.

المشكلة فى سد النهضة الإثيوبى.. وليس فى ملئه بالمياه

Foto

كيف تتعامل معنا إثيوبيا فى مشكلة سد النهضة؟ لماذا تستمر إثيوبيا فى احتجاز المياه حتى بعد ملء خزان سد النهضة؟


فى ردّها على خبر نشرته جريدة «أديس فروتشن» الإثيوبية المقربة من الحكومة، يفيد أن أديس أبابا أرسلت مذكرة رسمية للقاهرة، توضح اعتزامها ملء خزان سد النهضة فى مدة لا تتجاوز 5 سنوات بدلاً من 10 سنوات، كما طلبت مصر، أفادت الخارجية المصرية، على لسان متحدثها أحمد أبو زيد، أنها بصدد إعداد بيان للرد على المغالطات التى يثيرها الجانب الإثيوبى فى الإعلام، دون نفى أو إثبات حقيقة استلام المذكرة الإثيوبية التى تشير إلى اتجاه أديس أبابا إلى اختصار مدة ملء الخزان إلى 5 سنوات فقط لا غير.

الرد الدبلوماسى المصرى على ما ورد فى الصحيفة الإثيوبية يشير إلى أحد احتمالَين لا ثالث لهما.. الأول أن تكون المذكرة الإثيوبية وردت بالفعل للجانب المصرى لكن الأجهزة السيادية التى تدير مفاوضات سد النهضة ارتأت عدم الإعلان عنها والتكتم على الخبر لحين استيضاح الأمر من الجانب الإثيوبى، لا سيما أن سد النهضة من الموضوعات التى تحظى بدرجة حساسية عالية لدى الرأى العام فى مصر. والثانى أن يكون الخبر المنشور فى إحدى كبرى الصحف الإثيوبية مجرد بالونة اختبار، الغرض منها جس نبض المصريين تجاه إجراء كهذا.
إن المشكلة لا تكمن فى فترة ملء خزان سد النهضة، إنما المشكلة الحقيقية فى وجود سد النهضة نفسه، وفترة التخزين لن تفيد إلا فى تأجيل التداعيات الكارثية فقط، وليس صحيحًا على الإطلاق أن هذه الآثار ستنتهى بعد الانتهاء من ملء خزان السد، وهذه المخاوف كانت السبب وراء إصرار القاهرة، فى بداية المفاوضات مع أديس أبابا، على ضرورة إجراء الدراسات الفنية التى من شأنها توضيح أثر السد فى حقوق مصر المائية. وحتى لا نُتهم بالمبالغة وإشاعة مناخ تشاؤمى، سنحاول من خلال النقاط التالية توضيح كيف سيؤثر سد النهضة تأثيرًا جوهريًّا على حصتنا المائية من نهر النيل، والرد على الادعاء بأن المشكلة ستنتهى وكأن شيئًا لم يكن، بمجرد امتلاء خزان السد.
أولاً، تبلغ السعة التخزينية لبحيرة سد النهضة نحو 75 مليار متر مكعب من المياه هندسيًّا، وإن كانت صور الأقمار الصناعية تُظهر أنها أكبر من ذلك طبيعيًّا بسبب التجاويف والنتوءات الجبلية التى تزيد من السعة التخزينية للخزان إلى نحو 96 مليار م3، ومع ذلك سنأخذ بالتقدير الأقل، وهذا يعنى أن إثيوبيا لو قررت ملء خزان السد خلال 5 سنوات فقط كما تعتزم، فإنها ستحتجز 15 مليار م3 من الإيراد سنويًّا «75 مليار م3 ÷ 5 سنين»، وحيث إن دولتى المصب، السودان ومصر، تقتسمان الإيراد المائى الوارد من الهضبة الإثيوبية بنسبة الثلث والثلثين تقريبًا «21.5 مليار م3 حصة السودان، و55.5 مليار م3 حصة مصر»، فإن نصيب مصر من العجز البالغ 15 مليار م3، سيصل إلى نحو 10 مليارات م3 من المياه تقريبًا.
ثانيًا، السعة التخزينية لبحيرة ناصر تبلغ نحو 165 مليار م3، منه 35 مليار م3 مخزون حرج أو ميت لا يمكن سحبه، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى الطمى فى قاع البحيرة، الذى أثر بالنقص على سعتها التخزينية، أى أن مصر لديها احتياطات مائية حرة تقدر بنحو 110 مليارات م3، ويمكن الاستعانة بها لتعويض العجز السنوى الناجم عن ملء خزان السد الإثيوبى، بواقع 10 مليارات م3 سنويا، وهو المنطق الذى يستخدمه هؤلاء الذين يقللون من خطورة سد النهضة على أمننا المائى، على اعتبار أن أقصى ما يمكن أن نخسره من احتياطاتنا المائية طوال فترة ملء خزان سد النهضة هو 50 مليار م3 من المياه، قبل أن تعود تدفقات المياه إلى مستوياتها الطبيعية بعد ذلك، حيث ستضطر إثيوبيا -وفقًا لهذا الرأى- إلى تصريف المياه الزائدة حتى لا ينهار السد. وفى الواقع فإن صحة هذه الفرضية تتوقف أساسًا على مدى إمكانية عودة تدفقات النهر لمستوياتها الطبيعية بعد ملء الخزان، وحيث إن أنصار هذا الرأى يطلقون عليه «نظرية الوعاء»، بمعنى أنك لو وضعت وعاءً تحت صنبور فإنه سيحتجز كل الماء حتى يمتلئ تمامًا، وبعدها يفيض الماء من الوعاء بنفس الكمية الواردة من الصنبور. وهو منطق سليم من الناحية النظرية، لكنه خاطئ تمامًا من الناحية العملية؛ لأنه يتجاهل أن خزان السد ليس وعاءً مصمتًا لن يؤدى إلى فقدان نسبة من المياه سنويا، سواء بالبخر، نظرًا لاتساع مساحة سطح الخزان المعرض للشمس فى دولة درجة حرارتها عالية كإثيوبيا، أو بالتسريب الأرضى، نظرًا لمساميّة التربة المقام عليها سد النهضة، فضلاً عن كثرة الفوالق الأرضية بالمنطقة الموجود بها الخزان، الموجود أصلاً فوق الأخدود الإفريقى العظيم، وتقديرات الجيولوجيين تشير إلى أن خزان سد النهضة سيفقد من 5- 7 مليارات م3 من المياه سنويا على أقل تقدير بالبخر والتسريب، وهذا يعنى أن إثيوبيا ستستمر فى احتجاز المياه حتى بعد ملء الخزان، لتعويض النقص السنوى فى منسوب المخزون لديها، أى أن المشكلة فى السد نفسه وليست فى فترة ملء خزان السد، التى لن تفيد إلا فى تأجيل التداعيات السلبية على أمننا المائى.
ثالثًا، أود التأكيد أن كل مؤسسات الدولة المعنية باتت تدرك جيدًا مدى خطورة سد النهضة على الأمن المائى المصرى بعد تلقيها عددًا كبيرًا من الدراسات العلمية والاستشارات التى تحذر من إتمام سد النهضة دون حسم النقاط العالقة مع إثيوبيا المرتبطة بطريقة إدارة السد وضمان عدم المساس بالحقوق التاريخية لمصر. لكن ما أثار الدهشة كان تصريحات الرئيس السيسى عقب اجتماعه مع رئيس الوزراء الإثيوبى المستقيل، هيلا ماريام ديسالين، والرئيس السودانى عمر البشير، فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتى قال خلالها: «مافيش مشكلة بالنسبة لسد النهضة»، رغم أن القاهرة قبل أسبوع واحد من هذه التصريحات كانت تلح فى طلب انضمام البنك الدولى للمفاوضات الثلاثية بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وطبعًا ليس من المنطقى أن تطلب الدولة انضمام جهة محايدة للمفاوضات وهى لا تشعر بالخطر! ذلك الطلب الذى رفضته أديس أبابا بعناد مريب، بعد أن أصبحت تتعامل مع مصر من منطلق أن السد أصبح أمرًا واقعًا، فما الذى حدث يجعل القاهرة ترتضى بهذا الواقع الذى يشكل خطرًا محدقا على مصالحها المائية؟
فى اعتقادى أننا انتقلنا الآن بالمفاوضات إلى مرحلة البحث عن البدائل، وليس التفاوض على أصل المشكلة، بمعنى التفاوض مع إثيوبيا والسودان على تنمية موارد النهر لتعويض مصر عن النقص فى حصتها المائية، الذى أصبح فى حكم المؤكد؛ ولذلك بدأ الحديث يتجدد مرة أخرى عن إحياء مشروع قناة «جونجلى» التى من شأنها تجميع فواقد المستنقعات فى جنوب السودان، والحديث عن تحلية مياه البحر، وغيرها من الحلول، وهى فى حقيقة الأمر علاجات جزئية للمشكلة، فضلاً عن كونها غير دائمة ومكلفة.
المفاوض المصرى خسر كثيرًا من أوراقه التفاوضية بسبب تلكؤ السلطات المعنية فى اتخاذ موقف حاسم ضد المماطلات الإثيوبية، وتهيئة الفرصة لأديس أبابا لفرض أمر واقع علينا، وأصبح كل ما فى وسع الحكومة المصرية التفاوض على تأجيل الكارثة، لا منع وقوعها؛ ولذلك تحيط المفاوضات بحاجز من السرية والغموض، وتريد للمواطن أن يأكل سد الحنك عند التعامل مع أخبار سد النهضة، لا يسأل ولا يستوضح ولا يناقش ولا يطلب تطمينات حول مياه النيل، التى هى مصلحة مصيرية تتعلق بوجود الدولة وبقائها، وفقًا لمصفوفة المصالح الوطنية لماكس فيبر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات