تونس.. الديمقراطية العربية الوحيدة فى خطر

Foto

ما الأسباب وراء الاحتجاجات فى تونس؟ كيف تضع الظروف الاقتصادية والتصعيد بين الحكومة والمحتجين البلاد أمام تهديد حقيقى لتجربتها الديمقراطية؟


كان الأسبوع الماضى بالنسبة للتونسيين مليئًا بالأحداث الصعبة، مثلما كان بالنسبة لكثير من الباحثين المعنيين بتجارب التحول الديمقراطى فى المنطقة مدعاة للقلق. ومنبع القلق هنا هو الخشية على مستقبل الدولة الوحيدة الناجية من بين بلدان الربيع العربى، والتى نجحت فى أن تشق طريقها رغم كل التحديات والصعوبات، حتى وصلت إلى ما هى فيه اليوم، أى أن تصبح الديمقراطية العربية الوحيدة، أو الدولة الثانية فقط فى منطقة الشرق الأوسط التى تصنف على أنها ديمقراطية حرة، بخلاف إسرائيل، وهذا بعد أن نجح التونسيون فى أن يختاروا لأنفسهم طريقًا ناجحًا قادَ بلادهم إلى مسار مختلف عن مسار الثورات فى أغلب بلدان الربيع العربى الأخرى؛ مثل ليبيا واليمن وسوريا، تلك البلدان التى تحوّل فيها الربيع العربى إلى شتاء بالانجراف نحو الحرب الأهلية، أو خريف بعودة السلطوية، وبشكل أسوأ مما سبق! 
 
فأنت إذا نظرت إلى تونس اليوم، سوف تجد أحزابًا كبرى تعبّر نسبيًّا عن أكبر قدر من التوجهات السياسية داخل المجتمع، ويوجد فى ما بينها شبه اتزان «نسبى» أيضًا فى موازين القوة، وستجد فى تونس كذلك مجتمعًا مدنيًّا حيًّا ونقابات قوية ومؤثرة، وتداولاً فى الأفكار، وحرية فى الإعلام، وانتخابات ديمقراطية. وقبل كل هذا وذاك، تجد حرصًا بدا خلال السنوات الماضية على تغليب السياسة والتوافق والمواءمة والمفاوضة السياسية بين أطراف اللعبة.
 
غير أن كل هذه المظاهر التى تجعل تونس البلد الوحيد الناجى فى منطقتنا بمساره نحو الديمقراطية، لا تعنى بالضرورة أنه قادر على أن يحافظ على ديمقراطيته تلك حتى النهاية، خصوصًا مع التحديات التى قد تقوده فى لحظة ما إلى مسار عكسى مثل باقى البلدان العربية فى منطقة تحمل إرثًا داعمًا للاستبداد والصراع أكثر مما هو داعم للديمقراطية والتوافق والحرية، ومصالح إقليمية كبرى تجد فى تغذية الصراع والاستبداد والطائفية منهجًا لتحقيق مصالحها.. وقبل كل هذا وذاك العوامل الداخلية فى تونس، المتمثلة فى سوء الأوضاع الاقتصادية التى وصلت بمعدلات النمو الاقتصادى فى البلاد فى الأعوام الماضية إلى مستوى مُتدنٍّ «سالب فى بعض الأحيان»، عقب تراجع عائدات السياحة التى كانت تعتمد عليها تونس كمصدر دَخل رئيسى، وهو ما خلق أوضاعًا اجتماعية صعبة لدى كثير من الفئات فى المجتمع التونسى، الذى طالته إجراءات تقشف تبنّتها الحكومات، فى محاولة لجذب الاستثمارات والاقتراض من المؤسسات الدولية كخيار مُر لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد وسط غياب البدائل العملية لتجاوز الأزمة.
 
وهنا فلَربما تذكر، عزيزى القارئ، عالم السياسة الشهير «صامويل هنتنجتون»، أو قد يكون قد مر عليك اسمه المرتبط بما أثاره من جدل ذات يوم حول كتابه الشهير «صراع الحضارات». لكن قبل صراع الحضارات هذا، كان لدى هنتنجتون واحد من أبرز وأهم المراجع حول التحولات الديمقراطية فى العام، يسمى «الموجة الثالثة». فى هذا الكتاب الذى صدر فى عام 1993 تقريبًا، والذى رصد تجارب التحول الديمقراطى فى عدد من دول العالم، يطلعنا الكاتب على أن التحول الديمقراطى يتم عبر ثلاث مراحل رئيسية: أولاً، أن يتم إسقاط النظام المستبد. ثانيًا، أن يتم تأسيس نظام ديمقراطى جديد. ثالثًا، والأهم، رسوخ الديمقراطية أو تجذرها فى المجتمع. ويعنى الكاتب بالشرط الثالث أن تستقر أدوات النظام الديمقراطى فى المجتمع كأمر طبيعى ومنطقى ووحيد وعُرف وتقليد لإدارة الخلاف، حيث الاستبداد أو الانقلاب على تلك الأدوات والقواعد، أو الانتقاص من الحرية لا يكون واردًا حتى ولو مجرد خاطر لدى أطراف العملية السياسية.
 
وهنا فى حالة تونس، وإن كانت هى البلد الوحيد بين بلدان الربيع العربى الذى نجح فى تحقيق الشرطَين الأول والثانى لدى هنتنجتون، فإنها لم تستوفِ الشرط الثالث بعد، وهو الشرط الذى يحتاج إلى سنوات طويلة كى يتم التحقق من أنه صار واقعًا، وقد يواجَه بكثير من التحديات التى قد تعصف به، من أبرزها الأزمات الاقتصادية التى قد تواجه البلدان موضع التحول المنشود.
 
وهنا، ومرة أخرى فقد كان مصدر القلق فى الأسبوع الماضى هو ما جرى فى تونس من تظاهرات اندلعت فى مدنها احتجاجًا على قانون المالية للعام الجديد 2018، الذى يحمل المزيد من إجراءات التقشف الاقتصادية فى تونس، ويفرض غلاءً فى الأسعار، فى محاولة من الحكومة لخلق حالة من التعافى لاقتصاد راكد ومأزوم خلال السنوات الماضية. وهو القانون الذى دعمه شريكا الحكم الرئيسيان الضمنيان فى معادلة الحكم فى تونس، حزبا النهضة ونداء تونس، وحظى بتأييد واسع فى البرلمان، واعترضت عليه أحزاب سياسية وحركات أخرى ذات توجه يسارى وقومى؛ مثل حزب الجبهة الشعبية، الذى يقوده السياسى التونسى الشهير حما الهمامى. 
 
بالطبع، لم يكن الخوف هو خروج احتجاجات من عدمه، فأى نظام ديمقراطى يجب أن يكون قادرًا على إعطاء مساحة لحرية الرأى والتعبير السلمى، وهو يكتسب قوته من تلك المساحة، لكن الخوف فى الحالة التونسية، مثلما يلحظ المتابع، هو الحالة العامة غير الصحية التى أحاطت بتلك الاحتجاجات، وأقصد بالحالة غير الصحية غياب المفاوضة والمواءمة السياسية من البداية على حساب تمسك كل طرف بموقفه على غير المعتاد فى تونس، واتساع نطاق عمليات الاحتجاج، التى تحوّل بعضها إلى عمليات تخريب واعتداء، وارتفاع مستوى الحدة فى الخطاب السياسى الذى خرج عن إطار الخلاف التقليدى لصالح اتهامات بالفساد والسرقة، وهى اتهامات قوى الاحتجاج المُسيَّسة للحكومة، واتهامات مقابلة بالتآمر وتشويه سمعة تونس، وَجَّهتها الحكومة ضد المحتجين وبعض الساسة ووسائل الإعلام. وبلوغ مستوى التصعيد ما بين الطرفين مرحلة شد «حبل السياسة» إلى درجة قد تنذر بانقطاعه، دون وعى أطراف اللعبة بالعواقب الوخيمة، وما قد يعنيه هذا من تهديد خطير لمستقبل الديمقراطية فى البلاد.
 
 
فمن ناحية، حافظت القوى السياسية والحركات الداعية إلى الاحتجاجات على سقف مطالب مرتفع، متمثلاً فى إسقاط القانون المالى الجديد (الذى تؤيده الأغلبية)، بالتوازى مع دعوات تصعيدية خلال الأسبوع الماضى للاحتجاج، اتسمت بحالة من العنف، تم فيها إحراق مبانٍ حكومية ومنشآت خاصة، واستغلها متطرفون باستهداف مدرسة يهودية بقنابل حارقة. وفى المقابل، صعدت الحكومة من مواجهتها تلك الاحتجاجات بالعنف، واضطرت إلى إنزال الجيش إلى الشارع للسيطرة على مقاليد الأمور، وخاضت الشرطة مواجهات عنيفة مع المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل أحدهم، ووقوع إصابات، واعتقالات ليلية طالت ما يقرب من 800 شخص، من بينهم ساسة. هذا بالإضافة إلى إصابات كثيرة ما بين رجال شرطة وخسائر فى المبانى والمركبات وغيرها. 
 
وهكذا فقد بدا لافتًا أن التوافق والتنازلات المتبادلة المنطقية، التى لجأت إليها أطراف العملية السياسية لتجاوز مراحل فارقة فى تجربتها خلال السنوات الماضية كسبب للنجاح.. لم تكن حاضرة منذ اللحظة الأولى كخيار لتجاوز الأزمة الحالية وتجنب الوصول بها إلى تلك المرحلة من الحدة والعنف، التى قد تهدد ما تم تحقيقه فى السابق. هذا بالتوازى مع عدم وجود دعم دولى حقيقى أو إقليمى مالى يُمكن الديمقراطية الوليدة فى المنطقة من تجاوز محنتها المالية فى مقابل مليارات الدولارات التى توجهها قوى كبرى أو إقليمية، إما لصالح نظم حكم استبدادية، وإما لصالح حروب طائفية فى مناطق مختلفة من المنطقة.
 
غير أن بارقة الأمل التى ما زالت تطل وسط هذا المشهد، تتمثل فى بوادر تنازلات سياسية قد تقدِم عليها الحكومة التونسية، بعد عقد الرئيس التونسى «السبسى» اجتماعًا موسعًا مع القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى، ثم إعلان الحكومة التونسية، يوم السبت الماضى، عن قرارات بضخ 100 مليون دينار إضافية للموازنات المخصصة للعائلات الفقيرة فى تونس، وهو ما قد تستفيد منه نحو 250 ألف أسرة فقيرة فى البلاد، وهو القرار الأول من نوعه منذ أن انطلقت الاحتجاجات، وقد يمثل بادرة للتهدئة، ويتوازى مع تلميحات ضمنية من بعض الأطراف داخل الائتلاف الحاكم فى البلاد حول التفكير الجاد فى إعادة النظر حول بعض بنود القانون المالى الجديد، بما يضمن خفض مستوى الضرر الذى قد تتعرض له الطبقات الفقيرة والشرائح الاجتماعية المتضررة من الإجراءات الجديدة وغلاء الأسعار. فى النهاية، يظل المخرج الوحيد لأزمة تونس هو السياسة ولا شىء آخر، فمثلما حافظت السياسة على تجربة تونس فى مواجهة الكثير من التحديات التى مرت بها فى السابق، تظل هى المخرج الوحيد الحالى لتجاوز ما تمر به تونس الآن من تحدٍّ اقتصادى.. السياسة بمنطق المفاوضة والمواءمة والتنازلات المتبادلة، وتجنب التصعيد والصدام اللذين قد يهددان العملية برمتها، وهو ما لن يربح منه أحد، وقد يضع التجربة الديمقراطية العربية الوحيدة أمام سيناريوهات مفتوحة للإخفاق مثلما شاهدنا فى بلدان الربيع العربى الأخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات