.

رحل الخال.. والخال: والد

Foto

الأبنودى ليس شاعرًا عبقريًّا، لكنه جزء من الوجدان المصرى السليم العفى السوى من ناحية، وأحد حراس هذا الوجدان من ناحية أخرى.


لفنا الشجن حتى وإن كان الحزن ضيفًا مقيمًا عند أغلبنا، وكان رحيلاً ثانيًا لحضن أب، قد حان.


الأبنودى ليس شاعرًا عبقريًّا، لكنه جزء من الوجدان المصرى السليم العفى السوى من ناحية، وأحد حراس هذا الوجدان من ناحية أخرى.


أنفق الأبنودى ربع قرن من عمره يلملم شذرات السيرة الهلالية، من مصر للسودان، إلى تونس، ومن تونس إلى تشاد ونيجريا، حتى عد جهده من قبل جهات دولية، كاليونسكو، على سبيل المثال أحد أبرز الجهود العظيمة فى صون «ذاكرة الإنسانية». إبداع الأبنودى فى جمعه لأشعار السيرة الهلالية، لا يقل من حيث القيمة والمعنى عن إبداعه فى أشعاره.


سيرة الهلالية، سيرة العرب الأشراف «أدخلتنا عالم العروبة النقى، قبل أن يتلوث بأدران العصر»، ضربت السيرة الهلالية عبد الرحمن، «لطشته»، بحسب تعبيره، دون قصد، منذ كان يجلس على رمال الصحراء طفلا، فى خشوع الكهول، يستمع إلى الشاعر الكبير «أبر أبو حسين»، خلف مسجد سيدى عبد الرحمن فى الاحتفال بالمولد، الذى كان يقام فى شهر شعبان لخمسة عشر يومًا كل سنة.


صار «مجذوب» السيرة بأصوات «الحاج الضوى» و «بو الوفا» و«عطا الله»، ولكل روايته ولكل صوته الشعرى. لم يتحصل الأبنودى على شريط مسجل لمعشوقته السيرة الهلالية إلا عام ١٩٦٧، بعدها شد العزم وبدأ الترحال عشوائيًّا، وكأنما «النداهة» قد ندهته، ولبت الروح النداء.


يصف الأبنودى البداية «بالمطاردة»، كانت روحه تهيم بحثا وشوقا، تطارد الأبيات الشاردة فى المراكز والقرى والنجوع، فى الوديان والجبال، كان كبار الحفظة من الشعراء قد رحلوا «ودفنت معهم رواياتهم الشعرية للسيرة»، وظهر جيل جديد من الحفظة، سيد الضو، فوزى جاد.


يصف الأبنودى ولعه بالسيرة، أو حاله لما «ضربته السيرة» «زى ما يكون مس» صارت السيرة فى الليل والنهار، هى الزاد والونس والعشق، حتى إنه لما طبعت أجزاء السيرة، كتب إهداء من الإهداءات لابنتيه، آية ونور، قائلاً ما معناه إليكم ما كان السبب ربما فى تأخر مجيئكما للدنيا، كل خطوة فى السعى والمطاردة، كان الفرح بالاكتشاف مصاحبا لها، وأيضا كان الخوف، الخوف أن لا تكتمل رحلة البحث، وينقضى العمر بلا «بر» ترسو عليه السيرة كاملة.


يومًا بعد يوم، تتكدس الأوراق والتسجيلات، وتقوده الخطوات من عالم إلى عالم، يفك أسرارًا خبيئة للسيرة الهلالية، النداهة الساحرة، الإغواء والعشق.


يعلمنا، بتسكين الميم، ويعلمنا، عبد الرحمن أن الناس كانوا هم الحراس، حراس الوجدان والسيرة، وأن السيرة الهلالية كانت الوحيدة الناجية من براثن الزمن، وأن الرواة لم يكونوا نوعًا واحدًا، فالرواية وليدة الدوافع، والدوافع متباينة، وكذلك القلوب والعقول، والوعى والإحساس، وأن فروقا تفصل بين الراوى الحافظ والشاعر المبدع.


ساعات غالية أفناها الأبنودى فى لملمة الوجدان، كنز عظيم «لشعبنا الفتان، الفنان»، وقد كان من الأولى أن تنوء الدولة بمثل هذا الهم الكبير، ثم بدأ يبث لعام كامل عبر الإذاعة، نصف ساعة يومية، نصف ساعة لثلاثمئة وخمسة وستين يومًا من النصوص المغناة، التى يفض معها جهلنا بالتراث الشعبى وعبقريته.


إنجاز عبد الرحمن العظيم ليس فقط فى الجمع، ولكن فى التعريف للبنية والشخوص التى حملت واحتوت الكنز. يقول عن الرواة الذين ضربوا فى الأرض سعيًا وراء السيرة، إن منهم من كان ينتمى إلى «الغجر»، الذين تمركزوا فى قنا على سبيل المثال، والأقصر وقرى قوص وعزبة البوصة، وإلى وقت قريب كانت لهم لغة لا يعرفها سواهم ولا يستعملونها علنا، ولا علاقة لهم بالعربية، لغة ما زالت بقاياها تحتضر.


هؤلاء شكلوا جزءًا أول من رواة السيرة، أما الحراس فلم تقتصر مهمتهم على الرواية، بل كانوا شعراء، هم ينقرضون، وهم الذين جابوا الأرض وراء السيرة، هم «حراس الليلات»، ومن دورهم التهيئة للسماع، ولكل شاعر «حراسه»، ينبهون الشاعر إن فاتته واقعة، ويمهدون المتلقين للسماعة.


من «الحراس» المضروبين بالسيرة، أبو عنتر، الذى لحقه الأبنودى وهو يعيش عيشة بنى هلال: يركب حمرا جيلا  كشهبة دياب بن غانم، ويمسك بالعصا الطويلة التى يرفعها وهو يجوب الأسواق، مشدا أجزاء الهلالية داعيا لسماع «جابر أبو حسين» أشهر شعراء الهلالية.


الجزء الثالث من الرواة، حفظة، هادئون، يقصون فى المجالس أو تراحيل الغربة، أجزاءً مطعمة بأشعار.

القدرة على تحويل التاريخ إلى منظومة شعرية ملحمية، محكمة البناء والتنسيق، ذلك هو الفارق الأساسى بين مجرد راوٍ وبين شاعر راوٍ.

الهلالية المكتملة عند الشاعر قد تصل أبياتها إلى المليون.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات