.

العلاج بالصدمة.. طريقة الحكومات لحل مشكلاتها من الخليج إلى المحيط

Foto

هل اقترب إعلان أمريكا عن ملامح صفقة القرن الحقيقية؟ هل يبحث ولى العهد مع السيسى صيغًا جديدة للتعامل مع قطر؟


تأتى الزيارة التى يقوم بها حاليًّا ولى العهد السعودى محمد بن سلمان إلى القاهرة، لتمثل الزيارة الأولى له منذ أبريل 2016، وهى الزيارة التى رافق فيها وقتها والده الملك سلمان، والتى شهدت توقيع عدة اتفاقيات كان أبرزها وأكثرها إثارة للجدل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدَين التى أفضت إلى تنازل مصر عن جزيرتَى تيران وصنافير للمملكة، واللافت هنا أن أولى زيارات ولى العهد السعودى مجددًا إلى القاهرة والأولى له أيضًا منذ تصعيده وليًّا للعهد، تأتى بالتزامن مع صدور حكم المحكمة الدستورية العليا يوم السبت الماضى بإلغاء كل الأحكام السابقة الصادرة من محاكم القضاء الإدارى والأمور المستعجلة بخصوص الاتفاقية، وهو الحكم الذى يعنى عمليًّا إغلاق ملف القضايا واستمرار سريان الاتفاقية التى أقرها مجلس النواب فى يونيو الماضى، وصدَّق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسى، رغم كل ما سببته من جدل وخلاف.

ورغم مغزى هذا التزامن الرمزى مع توقيت الزيارة، فإن الأسباب العملية للزيارة تبدو مختلفة، فقضية الجزيرتَين تبدو محسومة فى العلاقات بين البلدَين منذ التصديق عليها، وزيارة ولى العهد السعودى تأتى قبل بدء جولته التى تشمل بريطانيا والولايات المتحدة وربما فرنسا، وهى جولة فضلًا عن تركيزها على جذب استثمارات أوروبية وأمريكية للمشروعات الاقتصادية السعودية الجديدة، إلا أنها بالتأكيد سوف تتناول الكثير من القضايا السياسية والإقليمية، وجانب رئيسى منها سيكون محلًّا للتشاور فى زيارة ابن سلمان إلى القاهرة التى بدأت يوم الأحد الماضى وتمتد لمدة ثلاثة أيام.
أبرز تلك القضايا دون شك هو تطورات الموقف فى الأزمة القائمة مع قطر، خصوصًا بعد الاتصالات الأخيرة التى أجراها دونالد ترامب مع قادة السعودية والإمارات، ثم مع أمير قطر، ودعوتهم لزيارة الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة، تمهيدًا لما يتردد عن إعداد الولايات المتحدة لدعوة إلى قمة خليجية قد تكون فى كامب ديفيد، وبما يشير إلى سعى أمريكى لإنهاء هذه الأزمة، دون أن يلوح فى الأفق أية بوادر لاستعداد قطرى للاستجابة للمطالب الثلاثة عشر التى تتمسك بها الدول المقاطعة، ومن هنا فقد يكون ذلك الملف ضمن المناقشات التى سيجريها ولى العهد السعودى مع الرئيس المصرى بحثًا إما عن صيغ جديدة لتجاوز الأزمة القائمة والتوصل إلى حلول وتسويات يطرحها ولى العهد خلال لقائه مع ترامب، وإما من أجل التنسيق لاستمرار نفس الموقف الجماعى من قطر.
الملف الثانى ولا يبدو بعيدًا أيضًا عن زيارة ولى العهد إلى واشنطن، هو ما يتعلق بقرب إعلان الإدارة الأمريكية عن ملامح ما يسمى بـ«صفقة القرن» فى ما يخص القضية الفلسطينية، ورغم أن كلًّا من الرياض والقاهرة حافظا على تقارب العلاقات مع الإدارة الأمريكية منذ التوترات التى أثارها قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى، فإن موقف السلطة الفلسطينية الرافض لاستمرار الدور الأمريكى فى عملية السلام يبدو عائقًا كبيرًا أمام مساعى كل من مصر والسعودية، للاعتماد على صفقة القرن المقبلة كأساس للتسوية، كما أن موقف الإدارة الأمريكية الذى لم يعد متمسكًا بحل الدولتَين كأساس لأى تفاوض أمر ثانٍ إذ يصعب على البلدَين سهولة الترويج لملامح صفقة القرن عند طرحها، ومن هنا فإن إعلان الإدارة الأمريكية عن تصورها خلال الفترة المقبلة قد يضع البلدَين فى مأزق، إذ قد يجدان نفسيهما غير قادرَين لا على الضغط على السلطة الفلسطينية ولا على الترويج محليًّا وإقليميًّا لمثل هذه الصفقة المنتظرة.
كما يبدو متصلًّا بذلك الملف التطور الأخير فى ما يتعلق بمدى نفوذ واطلاع صهر الرئيس الأمريكى جاريد كوشنر، على المعلومات، والذى يلعب دورًا رئيسيًّا فى التواصل مع الأنظمة العربية وبالذات السعودية، وفى الإعداد لرؤية الإدارة الأمريكية بخصوص صفقة القرن، وذلك بعد القرار الأخير، قرار كبير موظفى البيت الأبيض بفرض قيود على التصريحات الأمنية المؤقتة التى كانت تتيح لكوشنر الاطلاع على المعلومات والوثائق بالغة السرية للبيت الأبيض، وهو قرار قد تكون له دلالاته وآثاره لاحقًا على حجم دور ونفوذ كوشنر خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد يمثل عنصرًا للقلق من جانب كثير من الأنظمة العربية التى تربطها علاقات قوية بالرجل خلال الفترة السابقة.
بالإضافة إلى كل ذلك فإن التشاور بخصوص ملفات إقليمية أخرى مثل اليمن وسوريا، وكذلك لبنان بعد الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريرى إلى المملكة، وهى الأولى منذ أزمة إعلان استقالته من الرياض وما تردد عن احتجازه هناك قبل عودته إلى بيروت وتراجعه عن الاستقالة، كل تلك الملفات ستظل مطروحة ضمن أجندة اجتماعات ولى العهد السعودى بالقاهرة، وفى قلب كل ذلك الموقف من إيران وسياساتها فى المنطقة، والمرجح طبعًا أن تصدر تصريحات مصرية تؤكد معنى الدفاع المصرى عن الأمن القومى العربى ومنه أمن الخليج فى مواجهة التهديدات الإيرانية، فضلًا عن تأكيد ولى العهد دعم المملكة لمصر فى مواجهة الإرهاب وبالذات فى ظل عملية سيناء 2018 المستمرة حاليًّا، كما لا يبدو مستبعدًا أن نشهد تصريحات وتحليلات تعتبر الإجراءات والسياسات الأخيرة لمحمد بن سلمان فى السعودية جزءًا من مواجهة الإرهاب والتطرف فى المنطقة، فى ظل الحقوق الممنوحة للنساء وآخرها قرار تعيين أول مرأة سعودية فى منصب نائب وزير، وهو القرار الذى صدر ضمن حزمة قرارات ملكية أخرى كان من بينها قرار تكليف السفير السعودى لدى القاهرى بمنصب وزارى، وهو ما يعنى أننا سنشهد فى الفترة المقبلة ترشيح اسم جديد بديلًا لأحمد القطان، ليكون سفيرًا للسعودية فى مصر، كما أعفت هذه القرارات عددًا من كبار القادة العسكريين فى السعودية واستبدلت عناصر جديدة بهم تبدو أقرب فكرًا وعمرًا لولى العهد السعودى، كخطوة جديدة ضمن خطوات عديدة تعتبر جزءًا من سيناريو تصعيده المرتقب لحكم السعودية خلال الفترة المقبلة.
أيضًا لن يغيب ملف التشاور حول الإعداد للقمة العربية المقبلة المفترض إجراؤها خلال الشهر الجارى، والتى يفترض أن تعقد بالرياض، وإن كانت هناك بعض التقارير تتحدث عن احتمالات لدراسة نقلها إلى القاهرة، وهو ما لا يبدو واضحًا ولا مؤكدًا حتى الآن على الأقل.
أما على الصعيد الاقتصادى فقد يكون الملف الأبرز هو إجراءات مشروع جسر الملك سلمان، خصوصًا بعد انتهاء ملف جزيرتَى تيران وصنافير، وكذلك الاستثمارات السعودية فى سيناء على وجه الخصوص والتى سبق توقيع اتفاقيات بخصوصها، وقد يكون جزء منها أيضًا الحديث عن دور سعودى فى دعم مقترح إنشاء عاصمة اقتصادية بسيناء باسم «السلام»، وهى العاصمة التى كشف عنها مؤخرًا وزير الإسكان المصرى مصطفى مدبولى، ضمن ملامح استراتيجية تنمية سيناء التى عرضها الأسبوع الماضى على الرئيس المصرى.
هكذا، فإذا كانت تلك الزيارة كما نتوقع تمثل بالأساس لدى الجانب السعودى جزءًا من التمهيد والتشاور قبل جولته الأوروبية والأمريكية، فإنها قد لا تسفر عن نتائج محددة معلنة وواضحة، باستثناء تأكيدها استقرار وتماسك العلاقات بين النظامَين المصرى والسعودى، وانتظارًا لنتائج باقى جولة محمد بن سلمان التى ستكون حجرًا جديدًا ضمن خطة تصعيده لحكم المملكة، فى ظل الدعم الواضح له عربيًّا وأوروبيًّا وأمريكيًّا، وبالذات فى ظل مقالات أخيرة لدبلوماسيين أمريكيين سابقين وحتى وزير الخارجية البريطانى الحالى، والحوار الذى أجراه مؤخرًا ابن سلمان مع «واشنطن بوست»، والذى قال فيه إن إجراءاته وسياساته فى السعودية تمثل نوعًا من «العلاج بالصدمة»، رافضًا الانتقادات التى توجه إليه ومعتبرًا أن ما يجرى ضرورى لدعم اقتصاد السعودية ومواجهة أعدائها، لكن ربما الصدمة الحقيقية قد تحدث لاحقًا بعد أن يكتمل سيناريو تصعيد محمد بن سلمان لقمة الحكم فى المملكة، وما قد ينتج عن ذلك من آثار ستطول المنطقة كلها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات