.

د.نبيل فاروق يكتب النغمة السادسة

Foto

معظم الأقلام حاليًّا لا تعتمد على المعلومات وإنما على الشائعات وما يتصورون أنه منطق سليم


منذ أيام قليلة، قرأت لصديق عزيز وزميل جميل، مقالًا يتحدَّث عن النغمات الخمس، التى يرى أن النظام يرددها طوال الوقت، وعن رأيه الساخر فيها، وربطه بها فيلمًا قديمًا من إخراج المبدع «ستيفن سبيلبرج»، بعنوان «لقاء من النوع الثالث»، حيث كانت هناك نغمات خمس، هى لغة التواصل والاتصال، مع زوار من عالم آخر.

لقراءة المقال «النغمات الخمس» من هنا

المقال مكتوب بأسلوب رشيق يتميَّز به الصديق والزميل، إلا أنه شديد التشاؤم ويحوى نغمة اعتدناها منذ ثورة 2011، ألا وهى رفض كل شىء والتشكيك فى كل شىء، والسخرية من كل شىء، دون الاهتمام بأهم شىء.. المعلومات.. فمنذ ذلك الحين سرت موجة من التشكيك المرضِى فى كل شىء تقريبًا، وصار هناك حزب (نصف الكوب الفارغ) الذى يرى البطولة فى الرفض والتشكيك والسخرية على طريقة بلياتشو السيرك الذى يضحك الناس عليه، ويصفقون له على الرغم من أنهم يدركون أن ما يفعله مجرّد تهريج لا قيمة له.
الواقع أن مقال «النغمات الخمس»، أهمل تمامًا النغمة السادسة التى هى مفتاح صول لكل النغمات، والتى من دونها تختل كل النغمات، وتصير نشاذًا مزعجًا، وبها تصير موسيقى عذبة تشنّف الآذان وتنعش القلوب.. نغمة المعلومات اليقينية.
المشكلة أن معظم الأقلام حاليًّا لا تعتمد على المعلومات وإنما على الشائعات وما يتصورون أنه منطق سليم.. وهنا تكمن إشكالية كبرى يطلق عليها اسم «إشكالية المنطق»، فما يطلق عليه البعض اسم المنطق، فى هذا العصر، هو فى الواقع وجهة نظرهم، ورؤيتهم للأمور، وعبوديتهم لفكرة يرفضون أن يروا سواها، متصورين أن عبوديتهم تلك يمكن أن تصنع حرية، ولكن الواقع أن استغراق الفكر فى رؤية بعينها وتشبثه الشديد بها يلغى المنطق السليم تمامًا، ويجعل ما تحصل عليه منطقيًّا بالنسبة إلى رؤيتك وحدك، وهذا لا يعنى أنك أقل ذكاءً، أو أقصر نظرًا، بل يعنى فحسب أن معلوماتك ناقصة، فحتى الكمبيوتر لو حجبت عنه أسس الرياضيات وأدخلت إليه معادلة تقول: إن ألف زائد خمسة يساوى سبعة، ثم طلبت منه بعدها أن يوجد ناتج طرح سبعة من ألف، لأخبرك أن الناتج هو خمسة! وبالنسبة إليه ستكون النتيجة منطقية تمامًا بالنسبة إلى المعلومات المدخلة، ولكنها فاسدة تمامًا بالنسبة إلى علم الرياضيات.
هذا هو الحال نفسها عندما تحاول تحليل أمر ما دون معلومات، أو بمعلومات ناقصة أو مغلوطة، معتمدًا على ما تتصوَّر أنه المنطق.. المشكلة الكبرى هى أن تعتمد على مشاعرك وعواطفك تجاه ما يتردَّد على ألسنة العامة، فى المقاهى والطرقات وعلى شبكة الإنترنت ومواقع التوصل الاجتماعى التى يستحيل اعتبارها معلومات موثّقة وأن تغمض عينيك تمامًا عن كل ما يختلف مع وجهة نظرك، وكل ما يتعارض مع رؤيتك المسبقة للأمور، والأسوأ أن ترفض شيئًا فقط لأن الكل يريده، أن تريد شيئًا لمجرد أن الكل يرفضه، فهذا نوع من المراهقة الفكرية، والسعى إلى أى نوع من التميُّز، أيًّا كان، والعبودية هى أن تسيطر عليك فكرة مؤيّدة أو معارضة تسيطر على فكرك وكيانك فتعادى فى شدة كل فكرة تخالفها أو تعارضها.
وهنا لا أسعى للقول إن الزميل العزيز مخطئ أو إننى على حق، فكلانا لا يمتلك من المعلومات ما يكفى لتبنِّى فكرة بعينها أو رفضها فى إصرار. أما الحرية فهى أن يكون عقلك حرًّا وأن تسعى فقط إلى الحقيقة، سواء أكانت تؤيّد رأيك أم تنفيه. والتاريخ، الذى لا يمكن خداعه وإن طال الزمن، سيحدّد يومًا فى وضوح مَن كان على حق، وسيفرز العبيد من الأحرار، ومَن كان يسعى بالفعل لبناء الحرية، ومَن سعى لهدمها باسم الحرية.. ولا أحد يمكنه أن ينكر أن مصر تمر بمرحلة غير عادية أو تقليدية، وفى مثل هذه الظروف، ووَفقًا لحروب الجيل الرابع، التى يتم تدريسها بالفعل ضمن الاستراتيجيات العسكرية، على الرغم من رفض البعض وجودها، لمجرّد أنها تتردد كثيرًا دون اللجوء إلى شبكة الإنترنت نفسها، لمعرفة ما إذا كانت حقيقة أم لا، ستجد أمامك كمًّا هائلًا من المعلومات عن كل شىء، ومعظمها يتعارض بعض مع بعض دون أية وسيلة يقينية، للتيقن منها أو رفضها، وهنا ستحكمك أية فكرة مسبقة تستقر فى كيانك، وأية مشاعر تنشأ عنها، فتتبنى الفكرة التى تناسب ما غرسته فى عقلك مسبقًا، فالناس، كل الناس، تميل إلى تصديق الكذب لو صادف هواها، وتكذيب الصدق لو خالف هواها.. ولذلك كُن حرًّا ولا تكن عبدًا، فالعبيد هم مَن يتبعون فكرة، أيًّا كان ما يأتى بها، والأحرار هم مَن يتبعون المعلومة، أيًّا كانت الجهة التى تعلنها.. وفى هذا وذاك، ومهما كان ما تتبناه فلا يمكن للعقول ولا للتاريخ احتمال أقوالك أو أفعالك، أو غفرانها لك، إلا لو كانت تعتمد على النغمة الأساسية الناقصة.. النغمة السادسة «المعلومات».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات