.

جهلنا بمعنى الجاهلية فى القرآن

Foto

كيف قصر البعض مفهوم الجاهلية على الفترة التى سبقت نزول الوحى؟ ما الظواهر الشائعة فى مجتمع ما قبل الإسلام؟ لماذا تمسك المحدثون بأحاديث تعزو للنبى سب الآخرين بالأم والأب؟ ما الأوصاف التى جاءت عن الجاهلية فى القرآن؟


ظن الجاهلية - حكم الجاهلية - تبرج الجاهلية - حمية الجاهلية.

تلك الأوصاف الأربعة التى وردت فى القرآن الكريم مقترنة بذكر الجاهلية فى أربع آيات تكاد تدور جميعا حول معنى واحد محورى هو اتباع الأهواء الشخصية والقبلية والميول الذاتية والطبقية، بعيدا عن روادع العقل وقيم الحق والعدل والمساواة وأحكام الموضوعية والإنصاف. والآيات الأربع هى:
1- فى وصف موقف المنافقين خلال غزوة أحد: «ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية»- آل عمران: 154.
2- فى وصف موقف اليهود: «أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون»- المائدة: 50، ويفسرها القرطبى بأن: «الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء».
3- فى خطاب نساء النبى: «وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى»- الأحزاب: 33، ويلاحظ اقتران الجاهلية بتعبير «الأولى»، مما قد يشير إلى أوضاع أقدم من التى سادت قبل البعثة المحمدية مباشرة، وترتبط بالتبرج المتطرف المبالغ فيه والبعيد عن الزينة العادية المباحة، وهو ما ينطوى كذلك على معانى الميل والهوى الشخصى وقلة الاتزان.
4- فى وصف حال أهل مكة خلال صلح الحديبية: «إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين»- الفتح: 26، والمقصود: العصبية القبلية.
ويكاد القرآن فى سائر آياته يقدم تفسيرا خلقيا للآيات الأربع مجتمعة بلا حاجة إلى تفسير من خارج، إذ يقول تعالى فى وصف الجاهليين: «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أم للإنسان ما تمنى»- النجم: 23، 24، 25. ويقول: «وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم»- المائدة: 49، ويقول: «إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا»- النجم: 28، ويقول: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا»- الفرقان: 43.
والملاحظة الأولى على محك هذا الفهم المشتق من المعنى القرآنى تدور حول مفارقة التضارب بين استخدام بعض المعاصرين لمعنى «الجاهلية» وبين الاستخدام القرآنى، وعلى رأسهم طائفة -أو طوائف- الإسلام السياسى الذين يفترض آحادهم أن مصلحته مصلحة الدين، وتفترض كل جماعة من جماعاتهم -على التنازع فى ما بينها- أن مصلحتها مصلحة الإسلام، وفى ذلك انسياق مع الهوى والميل الذاتى والنفع الشخصى، وهو بعينه ما يسميه القرآن بالجاهلية. نفس الفهم الخاص للجاهلية الذى يقدمه مفكر تكفيرى مثل «سيد قطب»، بعد أن يجعل من فهمه هو وأحكامه الشخصية شريعة الله وحكمه، يصف الاستعانة بتشريعات الغرب وقوانينه المدنية بالجاهلية، ولو كان عماد هذه التشريعات وغايتها وروحها عماد وغاية وروح التشريع الإسلامى وقيمه الكبرى مثل الحرية والعدل والمساواة. ورغم أن الجاهلية فى المعنى القرآنى تضاد كل لجوء إلى قانون أو تشريع، وتخص الالتجاء إلى حكم الهوى الشخصى والمنفعة القبلية أو الطائفية، كما هو عليه الحال بالنسبة لقطب وجماعته.
الملاحظة الثانية أن نفس التوصيف الذى ينطبق على حال الإسلام السياسى فى بلادنا ينطبق بالتالى على مجمل الوضع الأصولى والسلفى وحالاته العقلية والنفسية، وهو ما يمكن أن نرى مظهرا رئيسيا له فى عزو أحكام مثل قتل تارك الصلاة والمرتد والمخالف فى الرأى، وجلد شارب الخمر، وتحريم التصوير والتماثيل، ورجم الزانى والزانية، وتحريم زواج المسلمة من غير المسلم، وحق الإمام «الحاكم» فى قتل من يشاء من الرعية.. إلخ، وعزو ذلك إلى ما يسمونه شرع الله، وما هى غير أحكام فقهية وتشريع بشرى ارتبط بأوضاع اجتماعية وسياسية زالت، ولم يبقها معزوة للشرع إلا ميل للجمود والتقليد، وهوى شخصى للتشدد والتسلط، الأمور التى تتماشى مع الوصف القرآنى للجاهلية.
الملاحظة الثالثة تتصل بميل اتجاه غالب إلى ربط مفهوم الجاهلية بالجهل، أى بما يضاد العلم والمعرفة، وهو فهم غير صحيح لا يستقيم مع الاستخدام القرآنى الذى يربط مفهوم الجاهلية بالشيم الخلقية والميول النفسية وليس بالأوضاع العلمية والمعرفية، بنفس المعنى الوارد فى بيت الشعر المشهور: «ألا لا يجهلن أحد علينا».
الملاحظة الرابعة بخصوص حصر مصطلح «جاهلية» بالفترة السابقة على الإسلام مع نزوع إلى تشويه وتقبيح وإنكار كل ما ينتمى إلى هذه الفترة، ولو كان ذلك بالمخالفة للحقائق التاريخية التى تنسب للعرب السابقين على الإسلام الكثير من خصال الشرف والصدق وقيم التعفف والتسامح وشيم الكرم والفروسية، ما يعد فى حد ذاته ميلا جاهليا حتى لو ارتبط بالرغبة فى تعظيم الإسلام وتضخيم آثاره الإيجابية على العرب. يذهب هذا الميل بأصحابه إلى تعميم ظواهر محدودة أو هامشية عُرفت قبل الإسلام وتناولها القرآن، كظاهرة وأد البنات، وبعض أشكال الزواج مثل «نكاح الرهط» بين امرأة وعدة رجال، واعتبارها ظواهر شائعة بين قبائل العرب قبل الإسلام، رغم كل ما عُرف عن تعظيم العرب للمرأة وللحب فى هذه الفترة، ورغم تقنين وتقويم وإقرار الوحى لكثير من العادات والتقاليد العربية المرتبطة بالزواج مثل عادة المهر، الذى وإن كان يعنى عند أهل العصور القديمة لونا من الشراء والبيع للمرأة، إلا أنه كان يعنى أيضا ما لها من قيمة عندهم.
الملاحظة الخامسة تتصل بفهم مصطلح الجاهلية كما هو عليه فى قاموس الحديث المنسوب للنبى، وهو فهم يميل إلى تخصيص المفهوم وحصره زمانيا بالفترة السابقة على نزول الوحى، مع تجريده وتعميمه فى نفس الوقت. آية هذا الفهم ما يرد فى «صحيح مسلم» عن أبى هريرة بخصوص تحولات عرب الجاهلية بعد الإسلام، من أن رسول الله قال: «تجدون الناس معادن فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا..»، ومنه ما يرد فى «سنن الترمذى» عن عمران بن حصين: «أن النبى لما نزلت يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم إلى قوله ولكن عذاب الله شديد، قال: أنزلت عليه هذه الآية وهو فى سفر، فقال: أتدرون أى يوم ذلك؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار فقال يا رب وما بعث النار؟ قال تسع مئة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، قال: فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله: قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة فى ذراع الدابة أو كالشامة فى جنب البعير، ثم قال: إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبّروا ثم قال: إنى لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبّروا، ثم قال: إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبّروا، قال: لا أدرى قال الثلثين أم لا؟!». وعلى غرابة منطوق الحديث كما يلحظ وتعلّقه بغيب ينفى القرآن علمه لبشر، وعلى دورانه فى نطاق نسب غامضة مثل الربع والنصف والثلث والثلثين، إلا أن المعنى فيه يتردد بين تخصيص الجاهلية وحصرها بعرب ما قبل الإسلام مع تعميمها فى نفس الوقت على مختلف الأمم والرسالات. والمعنى فى الحديثين السابقين يكاد يختلف مع المعنى فى أحاديث أخرى تستخدم الجاهلية بالمفهوم الأقرب إلى السياق القرآنى ومنها حديث «مسلم» عن جندب البجلى قال رسول الله: «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية»، وما ورد فى البخارى من وصف النبى لانحياز الأنصار والمهاجرين ضد بعضهم البعض على أسس قبلية من أنها «دعوى الجاهلية». لكن أغرب ما ورد من حديث وينطوى على تضارب لا مفر من إفساح مجال واسع لاستنكاره ما جاء فى «سنن النسائى» و«مسند أحمد» عن أبى بن كعب: «سمعت رسول الله يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا»، والمعنى: اشتموه شتما بذيئا بصراحة، وحسب ما يقول الشرّاح: «أى قولوا له: اعضض بذكر أبيك أو أيره أو فرجه، ولا تكنوا: أى لا تكنوا بذكر الهن عن الأير بل صرحوا له بآلة أبيه التى كانت سببا فيه تأديبا وتنكيلا»! ولسنا فى حاجة إلى ذكر ما فى ذلك من تضارب مع وصف القرآن للنبى: «وإنك لعلى خلق عظيم»- القلم: 4، وعظمة خلق النبى تتناقض بلا شك مع كل أخلاق الميل والهوى والعصبية والغضب واللجاج والبذاءة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات