، وتحدث كثيرًا عن النظام الجديد الذى سيبدأ مع رياض الأطفال فى العام الدراسى 2018- 2019. بمعنى أننا سنرى تطبيق نظام مختلف تمامًا يغير صورة التعليم فى مصر.
والملاحظة الرئيسية هى أننا على طريق «اللا عودة»، فالإصلاح الجذرى الذى سيحدث لا يمكن الرجوع عنه، بل لابد من استكماله، لذلك قبل بدء التنفيذ الفعلى من العام الدراسى القادم، نثير بعض التحفظات على بعض مفاهيم التطوير، ولقد سبق وتناولنا بعض المفاهيم فى مقالات سابقة لن نعود للتطرق إلى تفاصيلها. فقط ننوه بالعناوين العريضة.
لدينا فى مصر 20 مليون تلميذ و50 ألف مدرسة، ومليون ونصف مليون معلم. أى أن لدينا مدرسة لكل 400 تلميذ، ومعلم لكل 15 تلميذًا. لكن فى الواقع هذه الإحصائيات غير موجودة، لماذا؟ لأن التوزيع الجغرافى للمدارس والمدرسين مختلف تمامًا على أرض الواقع، لذلك نشهد تكدسات لا حصر لها، وبينما نتبارى فى بناء المدارس فإننا نقيم مبانى أسمنتية لا نعرف إذا ما كانت تحل المشكلة أم لا. ثم بالنسبة إلى الجودة فإن ربط التعليم بالنظم الإلكترونية مفيد جدًّا، و«التابلت» التعليمى تم استعماله بنجاح فى أكثر من دولة، وجاء بنتائج فعلية هائلة. لكن لابد من توفر خدمة الاتصال بالإنترنت فى المدراس وللتلاميذ.
قُلنا هذا من قبل ونعيده مرة أخرى، لعل أحدًا ينتبه، كما أشرنا فى السابق إلى مسألة تدريب المعلمين، وقُلنا إن مشروع تدريب 10 آلاف معلم لن يجدى، واعتبر البعض أننا نهاجم للهجوم وبثّ السلبية، بينما الطرح البديل الذى طرحناه هو تطوير كليات التربية النوعية وأكاديمية المعلم التى تقوم على تخريج وتدريب المعلمين فى مصر! فما الفائدة من تدريب جزء من مجموعة تعمل بالفعل بينما نغفل مصدر تخريج كل معلمى مصر؟! ثم نتناول التجربة اليابانية التى ستبدأ عما قريب، ونتمنى لها النجاح، ونقول: لماذا لم يتم البناء على تجربة مدارس النيل التى اكتملت وأصبح لديها خريجون؟ لماذا نبدأ من الصفر مع المدارس اليابانية؟ هل أشار أحد على الرئيس بأن لدينا فى مصر نحو ثلاثة آلاف مدرسة «تجريبية» ما زالت «تجريبية» منذ مطلع التسعينيات وإلى الآن؟ متى تتحول إلى نظام دائم يتم تعميمه على مصر إذا كانت فعلًا مدارس مجدية؟
وأخيرًا، الشراكة بين المجتمع المدنى والوزارة فى تقوية الخدمات المقدمة للطلاب، لا سيما فى مجال التغذية المدرسية أو مجال الصحة الوقائية، أمور مهمة جدًّا. ونرجو أن تتم إضافة أبعاد أخرى إلى هذه الجهود الحميدة. فكم نتمنى أن نجد أنشطة ومسابقات فى «كل» مدارس الحكومة، مثل الموسيقى والرسم والرياضة (التى لا تعنى كرة القدم فقط)، والتمثيل، والكشافة، والرحلات، والفنون المسرحية، بالإضافة إلى أنشطة أخرى مثل التربية العسكرية، والأعمال التطوعية التى تجعل التلاميذ يسهمون بطاقتهم الكبيرة جدًّا فى أعمال مجتمعية «محدودة» بغية التدريب، وبغية الشعور بتطوير القدرات بطريقة «عملية».
هذا ونختم هذا المقال بسؤال عن التعليم الفنى، فلقد جرى العرف على تبنى مفهوم أن خريج التعليم الفنى لابد أن يتخرج وهو جاهز تمامًا لسوق العمل. وإذا لم يحدث فإن التعليم الفنى «بعافية». ونحن نسأل: فى أى بلاد العالم تجد خريج تعليم فنى جاهزًا للعمل بعد انتهاء الدراسة فى المرحلة الثانوية؟ إن هذا المفهوم بحاجة إلى مراجعة، والدليل أن المهندس والطبيب والمحامى بعد التخرج يعملون لمدة سنة أو أكثر «تحت التدريب»، وهذا ليس خريج مدرسة ثانوية وإنما كليات القمة كما يطلق عليها المصريون! فهل راجعنا بعضًا من الأفكار السائدة عن تطوير التعليم، لا سيما الفنى فى مصر؟
إن ما نحتاج إليه أكثر من أى شىء هو إدارة جيدة لملف التعليم، ويمكن لأى متابع ممن يستدلون بتقارير التنافسية الدولية أن يقف على ترتيب مصر من حيث «إدارة العملية التعليمية»، ليعرف أن ترتيبنا فى هذا المعيار ليس أفضل بكثير من جودة التعليم، بل لعله السبب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات