.

هل ننتظر الحرب العالمية الثالثة؟

Foto

هل يهدم ترامب النظام العالمى على رأس الجميع أم هى خطوة ضد الصين فقط؟ هل العالم يتجه إلى حرب تجارية من أجل حماية المنتجات الداخلية لكل دولة؟


أثار إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى الأسبوع الماضى، عن نيته فرض تعريفات جمركية على واردات الولايات المتحدة الأمريكية من الحديد والألومنيوم، الكثير من القلق فى العالم ولا يزال. فعلى إثر تلك التصريحات هبطت أسواق الأسهم فى البورصات الغربية، وحذَّر صندوق النقد الدولى أمريكا من تداعيات القرار على اقتصادها واقتصاديات البلدان الأخرى، وبينما رد الاتحاد الأوروبى بأنه لن يكون لديه خيار سوى الرد بالمثل حال أن طالته القرارات، أعلن كذلك كل من كندا والمكسيك والصين واليابان والبرازيل أنها تدرس اتخاذ إجراءات مماثلة، ردًّا على هذه الخطوة.

وهنا فلربما يكون الكثير ممن سمعوا بالأمر لديهم على الأقل الكثير من الأسئلة البديهية حول أسباب الضجة الضخمة التى أثارها إعلان الرئيس الأمريكى، والتى ربما يراها البعض ضجة مبالغًا فيها، وربما ينظر إليها آخرون يتساءلون: وما المشكلة؟ خصوصًا أننا نفعل مثل تلك الإجراءت فى بلداننا كثيرًا، بل إن جوهر اقتصادياتنا قائم على تحكُّم الدولة بفرض الجمارك والتعريفات على ما يرِد من الخارج وتوجيه المشاريع فى الداخل وإدارتها وغيره.. لماذا تُثار كل تلك الضجة إذن؟!
عمليًّا، وإن كان الأمر يبدو للوهلة الأولى لبعضنا مجرد قرار داخلى عادى قد يصدره الرئيس الأمريكى، إلا أنه فى مضمونه يحمل تداعيات واسعة وكبرى، وهى تداعيات لن تترك آثارها على الداخل الأمريكى فحسب بل على العالم بأكمله. لكن قبل أن نتطرق إلى تلك التداعيات دعونا نخوض قليلًا فى منطق الرئيس الأمريكى وراء القرار.
الرئيس الأمريكى، وحينما كان مرشحًا فى الانتخابات، لطالما وعد أنه حينما سيتولى منصبه سوف يتخذ عددًا من الإجراءات لحماية الاقتصاد الأمريكى، من بينها تحرير بلاده من اتفاقات وشراكات دولية يزعم ترامب أن الآخرين يربحون فى مقابل خسارة الولايات المتحدة منها.
وبالمثل فقد وعد المرشح الرئاسى دونالد ترامب، وقتها، بقرارات فى مواجهة الصين بشكل خاص، ومن بين القرارات العامة التى وعد بها وألمح إلى أن الغرض منها استهداف الصين، كان فرض تعريفات على واردات الولايات المتحدة الأمريكية من الصلب والألومنيوم (للمفارقة، الصين ليست المورد الرئيسى للولايات المتحدة!). وقتها صرَّح ترامب لصحيفة «نيويورك تايمز» بنيته فرض تعريفة جمركية تقدر بخمسة وأربعين فى المئة على واردات الولايات المتحدة الأميركية من الصين. أما عن السبب هنا وفى قضية الصلب على سبيل المثال، فهو هذا الخطر الذى يهدد الصناعة فى أمريكا فى مقابل ما يتم استيراده، خصوصًا أن هناك ما يقرب من 150 ألف عامل من العاملين الأمريكيين فى هذا القطاع مهددون بالضرر كنتيجة، فى مقابل كلفة استيراد الصلب من بلدان أخرى من بينها الصين التى تملك أيدى عاملة رخيصة، وتقدم حكوماتها دعمًا لقطاعاتها الصناعية، وهو ما يعنى أنها أقدر على إنتاج الصلب وتصديره وإغراق الأسواق به بكلفة رخيصة، ومن ثَمَّ منافسة منتجيه المحليين فى بلدان العالم الأخرى، ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية.
وهنا فتصور الرئيس الأمريكى كعلاج اليوم هو أنه بفرض تعريفات على واردات الولايات المتحدة 25% على الحديد و10% على الألمونيوم، فإنه سوف يعطى قوة للمنتج المحلى وسوف يحمى الصناعتَين فى بلاده، ناهيك بالطبع بأن ترامب يرى أن الولايات المتحدة تخوض وبشكل عام معركة اقتصادية غير متكافئة مع الصين التى تغزو بسلعها الرخيصة الأخرى الأسواق الأمريكية، فى حين أن دولة مثل الصين مثلًا تقوم بإنتاج سلع بكلفة إبداع صفرية باقتباس وأحيانًا سرقة أفكار وإبداعات الآخرين وإعادة تقديمها فى شكل منتجات رخيصة الثمن. وكلها أسباب يراها ترامب سببًا فى عجز الميزان التجارى الأمريكى مع الصين والذى يصب فى صالح الأخيرة.
لكن بعيدًا عن عدم دقة تقديرات ترامب حول الأمر وعواقب إجراءاته السلبية بفرض التعريفات التى قد تلحق الضرر بكثير من الصناعات فى الولايات المتحدة الأمريكية التى تعتمد على الصلب والألومنيوم وتوظف عمالة «6 ملايين» أى أكبر بكثير من تلك التى توظفها قطاعات إنتاج الصلب نفسها (140 ألفًا)، وتضر صناعات أخرى تعتمد على الصلب فى الداخل الأمريكى (السيارات والبناء مثلًا)، ومن ثَمَّ تؤدى إلى ارتفاع أسعار السلع، إلا أن الأمر لديه بُعد آخر متعلق بخطر يهدد بقاء واستقرار النظام العالمى سياسيًّا واقتصاديًّا كما أشرنا، خصوصًا لو طال القرار كل مصدرى الصلب والألمونيوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا ربما نحتاج العودة إلى الخلف، ما قبل عقود طويلة وتحديدًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. وهنا للمفارقة ربما الصدفة فـ«الصلب» برمزيته وأهميته كان نقطة تحول من الحرب إلى السلم والرخاء الذى شهده الغرب.
ففى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية وبهزيمة الحلفاء على دول المحور بقيادة ألمانيا النازية، بدأ نظام جديد فى التشكُّل، وهو نظام قائم على حرية الاقتصاد والتجارة، دعمته الولايات المتحدة الأمريكية، وصار لاحقًا الاتحاد الأوروبى والمؤسسات المالية العالمية التى تعتمد المبدأ نفسه أحد أبرز مكوناته فى مواجهة النظام السياسى والاقتصادى المغلق الذى حكم الاتحاد السوفييتى الذى ظل عدوًّا للولايات المتحدة الأمريكية حتى سقوطه.
وعمليًّا فإن النظام العالمى الجديد الذى كانت من أولى مؤسساته «جماعة الصلب والفحم» فى أوروبا بعد الحرب مباشرة، وهو سوق تجمع المتحاربين فى السابق ويحول أداة الحرب «الصلب والفحم» إلى أداة نهضة وتعاون (أصبح الاتحاد الأوروبى اليوم)، هو نظام نجح فى أن يحقق نهضة جبارة لكل مَن قرر الانضمام تحت لوائه من بلدان أوروبا الغربية، وتحقيق عوائد اقتصادية قفزت أوروبا على آثارها بعد حرب طاحنة خلفت 50 مليون ضحية، لتتحول إلى قوة كبرى كما نرى اليوم. وهنا فجوهر هذا النجاح الذى رافقه السلم فى الغرب هو حرية التجارة ورفع الحواجز التجارية ما بين الدول كوسيلة لتحقيق المنفعة المشتركة وتحقيق الرخاء وخلق اعتمادية ما بين الأسواق يصبح معها اللجوء إلى الحرب أمرًا مستحيلًا.
وعمليًّا فقد بدا هذا المفهوم صالحًا فى الغرب على الأقل حتى اليوم رغم كل مشكلاته التى بدأت فى الظهور مؤخرًا. أوروبا الغربية بنهضتها الاقتصادية الكبرى، والسلام بها، وبالمثل أمريكا الشمالية، وبالمثل فحينما سعت بلدان جنوب شرق آسيا إلى تبنّى مقاربة اقتصادية مماثلة وتحرير أسواقها، فقد نجحت هى الأخرى فى أن تحقق قفزات اقتصادية كبرى، وهكذا برز مفهوم التوجه نحو آسيا كتوجه غربى لربط الاقتصاديات الغربية بالاقتصاديات الآسيوية مثلما جرى ربط الاقتصاديات الغربية بعضها ببعض فى السابق على أساس السوق الحرة وإزالة الحواجز الاقتصاديىة ما بين الدول.
اليوم، ومع اتجاه النظام العالمى نحو مساحة من اللا يقين، بصعود الصين الاقتصادى، وزيادة النفوذ الروسى فى مجريات الكثير من الأحداث والأزمات العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وصعود النظم السلطوية وتوسعها فى مناطق مختلفة من العالم، يبدو قرار ترامب بالنسبة إلى البعض مسمارًا فى نعش النظام الاقتصادى الذى حكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقرار الدولة العظمى الأكبر فى العالم، والتى طالما عملت كراعٍ للسوق الحرة، بالطبع سوف يدفع الكثير من الدول إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، وهو ما يأخذنا إلى نقطة أخرى وهى «الحرب التجارية».
وبشكل مبسط، فإن الحرب التجارية تعنى قيام دولتَين أو أكثر بفرض رسوم جمركية أو حواجز تجارية من أجل حماية منتجاتها الداخلية. ففى مقابل قرار ترامب هذا، أو أى قرارات مماثلة، لن تقف الدول المتضررة مكتوفة الأيدى، بل ستتخذ إجراءات مماثلة، وهكذا فحينما تقدم الدول نحو إعادة الحواجز التجارية بينها، فهذا يعنى أن النظام العالمى الذى بنى ما بعد الحرب العالمية الثانية لن يكون قائمًا كثيرًا، بل إننا سوف نعود إلى ما قبله اقتصاديًّا، مثلما هناك احتمال أن نعود لما قبله سياسيًّا كذلك.
لكن عمليًّا، فإن الأمر ليس ذا بعد اقتصادى وسياسى غير مباشر أو بعيد المدى فحسب، بل هناك أبعاد مباشرة أخرى ينبغى الالتفات إليها. وهى تلك المتعلقة بالصين، وبشكل مباشر حال استهدافها حصريًّا بالقرار دون غيرها، وهى التى تنتج ما يقرب من نصف المعروض العالمى من الصلب (إحصاءات 2017)، وتبيع بما يقرب من 4 بلايين دولار صلب وألومنيوم إلى الولايات المتحدة، والتى بالطبع لن تصمت عن اتخاذ ترامب تلك القرارات، وهى تملك الكثير من أدوات الرد، الاقتصادى منها والسياسى.
اقتصاديًّا، تملك الصين أن تخوض حربًا تجارية مع الولايات المتحدة، أى أن تفرض إجراءات تجارية مماثلة على صادرات الولايات المتحدة إليها، مثلما يمكن أن تضع عقبات كبرى فى مواجهة الشركات الأمريكية التى تستثمر فى السوق الصينية، مثلما يمكن أن توجه شركاتها لصالح إلحاق خسائر بالشركات الأمريكية بالتوجه نحو تحويل صفقاتها لصالح شركات بديلة ذات جنسيات أخرى.
وسياسيًّا، تستطيع الصين أن تزيد من حدة التوترات فى بحر الصين الجنوبى فى مواجهة حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية فى تلك المنطقة. لكن الأمر لا يتوقف هنا فحسب، بل إن الصين التى تملك نفوذًا على كوريا الشمالية بحكم إمداد الصين لها بالنفط والغذاء، والتى لطالما اتجهت الأنظار إليها كصاحبة نفوذ قادرة على كبح جماح كيم يونج أون، قد ترفع يدها، تاركة لكوريا الشمالية أن تتخذ الخيارات التى تراها فى سبيل المزيد من التصعيد وتهديد الولايات المتحدة بصواريخها الباليستية، وهو ما يعنى زيادة مستوى التوتر ما بين كوريا والولايات المتحدة بشكل غير مأمون العواقب. وهكذا فإن الصين التى سعت إلى ممارسة نفوذ اقتصادى فى العالم على عكس روسيا التى تسعى بالأساس إلى لعب دور سياسى، قد تدفعها قرارات ترامب إلى اتخاذ مواقف سياسية عدائية واضحة ضد الولايات المتحدة، وهو ما يجعل العالم أمام المزيد من المخاطر واحتمالات أكبر لمزيد من الصراع ما بين القوى الكبرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات