.

ما انكشف وبان..من أطفيح إلى حلوان

Foto

شجاعة وبسالة صلاح الموجى وتصرفه الفطرى والتلقائى، وشجاعة وبطولة أخرى للشاب جرجس الذى حمل سلاح أمين الشرطة


جاء الهجوم الأخير الذى نفذه الإرهابى إبراهيم إسماعيل، على كنيسة مارمينا بمنطقة حلوان تزامنًا مع الاحتفالات بالسنة الميلادية الجديدة، ليؤكد مرة أخرى أن خطر العمليات الإرهابية لا يمكن أن يتوقف فقط بالقوة الغاشمة أو بكل العنف، وإنما يحتاج إلى استراتيجية متكاملة وشاملة للعديد من المجالات، التى من دونها سوف نظل فى دوامة صراع بالقوة ما بين القوات المسلحة والشرطة فى مواجهة الإرهابيين، دون أن تمتد هذه المواجهة لتشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والفكرية اللازمة لتصبح مواجهة مع الإرهاب والتطرف من جذوره لا بما يفرزه فقط. 
الحادث الأخير لولا التدخل الأمنى لمنع دخول الإرهابى الكنيسة، ولولا التصدى الشعبى الذى لا يبدو غريبًا لكنه تجلَّى فى هذه الواقعة، ربما كانت نتائجه أفدح مما جرى، ورغم التقدير الواجب للجهود الأمنية والشعبية فى منع هذا الإرهابى من استكمال جريمته، فإنه من زاوية أخرى الأمر يحتاج إلى التوقف أمام عدة ملاحظات، أولاها أننا أمام أحد العناصر التى سبق لها المشاركة فى عمليات سابقة كما تشير المعلومات المعلنة من جانب وزارة الداخلية والنيابة، وهو ما يعنى أن استمرار نجاح بعض العناصر الإرهابية فى التحرك بحرية دون النجاح فى ملاحقتهم والقبض عليهم يمثل تهديدًا حقيقيًّا ينبغى تكثيف الحملات الأمنية وجمع المعلومات اللازمة للتوصل إلى أماكن اختفاء تلك العناصر بالذات ممن تتوافر بالفعل معلومات عنهم وعن مشاركتهم فى عمليات سابقة.. وهو التهديد الذى يتزايد مع ما يتوقع من تسرب عناصر جديدة إلى داخل الحدود المصرية فى ظل الهزيمة التى تلحق بتنظيم داعش فى سوريا والعراق، وهو الذى أعلن تبنِّى عملية الاعتداء على كنيسة مارمينا، بل وفى ظل معلومات معلنة بالفعل على لسان الرئيس التركى، منذ أسابيع، حول هروب عدد من العناصر الإرهابية التى غادرت مدينة الرقة إلى سيناء. 
الملاحظة الثانية تتعلق بالاحتفاء الرسمى والشعبى بما قام به المواطن صلاح الموجى، وهو بالتأكيد يستحق التحية والاحترام على موقفه، كما أنه يكشف بشكل واضح عن الموقف الشعبى الحقيقى من الإرهاب، لكن الخوف كله من أن يجرى الترويج لأن هذا هو دور المواطن الطبيعى الأعزل بأن يتدخل ليتصدى للعناصر الإرهابية المسلحة، وهو ما يأتى فى سياق لا ينقطع عن دعوات تتردد بين الحين والآخر عن إدخال قبائل سيناء طرفًا فى المواجهات الأمنية والعسكرية ضد التنظيمات والعناصر الإرهابية هناك، وهو خطر كبير، لا فقط من حيث آثاره، بل بما يمثله بالأساس من إخلال بمفاهيم وأدوار كل طرف فى هذه المواجهة، والتى يفترض أن التصدى فيها لمَن يحملون السلاح هو دور وواجب قوات الجيش والشرطة لا غيرهم، أما الأدوار المجتمعية فهى تتنوع وتتعدد لمحاصرة الأفكار المتطرفة ومواجهتها، وبما فى ذلك تقديم أية معلومات للأجهزة المعنية، دون أن يمتد ذلك لتحميل المواطنين مسؤولية حماية أنفسهم فى مواجهة المسلحين أو التدخل فى مثل هذه الأحوال.  شجاعة وبسالة صلاح الموجى وتصرفه الفطرى والتلقائى، وشجاعة وبطولة أخرى للشاب جرجس الذى حمل سلاح أمين الشرطة بعد استشهاده وإطلاقه الرصاص صوب الإرهابى لحماية الأهالى، هى رسالة يجب أن تستقبل بإدراك واضح، لأن المجتمع والمواطنين طرف فاعل فى هذه المعركة، لكن توظيف الأدوار وتنوعها كل فى حدوده واجب ضرورى لضمان نجاح هذه المعركة والمواجهة.  الملاحظة الثالثة هى أن المواجهة مع الإرهابيين وحدها لن تكفى دون شك، فبعد ما يزيد على أربع سنوات من هذا النوع من المواجهة، يتأكد لنا أن جذور التطرف لا تزال قائمة فى هذا المجتمع دون مواجهة جادة معها، ولعل ما جرى قبل أيام قليلة من حادث مارمينا فى أطفيح يقدم نموذجًا واضحًا، وهى ليست المرة الأولى التى نشهد فيها هذا النوع من الحوادث التى يتجمهر فيها متطرفون للهجوم على كنيسة، وهذا التكرار يؤكد أن المشكلة قائمة ولا تتم مواجهتها بشكل صحيح، وأن تربة زرع الأفكار المتطرفة لا تزال متروكة لأصحاب هذه الأفكار يرتعون فيها، دون أن تمتد المواجهة الواجبة لتشملهم، سياسيًّا وثقافيًّا وفكريًّا ودينيًّا ومجتمعيًّا، وهى الجوانب التى لا تزال غائبة ومهملة فى كل تحركات الدولة المصرية حتى الآن.  الملاحظة الرابعة أن حادث الاعتداء على كنيسة مارمينا وقبله الاعتداء على كنيسة أطفيح، جاءا فى ظل ما هو مفترض من استعدادات أمنية بالغة، ومع ذلك فقد شهدنا جميعًا الاعتداء الجماعى على كنيسة أطفيح، ثم شاهدنا فيديوهات تجول الإرهابى حاملًا سلاحه فى حلوان، وهو ما يشير إلى أن الاستعدادات المطلوبة ليست قاصرة على تأمين مبانى الكنائس من الداخل فقط، بل ينبغى أن تشمل ما هو أوسع من ذلك، وبما فى ذلك توافر العناصر المدربة والمؤهلة وكذلك الإمكانات والعتاد اللازم فى محيط الأماكن التى يجرى تأمينها، ولعل التذكير واجب بما جرى فى مسجد الروضة ببئر العبد رغم التهديدات التى كانت معروفة ومعلنة. 
الملاحظة الخامسة فى هذا السياق أن الحادث الأخير يأتى بعد أسابيع من إعلان الرئيس تكليفه للقوات المسلحة بإعادة الأمن والاستقرار إلى سيناء والقضاء على الإرهاب هناك خلال ثلاثة أشهر، وهى مهمة واجبة وضرورية، لكن مجرد الإعلان عنها وتحديد مدى زمنى لها ليس كافيًا وحده لنجاح تلك المهمة، إذا لم تكن وَفق خطة واضحة يتشارك فيها المجتمع وهيئاته مع الدولة ومؤسساتها، لا فى سيناء وحدها وإنما فى عموم مصر، ولا للقضاء على التنظيمات الإرهابية فقط وإنما لحصار الإرهاب من منابعه وجذوره، وهو ما لن يحدث إلا بحزمة من الإجراءات المتوازية، التى يظل دور القوة العسكرية والأمنية جوهريًّا فيها، لكنه لن يكون وحده كافيًا دون فتح الباب أمام خبراء ومتخصصين للإدلاء بآرائهم ومقترحاتهم، ودون إشراك مختلف القوى المجتمعية فى هذه المعركة من أحزاب ومجتمع مدنى ومنظمات شعبية، ودون مواجهة حاسمة بالقانون وبالفكر معًا لكل الأفكار المتطرفة. 
أما الملاحظة الأخيرة ورغم أن البعض قد يراها منبتة الصلة بسياق جريمة مارمينا، فإنها تمثل مؤشرًا لا يمكن التغاضى عنه، فاستمرار الخلط بين مَن ينبغى مواجهتهم حقًّا وملاحقتهم أمنيًّا، واستمرار الملاحقات الأمنية والقضائية التى تطول معارضين أو نشطاء، لن يؤدى سوى إلى المزيد من التشتيت فى المعركة الأهم التى تهدد الجميع دون استثناء، كما أنها تفقِد أى جهود تبذل مصداقيتها وأى تحركات تتم غطاءها السياسى والشعبى اللازم للنجاح، ولعل ما شهدناه من أحكام أخيرة ضد شخصيات بينها مؤيدون حتى للسلطة الحالية، وأخرى ضد متظاهرين دفاعًا عن مصرية «تيران» و«صنافير»، وثالثة ضد نشطاء وقياديين فى أحزاب سياسية بتهم الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، فضلًا عن استمرار حبس عدد من الباحثين والنشطاء الذين لهم موقف واضح ضد الإرهاب وتنظيماته، حتى إن كان لهم مواقف معارضة للسلطة.. فالحقيقة أن هؤلاء وغيرهم هم حائط صد ضرورى بما يمثلونه ضد الإرهاب وأفكاره وتنظيماته، واستمرار التعامل بهذه الطريقة التى لا تميز ولا تفرق بين إرهابى يحمل السلاح ومعارض يستخدم الأدوات السياسية، لن تؤدى سوى إلى المزيد من إهدار الوقت والجهد فى ما لا يفيد، ولن يؤدى سوى إلى تعميق الأزمة التى يعانى منها هذا المجتمع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات