خليل حسين عبد الناصر «جمال»

Foto

كيف تطورت نظرة عائلة عبد الناصر لأهمية التعليم بدايةً من دور جده الأكبر فى «بنى مر» إلى أثر قرارات الزعيم فى الشعب؟


إنها ذكرى استثنائية دون مبالغة، مئة سنة على ميلاد ابن عظيم لأمة عظيمة.. جمال عبد الناصر، النبت الطبيعى لهذا البلد، وصاحب الأثر الهائل -والممتد- فى مسيرة مصر منذ بدايات النصف الثانى من القرن العشرين.
 
إن اسم جمال عبد الناصر يشير إلى أكثر من قيمة، لكننا سنتوقف عند جانب محدد هنا، هو «التعليم»، عبر قراءة سريعة فى سلسلة عائلته وكيف فرض عليها الفقر تعليم أبنائها لضمان فرصة أفضل لهم.
 
إن هذا الأمر وإن كان يتم بشكل فردى فى أى عائلة فقيرة، فإن أحد أبناء هؤلاء الفقراء -عبد الناصر نفسه- سيقرره رسميًّا بأمر الدولة بعد سنوات طويلة باسم «مجانية التعليم»، ليتيح للملايين هذه المرة فرصًا أفضل فى حياة كريمة.
دعونا نبدأ الأمور من الأقدم إلى الأحدث، اعتمادًا على أجزاء من كتاب «ناصر»، للكاتب السوفيين أ. أجاريشيف، وهو مؤلَّف صدر عن دار «الثقافة الجديدة» فى عام 1977، بعد سنوات قليلة من وفاة عبد الناصر، بترجمة د.سلوى أبو سعدة وأحمد شرف.
 
إذا قرأنا الاسم الرباعى لعبد الناصر معكوسًا، أى هكذا: خليل حسين عبد الناصر جمال، فإنه سيكون من السهل تتبع حركة الوعى بأهمية التعليم فى عائلة الزعيم بقرية «بنى مر» فى أسيوط، منذ زمن جد أبيه (خليل).
 
لدينا أربعة أسماء، الأقدم منهم ترك تأثيرًا مباشرًا فى الأحدث فى نقطة التعليم، بحكم الصلة والأبوة، إلى أن يأتى «جمال» فيتسع أثره بشكل جبار بحكم الزعامة والمسؤولية، معتمدًا على ذلك الوعى القديم فى عائلته.
 
كانت بداية ذلك الوعى فى القرن التاسع عشر، فمنذ عام 1890، شهدت «بنى مر» حركة تعليمية متواضعة للغاية، لكنها كانت مؤثرة فى حينها، إذ تطوع كبار العائلات وافتتحوا «كتاتيب» لتعليم الكتابة وتحفيظ القرآن، وكان خليل سلطان، جد والد «جمال» أحد القائمين على الأمر.
 
أنجب خليل ولده حسين (جَد جمال)، الذى تنبّه للتعليم كطريقة مثلى للنجاة من الفقر والجهل، إذ كان يعول ستة أطفال؛ لذلك أقدم على شىء استثنائى فى الصعيد، فأرسل ولده «عبد الناصر» ذا الخمسة عشر عامًا، إلى مدرسة مسيحية بأسيوط، لينال تعليمًا أفضل. كان هذا الأمر غريبًا بالنسبة للمبشرين فى المدرسة، لكنهم لم يرفضوا طلب حسين، الرجل صاحب القيمة فى الريف، واستقبلوا طالبًا مسلمًا سيسهم تعليمه بشكل غير مباشر فى تاريخ مصر بعد ذلك.
 
أنهى عبد الناصر تعليمه فى المدرسة بنجاح، وعاد إلى أبيه فى «بنى مر» متسلحًا بقيمة مكنته من الوظيفة الحكومية. حدث تغير هائل فى تكوين العائلة إذن، ويكفى أن نشير إلى الشكل كعنوان على المضمون، يقول أجاريشيف: «رغم أن الحاج حسين شخصيًّا ظل طوال حياته يرتدى الجلباب الفضفاض ويمشى وراء المحراث، وجد ابنًا له هو عبد الناصر، يرتدى السترة الرمادية وسيظل كذلك».
 
سيُحدث هذا الموظف الأول فى العائلة نقلة جديدة تمامًا، إذ سيمد فرعًا لها من الجنوب إلى أقصى الشمال فى الإسكندرية، كيف كان له أن يفعل ذلك دون أن يرسله أبوه إلى المدرسة التبشيرية فى أسيوط؟
فى المدينة الساحلية الكبيرة «اشتغل عبد الناصر كوكيل لبوستة محطة سكك حديد سيدى بشر، ووطّد علاقاته ببنى بلدته وعاش عيشة نمطية لابن الصعيد المقيم بمدينة كبيرة».
 
حياة منغلقة كهذه على أبناء الصعيد فى المدينة الساحلية الكبيرة ستكتب للموظف البسيط عبد الناصر حسين أن يتزوج بفتاة صعيدية أيضًا، هى فهيمة محمد حماد، حدث ذلك فى 1917.. وبعد عام على ذلك، فى 15 يناير 1918 (قبل 100 عام من الآن) ينجبان طفلهما «جمال».
 
الطفل سكندرى المولد إذن، لكن محل ميلاده الرسمى «بنى مر»، هذه تفصيلة لم نصل إلى سبب محدد لها، لكنها حتى وإن بدت شكلية تشير إلى رغبة عبد الناصر الأب فى نسبة ابنه إلى جذوره الحقيقية بين الفلاحين فى الجنوب، لذلك أرسل الأب خطابًا عاجلا إلى العائلة فى القرية وزفَّ إليها خبر مولد «جمال» فتولى كاتب «بنى مر» تسجيله فى مواليد القرية. 
 
نقفز بالزمن 5 سنوات، أسرة عبد الناصر الآن فى قرية الخطاطبة (قرية بمحافظة المنوفية حاليا)، الأب انتقل للعمل هناك، و«فى مدرسة القرية التى أنشئت أساسًا لأبناء موظفى السكة الحديد كان يشترط قبل أى شىء حفظ الطفل القرآن الكريم كله من بدايته حتى نهايته، وكانوا يبدؤون فى حفظه بالسور القصيرة».
 
لكن «هذا لم يكن التعليم الذى يريده عبد الناصر» (لاحظ ترقى النظرة لأهمية التعليم من الكتاتيب إلى المدارس المدنية على امتداد العائلة)، فالوالد يريد لابنه أن ينال تعليمًا أفضل من الذى تلقاه، كما فعل معه أبوه حسين فى أسيوط، لذلك أرسله «جمال» إلى العاصمة، حيث يسكن عمّه خليل فى وسط القاهرة القديمة، لتكون هذه هى نقطة الاحتكاك الأولى للطفل بالتاريخ، الذى سيشكل جل قراءاته فى ما بعد.
 
يحكى مؤلف كتاب «ناصر»: «فى إحدى الأمسيات الحارة من أيام سبتمبر 1925، كان شقيق عبد الناصر يقطع رصيف محطة القاهرة جيئةً وذهابًا فى انتظار القطار الذى سيصل بابن أخيه، هذا الولد الذى يعتبره شرفًا ابنه هو. كان خليل قد قضى أحسن سنوات شبابه خلف أسوار السجن لمشاركته فى ثورة 1919، ولم يستطع تكوين عائلة ولم يكن بالتالى لديه أولاد، وللحقيقة فقد ربّى طفلًا لرفيق له استشهد فى أحداث ثورة 1919. وهكذا انضم «جمال» منذ ذلك التاريخ ليعيش مع عمّه سويا مع ابنه بالتبنى محمود». كان عُمر «جمال» يقترب من الثامنة وقتها، واللافت أنه سافر وحده من الخطاطبة إلى القاهرة بالقطار، ثم استقل حنطورًا مع عمه إلى منزله.
 
يشرح المؤلف: «سارا من المحطة على طريق ترابى أمام حائط حصين يبدو نصف مهدم، وأخذ العم يقص على ابن أخيه بإفاضة عن صلاح الدين (...) لقد كان خليل يعرف التاريخ جيدًا ولكن ابن أخيه لم يكن فى ذلك الوقت يدرك أن عمه يمد جسرًا بين الماضى والحاضر».
 
فى المدرسة، كما كتب أجاريشيف «كان (جمال) يميل إلى العزلة والصمت وكان دائمًا يبدو للغير زميلًا ثقيلًا غير ودود»، لكنه كان ذكيا ومتأملًا. فى مرة -مثلاً- طرح موظف بوزارة على مجموعة من التلاميذ -كان من بينهم جمال- هذا السؤال: «نفترض أننا كنا نسير فى الصحراء وضللنا الطريق، وكان لابد أن نعرف الاتجاه بواسطة بوصلة وأن علينا أن ندفع عشرين قرشًا لكل اتجاه نعرفه من الاتجاهات الأربعة فكم قرشًا يجب أن ندفعه إذن؟».
 
هذا سؤال من النوعية التى طُرحت على الجميع تقريبًا فى طفولتهم، سهل لكنه يحمل خدعة، والشاطر الذى لا يقع فى الفخ المنصوب فى التفاصيل، والشاطر كان عبد الناصر فى سؤال البوصلة هذا، فبينما أجاب التلاميذ «ثمانون قرشًا»، انفرد «جمال» بالإجابة الصحيحة وقال: «عشرون قرشًا فقط»، ببساطة «لأننا إذا عرفنا أحد الاتجاهات فإنه يمكن تحديد الاتجاهات الأخرى دون أن ندفع نقودًا».
 
درس «جمال» فترة فى القاهرة ثم عاد إلى الإسكندرية، وهناك شارك فى مظاهرة شهيرة للطلبة ضد الاحتلال الإنجليزى سنة 1933، وبعد ثلاث سنوات كان يقف أمام لجنة الاختبار بالكلية الحربية لكنه رُفض فالتحق بكلية الحقوق وأمضى فيها نصف عام، ثم عاد من جديد إلى اختبارات الكلية الحربية بعد أن طلبت دفعة جديدة إضافية، فالتحق بها فى مارس 1937.
 
بعد ذلك بخمس عشرة سنة سيقود عبد الناصر حركة عسكرية داخل الجيش المصرى لإنهاء حكم الملَكية، ثم يعلن ثورة سياسية واجتماعية شاملة ستغير من خريطة المجتمع كليةً، وفى القلب من ذلك «التعليم»، عندما أقر دستور 1956 مجانية التعليم العام فى كل مراحله، ثم شملت المجانية كل المراحل، بما فيها الجامعى، وفق دستور 1966، ليهيئ فقراء «بنى مر» الفرصة للملايين -الذين كان مثلهم فى يوم من الأيام- ليعيشوا حياة أفضل من ذويهم، بالضبط كما فعل جد أبيه «خليل سلطان» لأبناء القرية، وكما فعل جده حسين مع والده عبد الناصر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات