دراما كاملة فى «نُص جوازة»

Foto

ماذا لو محا الإنسان سنواته الأخيرة كأن لم تكن ومُنح فرصة أن يعيشها من جديد؟


هل يمكن أن ننسى ذكرياتنا القريبة؟ أن تتطاير سنواتنا الأخيرة من أذهاننا بكل ما عشناه فيها كأن لم تكن؟ الطب يقول نعم يمكن، إلا أن الدراما تستطيع إقناعنا بكل شىء.. فى السينما المصرية فقد معظم نجومنا ذاكرتهم ضمن أحداث عشرات الأفلام، لكن الفقدان الجزئى للذاكرة ظل تيمة براقة لا تزال تستوعب طرحها فى المزيد من الأعمال التى يمكن أن تتناولها بشكل كوميدى أو مأساوى واقعى أو فانتازى، لذلك أستطيع القول إن الفكرة هى نقطة القوة الأولى التى انطلق منها فيلم «نص جوازة»..

يدور الفيلم حول خالد الشيف الموهوب الذى يشارك فى ملكية أحد المطاعم الناجحة مع زوجته علياء، حيث تبدأ الأحداث بتلقيه خبر قبول مشاركته ضمن مسابقة عالمية للطبخ بصفته العربى الوحيد. تستعرض الأحداث تذبذب العلاقة العاطفية بين خالد وعلياء من خلال حوار خالد مع عماد صديقه وشريكه فى المطعم، واصفًا واقع العلاقة الذى لم يعد يحتفظ بأكثر من إطار اجتماعى يبدو متماسكًا، لكنه تماسك ظاهرى فقط، يفاجئ خالد زوجته باحتفال مرح بعيد زواجهما فى المطعم قبل تعرضهما لحادث موتوسيكل يفقدان على إثره ذاكرتيهما بشكل جزئى، وهو ما يفسره الطبيب باندهاش، نظرًا لندرة حالتيهما المتلخصة فى قدرتيهما على تذكر الأحداث القديمة مقابل نسيان كامل لذكريات الأحداث القريبة.
تتسع الفجوة بين الزوجَين، خصوصًا بعد فشلهما فى تذكر كل منهما للآخر أو لابنيهما، يحاول عماد التقرب لعلياء كما تحاول صديقة خالد التقرب إليه دون جدوى.
تتضاعف الأزمات المادية للمطعم، ويزداد الأمر سوءًا بسبب التأثير السلبى للحادث، خصوصًا على خالد، تتراكم الديون على المطعم ويحاول الشركاء الدفع بخالد لدخول مسابقة الطبخ العالمية، أملًا فى كسب الجائزة المادية التى ستحل تعثُّر المطعم المادى، وهو ما ينجح فيه خالد بالفعل الذى تعود إليه الذاكرة فى أثناء قيامه بمهام المسابقة قبل تعرضه مع علياء لحادث آخر يفقدان على إثره ذاكرتيهما مرة أخرى.
مبدئيًّا، نحن أمام فيلم رومانسى لطيف، تناول فكرة جذابة دون فجاجة أو ابتذال، أن يعيش زوجان تحت سقف واحد دون أن يتذكر أحدهما الآخر، مما يعيد علاقتهما على المحك من جديد، لتطرح الأحداث تساؤلًا وجوديًّا مثيرًا: ماذا لو محا الإنسان سنواته الأخيرة وكأن لم تكن، ومُنح فرصة أن يعيشها من جديد؟
فى الفيلم نرى خالد يفقد بوصلة حياته بعد الحادث الأول قبل أن يعثر على نفسه وأحلامه مرة أخرى عند فوزه بالمسابقة التى تمنحه الفرصة لإنقاذ ضياع المطعم بصفته مشروع عمره وعمر أصدقائه.
فصَّل المؤلف أحمد مجدى تساؤلًا فلسفيًّا بإطار لطيف، كما نجحت المؤلفة منة الله عبيد فى نسج سيناريو راقٍ خفيف الظل دون أن تضطر إلى حشر أغنية مهرجان أو رقصة على الرغم من سهولة فعل ذلك، خصوصًا عند تعرض البطلة لفقدان توازنها النفسى ولجوئها إلى السهر والسكر، ذلك التابو الذى كسره الفيلم بشكل جرىء، حيث اعتدنا أن يلجأ البطل إلى هذا النمط وليس البطلة، كما نجحت منة كذلك فى رسم الشخصيات بشكل جيد، خصوصًا خالد ذلك الشيف الموهوب والمتميز، كما جاءت الإشارة المبكرة إلى وجود فجوة عاطفية بين الزوج والزوجة ذكية ومهدت للمشاهد اتساع الفجوة بينهما بعد فقدانهما الذاكرة، كما أضافت محاولات صديقَى خالد وعلياء من التقرب إليهما عند فقدهما الذاكرة، إذ جاءت أيضًا مختلفة وبعيدة عن صورة الأصدقاء المثاليين التى لا تكون واقعية تمامًا فى كثير من الأعمال.
المخرج سيف الساحر حافظ على طزاجة الحدوتة، وقدم نبيل عيسى دور «خالد» بخفة ظل، كما تميزت اللبنانية مريم حسن فى دور «علياء» الذى أدَّته ببساطة أسهمت فى إيصالها وقبولها الشكلى أمام الكاميرا وإجادتها المميزة للهجة المصرية، كما أضافت إلى الفيلم خفة ظل مصطفى أبو سريع ورقة رحمة حسن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات