.

د. أحمد خالد توفيق يكتب النغمات الخمس

Foto

«عندما يصير كل شىء على ما يرام فى الجانب المظلم من القمر.. فلتعزفوا النغمات الخمس» (من فيلم لقاءات لصيقة من النوع الثالث)


أرسل لى أحد القراء الأذكياء يقول إنه لاحظ أن مقالاتى انفصلت عن الواقع مؤخرًا، ولم تعد تتابع الأحداث المعاصرة ألبتة. أعترف أن هذا صحيح.. لقد تعبت جدًّا من كثرة الكلام، خصوصًا أننى لم أتوقف منذ عام 2006 تقريبًا عندما بدأت كتابة مقالات الرأى. لكنى لا أريد التوقف الآن. ما زلت أشعر أن لدىَّ ما يُقال، وترك مكانك يعنى غالبًا أنك لن تقدر على العودة له فى ما بعد. لهذا رحت أجول فى الجوار بعيدًا عن السياسة، دعك من أن عصبية النظام بلغت الذروة وعليك أن تأخذ الحذر فى كلامك، فرؤوس الذئاب الطائرة تتناثر حولنا فى كل صوب.

منذ بدأت الكتابة وأنا لا أكف عن الشكوى وانتقاد أوضاع لا تروق لى، وفى كل مرة لا شىء يتغيَّر أبدًا.. أنت تتكلم فى اتجاه والحكومات تمشى فى اتجاه آخر. أنت تنذر.. تشكو.. تتهم.. تحذر.. تتوقع.. لكن ليس هناك مَن يهتم بما تقول. أنت تكتب لتسلِّى نفسك أو لتخرج البخار الغاضب لا أكثر.
على طريقة فيلم (لقاءات لصيقة من النوع الثالث)، نلاحظ خمس نغمات قهرية تتكرر بشكل واضح وازدادت صخبًا هذا الأسبوع بالذات:
النغمة الأولى هى مصلحة إسرائيل: بعدما حسبنا أننا نسبح فوق بحيرة من الغاز كما بشرنا الإعلام، وكما أكد لى مهندس بترول خريج الجامعة الأمريكية. وبعد كل ما قيل عن حقل ظُهر، يتضح أننا سنشترى الغاز من إسرائيل. فهل حقل ظهر فنكوش آخر مثل علاج الكفتة؟
قبل هذا كنا نصدر الغاز إلى إسرائيل بملاليم.. اليوم نشترى منهم الغاز بسعر باهظ. لا يمكنك أن تفهم أى شىء. فقط لا أنسى الفرحة والنشوة فى عينى نتنياهو وهو يتكلم عن الـ15 مليار دولار التى ستصب فى الاقتصاد الإسرائيلى فتنعش الصحة والتعليم. ترى حب إسرائيل فى عينَيه. اليوم عيد لإسرائيل.. يا رب كتَّر أعيادنا. نفس نظرة ترامب وهو يتكلم عن المنحة السعودية، فيقول: «وظائف.. وظائف.. وظائف للأمريكيين». هؤلاء هم الرؤساء الذين لا يرون سوى مصلحة شعوبهم، ولو استطاعوا اقتطاف نجمة من السماء لمواطنيهم لفعلوا. هنيئًا لك شارون وبن جوريون ونتنياهو يا إسرائيل. بدا الإعلام النفاقى المصرى فى غاية الارتباك وراح يفسر كل هذا -كالعادة- بأنها ضربة معلم ذكية، وأننا وضعنا إسرائيل تحت رحمتنا وصفعنا تركيا على قفاها. كل ما يفعله الحاكم فى مصر عمل عبقرى ملهم ولا يخطئ أبدًا على سبيل التغيير. نفس ما قيل عندما بعنا الغاز بملاليم لإسرائيل وقيل –نبيل شرف الدين– إن هذا يضع إسرائيل تحت رحمتنا لأننا يمكن أن نتوقف عن إمدادها بالغاز فى أى وقت، ولأننا سنشعر قبل غيرنا لو انتوت شن حرب. بنفس المنطق نحن تحت رحمة إسرائيل اليوم. فى الحقيقة الأمر لا يخضع لاستراتيجية ولا دراسة.. الأمر يخضع لعاملَين: مصلحة إسرائيل أولاً وثانيًا.. ثم التهام أكبر قدر من الفتة قبل أن تفرغ القصعة.
النغمة الثانية هى الكليبتوقراطية.. أو نغمة تجريد مصر من كل شىء.. أصابنى الذعر عندما عرفت بموضوع جولة آثار توت عنخ آمون للعرض بمبلغ تأمين قريب من مصروف طالب فى الجامعة. تعرف طبعًا أن 70 قطعة سوف تختفى ولن يعرف أحد أبدًا ما حدث لها. نحن لا نتكلم عن بعض تماثيل، بل عن تراث إنسانية لا يقدر بثمن، وهناك مَن لا يتورع عن تدميره أو بيعه مقابل بعض المكاسب. ولو اعترضت فلا صوت يعلو فوق صوت معركة الإرهاب.
النغمة الثالثة هى (فليخرس الجميع). فى أسبوع واحد صاخب ارتجت الأرض تحت عدة زلازل. أولها زلزال جنينة الذى تكلم مع موقع «الهاف بوست العربى»، وتخلى عنه الجميع قبل أن يصيح الديك ثلاثًا. إن الشهادة مقدسة والكلمة لا تقدر بمال، وقد رأينا كيف طار عنق توماس مور، لأنه رفض أن يقول كلمة للملك هنرى الثامن، لكننى بالنسبة إلى هشام جنينة، أقول: ليته لاذ بالصمت. مصر تتجه نحو نوع من (الكورنة الشمالية) بوضوح تام.
النغمة الرابعة هى السرية التامة: كل شىء سر وهو نوع آخر من الكورنة الشمالية. لو لم يتكلم تنتياهو لما عرفنا بقصة الغاز.. كل الأخبار تأتينا من الخارج ثم يظهر إعلاميو النظام ليبرروا. وكما قال هيكل مرارًا: للأسف يظل الإعلام الإسرائيلى هو الأصدق وتظل شهادته مفيدة فى هذه الأمور.
النغمة الخامسة هى فليتول الله الأجيال القادمة. لدينا مشكلات الجزر ومشكلات الغاز الذى بددناه ومشكلات النيل الذى ضاع ومشكلات تركيا وقطر اللتين صارتا هما العدو الوحيد. ومشكلات الديون التى لا تدرى متى ولا كيف يتم تسديدها. لقد تم تخريب مصر ومستقبلها بشكل نشط محكم بحيث تحتاج إلى مئة عام كى تعود للوضع الذى كانت عليه أيام مبارك، وفى كل الظروف أعتقد أن مصر ستنفد خلال أربعة أعوام أخرى.
هكذا مع الوقت تكتشف أن كل ما تريده لا يتحقق، وكل ما تكرهه يسود.. ويرتكبون أخطاء أنت تعرف أنها أخطاء لكنك عاجز عن كل شىء سوى الكلام، وقريبًا لن تستطيعه أيضًا. لهذا ينتابك القنوط وتكتب عن توزيع جوائز الأوسكار، أو تجارب نقل الرأس الإيطالية.

------------

نقلًا عن موقع «إضاءات»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات