The post.. ساعتان من محاولات استعادة «الشغف»

Foto


إذا كنت صحفيًّا شابًّا فى بلاط صاحبة الجلالة، فأنت من المؤكد تعرضت أو تتعرض يوميًّا لحالة من فقدان الشغف، لأسباب متعددة خاصة بالمهنة نفسها أو بالعاملين فيها، ذلك الإحساس الذى يجب أن لا يفقده الصحفى الجيد الذى يحاول دائمًا تطوير ذاته وتحقيق النجاح فى كل خطواته.

آفة جيلنا فقدان الشغف.. قد تكون الجملة كارثية، تهدد مصير أحلام عدد كبير منا، ممن كانت أمنياتهم البحث عن الحقيقة وجعل الصحافة هى الصوت الحقيقى للناس.. نمر بتخبطات عدة تنتهى بفقدان الشغف، نظل نبحث دائمًا عن الطريقة المُثلى لاستعادته، واستكمال الحلم الذى تورطنا به ولا نستطيع العدول عنه، وهو البحث عن المتاعب.

1
قد نجد بعض الوسائل المباشرة التى نسعى إليها لمساعدتنا فى استعادة الشغف الصحفى المفقود، وقد تقع فى طريقنا بالصدفة وسائل أخرى غير مباشرة، ربما تساعدنا بشكل أفضل فى استعادته، وقد تكون تلك الوسائل على هيئة فيلم، أو تحديدًا «The post» الذى عُرض مؤخرًا فى دور العرض العربية والعالمية ورُشح للعديد من الجوائز العالمية.
من ضمن النتائج التى توصلت إليها كصحفية أولًا، وكمشاهدة ثانيًا، هو أننا كجيل مرّ بالعديد من التغيرات، سياسيًّا واجتماعيًّا، قد سئم بعضنا الوضع الراهن للصحافة والقائم معظمه على البحث عبر الإنترنت عن «لقطة» وتحويلها إلى خبر أو قصة دون بذل مجهود حقيقى فيها، دون خوض مغامرة صحفية مؤثرة تثير متعة الصحفى، وتزيده معرفة، وتكشف الحقائق، كالذى فعله صحفيو «واشنطن بوست» فى الفيلم الذى قدّم على مدى ما يقارب الساعتين تقريبًا، كواليس البحث عن «انفراد» حقيقى يحدث تأثيرًا كبيرًا فى العالم.

2
الفيلم تناول معركة الصحف فى عام 1971، لنشر أوراق وزارة الدفاع المسربة والتى تسرد الصورة المضللة للولايات المتحدة فى حرب فيتنام، ويلعب بطولة الفيلم توم هانكس فى دور رئيس تحرير «واشنطن بوست» بن برادلى، وميريل ستريب التى تقوم بدور ناشرة الصحيفة كاثرين جراهام، اللذان يخوضان صراعًا حول فكرة نشر تلك الوثائق التى من الممكن أن تؤدى بهما إلى السجن.
أجواء التوتر والصخب المصاحب لفكرة النشر من عدمه بسبب ما يصاحبه من خطورة، هى التى تصنع الحياة المختلفة للصحفى، والتى يتمنى أن يعيشها كل مَن دخل هذا المجال -حتى إن كانت خطرة فى بعض الأوقات- لكنها هى التى تصنع لحظات المتعة التى لا يمكن أن يستوعبها سوى الصحفى المحب لمهنته والشغوف بها.

3
سرعة تحرك الصحفيين «الممثلين» وسباقهم مع الزمن لتجميع المعلومات من الوثائق.. التحضير لطباعة العدد الأخطر فى تاريخ «واشنطن بوست» وتاريخ الولايات المتحدة كلها، وكيفية إخراج الصفحة الأولى من الجريدة تليق بعدد مهم، حيث يكشف فضائح الحكومة وقت الحرب.. الطاقة والقوة التى صاحبت ماكينات الطباعة وأدت إلى اهتزاز المكاتب كأنها تعبر عن الحالة التى ستحدثها الوثائق عقب النشر.. الشد والجذب بين الناشرة والمسؤول عن التحرير حتى توافق على نشر الوثائق، التقاط الصحفيين عدد الجريدة عقب طباعته وشعورهم بالفخر تجاه السبق الصحفى الحقيقى وانتظارهم رد فعل الحكومة الأمريكية تجاههم الذى سيكون فى الغالب المحاكمة.. المتعة والكبرياء والفخر والمشاعر المختلطة التى ظهرت على رئيس التحرير بعدما تأكد من صحة تمسكه بقرار النشر وشاهد باقى الصحف الأخرى وهى تقلدهم وتنشر الوثائق السرية عن الجريدة الأعرق.. تلك اللحظات الصعبة المليئة بالشغف التى عاشها أبناء «واشنطن بوست» فى الفيلم من أجل تحقيق واجبهم المهنى، ربما يتمنى شباب الصحفيين حاليًّا تجربتها من أجل الفوز بلحظات ممتعة تزيد من فخرهم واحترامهم لأنفسهم ومهنتهم.

4
الصحافة تقود ولا تُقاد.. تلك الجملة التى جاءت على لسان إحدى المحررات التى شاركت فى تفجير القضية ونشر الوثائق، وهى تتلقى مكالمة توضح موقف القضاء من الصحيفة الشهيرة، والتى كانت مصحوبة بعلامات انتصار وفخر على وجهها، كانت بداية لنهاية إيجابية فى الفيلم، تجعلك كصحفى تواصل العيش فى «الحلم» الذى اخترته بإرادتك، متمنيًا تطبيق تلك الجملة على أرض الواقع فى كل زمان ومكان، وتُعطيك أملًا فى حال الصحافة والعاملين بها، وتسهم فى استردادك طاقتك وشغفك الذى أوشك على النفاد!
وعلى الرغم من اختلاف آراء النقاد حول طريقة تمثيل أبطال «The post» أو إيقاع الفيلم الذى اعتبره البعض بطيئًا فى البداية، أو حتى دعوات منع عرض الفيلم فى لبنان، بسبب أن مخرج العمل ستيفين سبيلبرج، قد قدم دعمًا ماليًّا لإسرائيل خلال حربها فى 2006 مع حزب الله فى جنوب لبنان، والتى أسفرت عن مقتل مئات اللبنانيين، فإن الفيلم المرشح لجائزة الأوسكار لا تستطيع وأنت تشاهده -كصحفى- سوى أن تتمنى أن تخوض تجربة ومغامرة ومثيرة كالتى خاضها هؤلاء الأشخاص من أجل الهدف الأسمى الذى يسعى إليه معظم الصحفيين وهو حرية الصحافة، واستمرارية الشغف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات