.

بين «الحب الدانى والحب النائى».. افرح يا قلبى!

Foto

الحب الآن يتحرَّر من المكان، فإذا ما كنا نعرف عن «الحب الدانى» الكلاسيكى، فعلينا الآن أن نعرف «الحب النائى». الذى يتميز بالبعد الجغرافى بين المحبين


فى أزمنة متعددة، تحرّر الحب من قيود الطبقية «الاقتصاد»، والقيود «المجتمعية» (اجتماع)، وأحيانًا استخدم لشد الأواصر بين أُسر ثرية أو حاكمة (سياسة)، لكنه فى كل الأحوال كان واضحًا من حيث المكان، فالأمل أن يعيش المحبان فى نفس الحيّز المكانى، فالحب من وجهة نظر المحبين «تلاقى قلبين»، وحتى لو جاءا من عالمَين مختلفين، الحب هو تشارك المائدة والفراش فى السراء والضراء «جغرافيًّا».

الحب الآن يتحرَّر من المكان، فإذا ما كنا نعرف عن «الحب الدانى» الكلاسيكى، فعلينا الآن أن نعرف «الحب النائى». الذى يتميز بالبعد الجغرافى بين المحبين، فقد يعيش حبيبان فى بلدين أو حتى قارتين.

كنا نعرف عن الحب أنه «دنيا» كما تقول الست أم كلثوم «الحب دنيا»، دخل الآن على الخط حاجة اسمها «دنيا حب الفرص»، وهذه ترجمة دقيقة للمراد.

اختيار الشريك اليوم فى العالم المتحرر من القيود والضوابط يبدأ من مكان العمل والنوادى، ويصل إلى الفضاء، وطن الحب النائى، نعم أوليست غرف «التشات» وصيغ الإنترنت فضاءً؟! الباحثون مهمومون بدراسة أثر التحوُّل البشرى غير المسبوق، تحوُّل أصبحت فيه كلمة «أحبك» معناها: حامسح كل «الإنبوكس» عشان خاطرك.

تلت الشريحة العمرية الآن، بين سن الثلاثين وسن الخمسين، تبحث عن «الونسة» أو الشريك فى الإنترنت.. نحن الآن إزاء حب «ذهنى»، حب يمكن فيه عدم التلاقى الجسدى، وعدم الإفصاح عن الهوية، حب مجاله يتيح انطلاقًا غير مروّض للخيال، والأهم أنه بوسيط يمكّن من استمرار السعى لإيجاد «فرصة أفضل»! بزنس وكالات الوساطة «المفتوحة» أمام الملايين، يقدم شركاء محتملين بلا حدود فى أعدادهم.

غرس الإنترنت فى الناس فكرة «الإمكانيات غير المتناهية» فى كل حاجة، عمليًّا فى ثقافة الغرب لا يمكن للحب النائى أن يعيش طويلاً، فثقافة الغرب تشترط الحس والتلاقى المباشر، بينما الحب النائى ليس له حيّز إلا رنين هاتف، إشارة كمبيوتر. الصوت له ألفته فى الحب النائى، وأصحاب «الحب النائى» جغرافيًّا تغلب عليهم رهبنة ما تناسب ما تبقى من رومانسيى الشرق المكتفين بالبريد الإلكترونى والسكايب.

المشكلة -إن كانت هناك مشكلة- أن «الحب النائى» عندنا أصبح يستخدم كوقود بعد «انطفاء» «الحب الدانى»! يعنى زيجات عوالم الصرامة الظاهرية، يطيل عمرها أو يقصف عمرها «الحب النائى»!


السؤال الآن: إلى أى مدى تؤثّر الجغرافيا على الحب؟ زمان قال الكاتب الألمانى إريك كاستنر: «يموت الحب على الحدود الجغرافية»، الآن يتساءلون: هل يمكن الجزم أن أزاهير الحب تتفتح على الحدود الجغرافية؟
ما مقدار المسافة، بُعدًا وقربًا، ليكتب للحب الحياة والعمر الطويل؟


ليس هناك سلّة نصائح نغرف منها، الحب الدانى له ما له والحب النائى له ما له، كم من قرب كان سببًا فى موت الحب الدانى، وكم من بُعد قتل الحب النائى، الحب النائى لا يحملك إلى جزيرة السعداء، لأنه منزوع العادات اليومية والنمطية، والمؤكد أن المسألة تحتاج إلى ذكاء وعافية نفسية، تتيح لك حبًّا دانيًا، تتحمَّل فيه عناء أزمات محتملة، بدلاً من حبٍّ ناءٍ مهما أقنعك الآخر أنه قد فض معك مكنونه، فإنه ليس على تلك الصورة المنقحة المستحيلة الوجود!


وبعد الملمح الأول لحب القرن الواحد والعشرين، إنه فقط «أنا» و«الآخر»، لا وجود لأبوين أو أصدقاء أو أقارب، وأن رحلة موحشة ومليئة بالمغريات تحوطه، وإن سيناريو الرحلة الفردية يدور فى تيهٍ من التقلبات والأساطير والمفاجآت، لكن المؤكد أن الوحدة «تستنزف» المرء.


لم نعرف فى بلداننا الشرقية أنواع الدراسات المستقبلية، لا على مستوى الحجر ولا البشر، لكن الغرب مشغول.. مشغول بمستقبله من السياسة للحب، مشغول بسعادة الفرد، يرصد ويبحث ويستقرأ، ويسجل فى مجال العلاقات الإنسانية ما لم يدر بخلدك، تصور أن هناك دراسة عن مستقبل الدولة القومية، وعلاقته بتزاوج القوميات المتباينة الناتج عن انهيار الحدود والتقدُّم التكنولوجى وانتشار الكيانات العابرة الجنسيات؟!


عن «البيت» «والجواز».. «وجواز السفر» والهوية، هم مشغولون، فالعشاق تعدوا حدود الجغرافيا، ونموذج الأُسر فك القيود، وبرز الزواج متعدّد الثقافات، المعولم، الذى صار يمزج بين التراث والحداثة، زواج القرب والبُعد، الأُلفة والغربة، وما بين الحب الدانى والحب النائى، يبحث الإنسان: عن الفرح.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات