.

تعالَ خُد لك صورة

Foto

التصوير الفوتوغرافى هنا معادل للتقدم التكنولوجى وانعكاساته أو تداعياته التى تشمل نواحى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية


كان الصمت مخيمًا، والباشا جالس على أريكته المعتادة، وجهه مشحون بالانفعالات، عيناه تعكسان التوتر والقلق على الرغم منه، حالة الاضطراب زادت لما غرقت الغرفة فى الظلام استعدادًا لوضع الألواح فوق الزئبق، لم يجرؤ أحد على الحركة، ثم انكسرت حدود السكون باشتعال عود ثقاب أضاء الأوجه البرونزية الشاخصة، بينما الوالى محمد على الواقف قرب آلة التصوير يقفز ويقطب حاجبيه ويسعل صارخًا «هذا من عمل الشيطان»، ثم استدار على عقبيه وهو ما يزال ممسكًا بمقبض سيفه، وكأنه يخشى مؤامرة، وأسرع مغادرًا الغرفة.


 هذا جزء من مشهد التقاط أول صورة فوتوغرافية فى مصر والشرق وإفريقيا، يوم سبعة نوفمبر ١٨٣٩، وثق به المصور الفرنسى جوبيل فيسكه، لحظة دخول التصوير الفوتوغرافى إلى مصر، فى نفس اللحظة التى شهدت ميلاد أول آلة تصوير فى باريس.


التصوير الفوتوغرافى هنا معادل للتقدم التكنولوجى وانعكاساته أو تداعياته التى تشمل نواحى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية، كجزء من تاريخ العلم والابتكارات التى أسهمت فى التحولات الجذرية للبشر وتاريخهم الحضارى.

فى تقديمه للدراسة الممتعة عن عصر الصورة فى مصر الحديثة للدكتور محمد رفعت علام، يوقظنا المؤرخ الكبير أ. د. أحمد زكريا الشلق، إلى مسام مصر المفتوحة لتشرب وتستوعب أى منجز جديد كان يظهر فى القرن التاسع عشر، بل أن مصر كان لها خاصية الجذب، جذب كل جديد من البخار والسكة الحديد والتليفون والتلغراف والتصوير الفوتوغرافى.


واجه التصوير إرث المجتمع المسلم الذى كان أحد جسور المواجهة مع الغرب، وبخاصة أن مصر غير استيعابها للجديد، كانت فى حد ذاتها مركزًا للجذب بآثارها ونيلها وتاريخها وعمارتها، كانت مسرحًا وبامتياز لـ«اللقطة الفوتوغرافية»، بحيث وفد إليها من أركان الدنيا كلها حاملو الكاميرات.

كان ولعًا بمصر لم يقتصر على أوروبا بل شمل أمريكا، مع تنامى موجة السفر إلى الشرق والزيادة المطردة فى الرغبة فى اكتشاف الشرق.


عبارة الوالى محمد على «هذا من عمل الشيطان»، لحظة التقاط أول صورة، كانت رد فعل تلقائيًّا، تكرس أو تعكس المواجهة مع الإرث الدينى، وموقف الإسلام من الصورة، وما تواتر من فتوى حكم التصوير وصنع الصور، التى أوردها محمد رشيد رضا فى مجلة المنار، من إنكار حتى تعليق الستائر ذات الصور وإباحة استخدام الأقمشة المزركشة بالصور فى عمل الوسائد والمستلزمات المنزلية. هكذا كان الحال، لا تحريم كلى ولا إباحة كلية، مما دفع مسلمو سيلان إلى أن يرسلوا إلى شيخ الازهر، الشيخ الأنبابى، بسؤال يبغى إجابة محددة، كان ذلك عام ١٨٩٣، لكن الشيخ لم يرد.

وشهدت جريدة الفلاح، مناشدة من تركى، إلى أهل الراى أن يفيدوه فى نفس الموضوع، وبعد عشر سنوات أرسل عبد الكريم أفندى المصطفوى، الخطيب والمدرس بروسيا، إلى فتاوى المنار يسأل عن مدى شرعية الصور التى تطلبها الحكومة الروسية منهم لإثبات الشخصية عند أداء الامتحان.


اكتساب التصوير للشرعية، مر بعدة مراحل واستلزمت جهدًا، واستندت إلى ما يمكن أن يجلبه التصوير من منافع، كأن يكون وسيلة من وسائل المعرفة لقدرة الله وأسرار حكمه، أو استخدامه لحفظ الحقوق الشرعية أو توثيق القدوة الحسنة.

ومن ناحية أخرى حذر أنصار التصوير من توظيفه بما يتعارض والدين. استفاد الطب من التصوير، بعد فتوى محمد رشيد رضا بالمنار، وتبارى الأطباء فى إبراز الخدمات الجليلة التى يقدمها التصوير للطب، فمثلاً اتخذه الأطباء فى إبراز الأشياء التى لم ترها العين، وكوسيلة تعليمية، وأفاد فى الفلك، ونشرت مجلة البيان القاهرية أواخر القرن التاسع عشر تحقيقًا عن عجائب التصوير الشمسى ودوره فى تصوير الأجرام السماوية، وتصوير الأعماق البحرية، وكان له الفضل فى كشف المجرمين والمحتالين والمزورين والإرشاد عن الجناة، ونشر ت جريدة أبى الهول قصيدة بعنوان  «مصور هائم» عن دور التصوير فى توثيق الحياة الإنسانية:
أيها الهائم بالفن الجميل
ارمق الحسن بلحظ العدسات
كم مضى فى العمر من غير بديل
منظر قد شيعته الحسرات
إن فى التصوير تذكار الجمال
فى التصوير تخليد السرور
إن فى التصوير للشعر مجال
إن فى التصوير للميت مجال

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات