«إخوان الصفا».. العقلانية تتكلم رغمًا عن أنف السلطة!

Foto

لماذا تضاربت آراء الباحثين حول تكوين ونشأة وزمن جماعة إخوان الصفا؟ وما الرأى الراجح فى تحديد زمان تأليف رسائلهم؟


لا أزعم أن مقالا كهذا، محدود المساحة، معدود الكلمات، قمينٌ بالإحاطة الشاملة أو شبه الشاملة بجماعة «إخوان الصفا»؛ فهذه الجماعة على الرغم من وصول رسائلهم إلينا كاملة، فإن تاريخ نشأتهم وتكوينهم وأعلامهم وانتماءاتهم العقدية والثقافية والسياسية والاجتماعية، كل أولئك غامض بصورة يصعب على مقال أو دراسة أو كتاب الإحاطة به؛ فقد كانت بالأساس جماعة سرية، عمد أفرادها إلى استخدام أسلوب «التقية» حتى يأمنوا على أنفسهم، ويضمنوا لأفكارهم الموسوعية التقدمية البقاء والسلامة من الاندثار والمصادرة، وهو ما تحقق بالفعل؛ فقد تدولت هذه الرسائل فى أماكن وأقاليم مختلفة ظهرت فيها دعوة «إخوان الصفا»، لكننى فى هذا المقال سأحاول، بقدر من الإيجاز غير المخل، الإشارة إلى أكثر من مبحث يحيط بهم، بحيث تكون لدى القارئ ذخيرة معرفية جيدة تمكنه -إن هو أراد- من البحث والقراءة عنهم سواء من خلال رسائلهم التى وصلت إلينا وتم طبعها وتحقيقها غير مرة، أو من خلال بعض الكتب والدراسات التى تناولت «إخوان الصفا»، على الرغم من أننى أعترف للقارئ الكريم أن هذه الجماعة لما تزل تستأهل دراسات وأبحاثا أكثر مما كتب عنها، ففى اعتقادى أن رسائلهم، التى تمثل وتعكس أفكارهم، بحاجة إلى التحقيق والدراسة بعيدا عن الأفكار المسبقة، والأيديولوجيات الفكرية المختلفة، والتصنيفات الاصطلاحية المتعددة!

بداية، لا نعرف على وجه الدقة متى ظهرت جماعة «إخوان الصفا» فى موكب التاريخ، وتلك هى الإشكالية الأولى؛ فرسائلهم لا تكشف تاريخ نشأتهم، فتضاربت تبعا لذلك آراء الباحثين فى تحديد تاريخ النشأة والتكوين، فمنهم من جعل ظهورها متأخرا نسبيا، فأرجع هذا التاريخ إلى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى، ومنهم من جعل ظهورها متقدما، فأرجع هذا التاريخ قبل سنة 296هـ، ومنهم من توسط فجعله فى بدايات العام 300هـ، وأيا كان الخلاف فى تحديد سنة التأسيس، فإننا وبقليل من البحث والقراءة التاريخية نستطيع أن نستشف من كونهم جماعة «سرية» تمارس «التقية»، أن ظهورهم كان بعد عصر الخليفة العباسى المتوكل «مات مقتولا على يد قادة الجيش الأتراك عام 247هـ»؛ فاضطهاد وقمع حركات ومذاهب المعارضة كان على يديه بعد تمكينه أصحاب النص الرجعيين من السيطرة على المحيطين الثقافيين: الرسمى والشعبى للدولة الإسلامية، فبداية من العام 232هـ، وهو عام تتويجه خليفة للمسلمين، كان الاضطهاد والظلم والنفى والمنع لكل صاحب رأى معارض، خصوصا من المعتزلة والشيعة، فساد النظام السنى المحافظ، وتم خنق وإغلاق المجال العام، ولم ينته الأمر عند ذلك الحد، بل قام القادة العسكريون الأتراك بالسيطرة التامة على مقادير الخلافة والدولة الإسلامية، فساد النظام الإقطاعى العسكرى، وغدا خلفاء بنى العباس ألعوبة فى يد الترك، وكما يقول ابن الطقطقى: «كان الخليفة فى أيديهم كالأسير؛ إن شاؤوا أبقوه، وإن شاؤوا خلعوه، وإن شاؤوا قتلوه» [الفخرى فى الآداب السلطانية: ص195]، ففشت المظالم الاقتصادية إلى جانب المظالم السياسية، وبطبيعة الحال تغلغلت النزعة الشعوبية العنصرية، فأحس المواطنون بالانسحاق والخذلان، الأمر الذى يبرر اندلاع ثورة مسلحة كثورة الزنج، التى هددت كيان الدولة العباسية، وقضت مضاجعها قرابة أربعة عشر عاما، كما -لظروف اقتصادية ومادية بحتة- انتشرت الدعوة القرمطية بين الفلاحين وصغار المزارعين، فى العراق والشام، خصوصا مع ما تمثله الزراعة فى ذلك الوقت من دعامة أساسية لاقتصاد الدولة العباسية، وترتب على ثورات الفلاحين تلك ترد كبير فى شؤون الزراعة والرى، لتستحيل مئات الأفدنة إلى مستنقعات وأراض سبخة، فتقل المساحات المزروعة، وبالتالى يقل الطعام، فتكون المجاعة والمخمصة، حتى إن كتب التاريخ المعنية بتلك الفترة، لا تكاد تخلو من أخبار تلك المجاعات والمخامص، التى فتكت بآلاف من الفقراء الذين لم يكونوا يملكون سوى الأنين والشكاية!
فى تلك الأجواء المتردية الصعبة تكونت جماعة «إخوان الصفا»، وفى هذا دليل على ارتباط الفكر بالواقع، فظهور «إخوان الصفا» محصلة طبيعية جدا لتلك الظروف الصعبة التى اكتنفت الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية فى العصر العباسى، «يؤكد هذا ارتباط النشأة بمدينة البصرة ذات المكانة الاقتصادية التجارية المرموقة والمنزلة الفكرية المعروفة، ومعلوم أن المدينة ببرجوازيتها ومثقفيها أضيرت أكثر من غيرها فى ظل (الإقطاعية المرتجعة)؛ لكونها مركزا هاما اندلعت منه ثورات اجتماعية كبرى، كثورة الزنج وحركة القرامطة، فتعرضت للتدمير والتخريب، وعانى سكانها مرارة السلب والنهب وانتهاك الأعراض على يد جيوش العسكرتاريا التركية الإقطاعية» [محمود إسماعيل: إخوان الصفا رواد التنوير فى الفكر العربى، ص49]، ومن الضرورى أن نفرق بين زمن تكوين هذه الجماعة وزمن تأليف رسائلهم؛ فمما لا شك فيه أن مرحلة التكوين والنشأة سابقة على مرحلة تأليف الرسائل، فالأولى متقدمة والأخرى متأخرة، لأن الرسائل تمثل اختمارا لدعوتهم وعصارة لأفكارهم التى قاموا بتأسيسها والاتفاق عليها فى ما بينهم، فالفكر سابق على التدوين، كما هو معروف، وبناء على ذلك فإننا نستطيع أن ندعى أن تأسيس الجماعة بدأ -ربما- فى الفترة من 250هـ إلى 300هـ، أما تصنيف رسائلهم فقد بدأ -ربما- بعد المئة الثالثة من الهجرة أو قبلها بقليل، ولعل قراءة مقتطفات من تلك الرسائل يجعلنا نهتدى بشكل ما إلى تاريخ كتابتها بعيدا عن التخمين، خصوصا أنها تحوى إشارات تؤيد ما ذهبنا إليه، ومن ذلك قولهم فى «أحمد الكيال» إنه: «شغف بتفسير الأرقام»، [الرسائل: الرسالة 33- 3/ 206]، ومما هو معروف أن الكيال توفى عام 313هـ، وقد حقق «ابن تيمية» «ت: 724هـ» فى كتابه [بغية المرتاد ضمن الجزء الخامس من الفتاوى: ص59] أن تاريخ تصنيف الرسائل كان بعد المئة الثالثة، وهو رأى نتفق معه؛ لاعتماده على ما ورد فى الرسائل نفسها، لكننا لا نوافقه على أن «إخوان الصفا» كانوا فى مصر؛ فبعد تحقيق بعض نصوص الرسائل نطمئن إلى أن البصرة كانت مركزهم الرئيس ثم انتقل هذا المركز إلى بغداد.
ذلك، باختصار شديد، كان جينالوجيا نشأة وتكوين «إخوان الصفا»، وهنا يظهر سؤال هام: مَن هم هؤلاء الإخوان؟!
فى الحق، هم طائفة سرية يقولون عن أنفسهم فى الرسائل: «إن لنا إخوانا وأصدقاء من كرام الناس، وفضلائهم، متفرقين فى البلاد، فمنهم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتناء، ومنهم طائفة من أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين، ومنهم طائفة من أولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس» [الرسائل: 4/ 165]، ولم يكشف أبو حيان التوحيدى «ت: 414هـ» فى كتابه «الإمتاع والمؤانسة» إلا عن أسماء خمسة منهم فقط، وهم: زيد بن رفاعة، أبو سليمان المقدسى، أبو الحسن الزنجانى، أبو أحمد المهرجانى/ النهرجورى، العوقى [أبو حيان التوحيدى: الإمتاع والمؤانسة، ج2 ص20 وما بعدها]، ويبدو من أسمائهم أنهم غير مشهورين، كما يبدو أن أبا حيان التوحيدى كان على علاقات جيدة بكثير من أعضاء تلك الجماعة، ولعل هذا هو ما جعل «أحمد أمين» يعتقد أن التوحيدى بالإضافة إلى أبى العلاء المعرى «ت: 449هـ» من ضمن أعضاء تلك الجماعة [ظهر الإسلام: 2/ 145]، وأيا كان الأمر فإن طبيعة الجماعة السرية يبرر غموض أسماء مؤسسيها ورؤسائها الذين كانوا يمثلون شرائح مختلفة ممتازة من نخبة المثقفين البرجوازيين «إنتلجنسيا»، الذين يلعبون دورا فى تشكيل ثقافة المجتمع، ويرون أن طريق العلم والتحرر الفكرى هو السبيل إلى مواجهة الإقطاعية العسكرية، بعيدا عن الثورات المسلحة والانتفاضات الشعبية، وعلى الرغم من أن بعض الباحثين من ذوى الانتماء الشيعى الإسماعيلى يحاولون إثبات انتماء جماعة «إخوان الصفا» إلى الإسماعيليين، فإننا لا نجد أدلة تاريخية معتبرة تؤيد ما يذهبون إليه، ونحن بالطبع لا ننفى ولا نستبعد انتماء بعض الشيعة إلى الجماعة، لكننا لا نعمم ذلك بحيث نجعل اتجاه تلك الجماعة يميل تماما إلى المذهب الإسماعيلى، فقراءة نصوص الرسائل قراءة حرة بعيدة عن الهوى يثبت أن «إخوان الصفا» لم يعتنقوا المذهب الإسماعيلى، ولا حتى المذهب الشيعى، ولا أدل على ذلك من أن الجماعة فى رسائلهم ينكرون فكرة «الإمامة»، أساس المذهب الشيعى، لاستحالة وجود شخص تتوفر فيه خصال النبوة عدا الأنبياء [الرسائل: 42- 3/ 493- 495].
وأما عن أصل تسميتهم، ودعوتهم «السرية» ومضمونها، وفلسفتهم، ونظرتهم الأخلاقية، وجذور الليبرالية عندهم، فكل أولئك محله المقال القادم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات