.

قصة كل مرة.. من مدير سابق تكنوقراط إلى مدير لاحق تكنوقراط

Foto

لماذا الوزارات الأنجح يأتى وزراؤها عبر تسلسل وظيفى ولا يأتى أحد من خارجها أبدًا؟


من غير المعروف لماذا رحل مَن رحل من الوزراء، ومن غير المعروف لماذا وقع الاختيار على مَن جاء من الوزراء. فهذا شأن الرئيس، ولا أظن أن طريقة اختيار الوزراء جرى فيها أى تغيير من قبل ثورة يناير إلى الآن. ولكن الأمل كان معقودًا على نصوص الدستور التى ألزمت الرئيس بأخذ موافقة البرلمان قبل عمل التعديل وإعفاء بعض الوزراء، وأيضًا قبل إقرار تعيين الجدد. وعلى ما يبدو فإن البرلمان بحاجة إلى وقت أطول كى يتمكن من تفعيل كل سلطاته وممارسة اختصاصاته وتطوير أدائه، كى يلعب الدور المنوط به دستوريًّا، ألا وهو حسن تمثيل الشعب فى مراجعة أعمال السلطة التنفيذية، وفى متابعة إجراءات التعيينات فى مناصبها الكبرى.
 
ولقد جرى العرف أن الوزراء فى مصر ليس لهم حضور سياسى، وهم فى الأغلب وزراء من نوعية الوزراء الفنيين، وأغلب الظن أن أهم ما يميز الوزراء ليس الفطنة السياسية ولكن الذكاء الاجتماعى، بمعنى أن الوزير الذى يفهم كيف يخاطب الجماهير بما يرضى القيادة السياسية فإن هذا النوع هو المرغوب فيه، لاحظ مثلًا كيف أصبح الوزراء جميعًا يقولون على الشعب أو الجماهير «أهالينا» بعد أن استعملها الرئيس أكثر من مرة. 
 
مربط الفرس فى موضوع التغيير الوزارى أنه من نوعية تغيير مدير سابق تكنوقراط بمدير لاحق تكنوقراط، لعل المدير الجديد يكون أشطر من المدير السابق. والجديد هذه المرة فى حقيبة وزارة السياحة، فلأول مرة تتولَّى سيدة المنصب، وهى الدكتورة رانيا المشاط، لكنها ليست من مجال السياحة ولكن من المجال المصرفى. لذلك يمثّل اختيارها علامة استفهام! هل هو دخول للعمل الوزارى عبر بوابة السياحة ثم تتحول إلى مجال خبرتها الذى هو التعاون الدولى أو الاستثمار؟ أما عن وزارة التنمية المحلية، فإنها تعتبر الوزارة الأكثر غموضًا فى كل الوزارات، لأنها مسؤولة عن كل المحافظات، ولم يبزغ فيها نجم أى وزير من قبل بدرجة كبيرة، لكن هذه المرة يأتى إليها رجل بوزن اللواء أبو بكر الجندى. وهو له باع طويل فى العمل العام عبر جهاز التعبئة العامة والإحصاء. ولقد انتهى الجهاز من عملية تعداد السكان التى شملت تحديث بيانات المواطنين، كما شملت بيانات أخرى عن العقارات.. إلخ، وهو رجل مهتم بالإصدارات الإحصائية التى تمثل كنزًا للمعلومات عن مصر، فهل تؤهله خلفيته من جهاز التعبئة العامة والإحصاء لحسن إدارة ملف المحليات؟ على كل حال نتمنى له وللدكتورة رانيا المشاط كل التوفيق. 
 
ومع التعديل الوزارى الجديد، نعيد طرح قضايا تقليدية لا نجد إجابة عنها وتستمر كأسئلة مفتوحة عبر الرؤساء، ونركز على قضيتَين، الأولى عن عدد الوزارات، فإذا كان الوزراء كلهم تكنوقراط دون وجود وزير سياسى، فلماذا لدينا كل هذا العدد من الوزارات؟ لماذا وزارة للسياحة وأخرى للطيران؟ لماذا وزارة للطرق وأخرى للمواصلات؟ لماذا وزارة للتعليم وأخرى للتعليم العالى؟ لماذا وزارة للتنمية المحلية وأخرى للتنمية الإدارية؟ لماذا وزارة للاستثمار وأخرى للصناعة؟ لماذا وزارة للزراعة وأخرى للرى؟ ولماذا وزارة خارجية وأخرى للتعاون الدولى؟.. إلخ من هذه الثنائيات المرتبطة أشد الارتباط، والتى ينتج عنها عدد كبير من الوزراء باختصاصات تشبه بعضها البعض! والقضية الثانية القديمة المتجددة هى طبيعة الوزراء، فمتى يصبح لدينا وزير سياسى؟ والفرق بين التكنوقراط والوزير السياسى، أن الأول وزير فنى، بينما الثانى وزير سياسات. فبينما يصرف الذهن إلى أن التكنوقراط هو الأجدر بالمنصب نتيجة لتخصصه، نجد أن أكثرية الوزراء، إن لم تكن أغلبيتهم المطلقة، يأتون من خارج الوزارات، فلماذا إذن لا يأتى وزير سياسى؟ لاحظ أن الوزارات التى يُضرب بها المثل فى العمل المنضبط مثل الدفاع والداخلية والخارجية والكهرباء والبترول.. إلخ، يأتى وزراؤها عبر تسلسل وظيفى داخلى ولا يأتى أحد من الخارج عليهم «أبدًا»! بل إن فى بعض هذه الجهات تمتد فترة التسليم والتسلم لعدة أسابيع يعمل فيها المسؤول الجديد يدًا بيد مع المسؤول المنتهية ولايته، فلماذا لا يصبح هذا هو حال كل الوزارات؟ هل قانون الخدمة المدنية الجديد يعمّم هذه الإجراءات على كل الوزارات؟
 
المهم وبمناسبة تصعيد وزير الإسكان كقائم بأعمال رئيس الوزراء، فإننا أولًا نتمنى له التوفيق، كما نتمنى لرئيس الوزراء الشفاء التام، لكن نعيد التذكير بآلية فى منتهى الأهمية، إن وزارة الإسكان كانت من الوزارات التى يشوبها الكثير من أعمال الفساد. والشاهد أن وزير إسكان مبارك لديه قضايا فساد لا تنتهى. فكيف خلال بضعة أعوام تحوَّلت إلى تحقيق كل هذه الإنجازات؟ السر ليس فى الوزير مع كل الاحترام له، ولكن السر فى حالة التوأمة التى جرت بين الهيئة الهندسية ووزارة الإسكان. ثم نعيد التذكير بما رددناه كثيرًا من قبل، لا أمل فى تطوير الصناعة وعمل طفرة دون توأمة بين الصناعة والهيئة العربية للتصنيع. ونفس الشىء بالنسبة إلى التموين، لابد من توأمة بين هيئة الإمداد والتموين ووزارة التموين، فإن الوزارات بحاجة إلى تطوير مؤسسى شامل، يستعصى على جهد رجل واحد مهما كانت كفاءته، بل يعوزه فريق عمل منضبط، وإطار مؤسسى حاكم، ومتابعة لصيقة على كل المستويات التنفيذية، لكى يحدث تطوير فعلى فى عمل الوزارات. وإلى أن ننتبه إلى خاصية التوأمة هذه، فإن الإسكان ستكون أفضل حالًا بسبب الهيئة الهندسية، بينما الصناعة والزراعة والتموين والتعليم.. إلخ، لن يكون لديها نفس الحظ، وقد يقول قائل: وماذا عن الكهرباء؟ والإجابة فى كلمتَين: لقد لعب الخارج عبر الشركات العالمية دورًا كبيرًا فى تطوير ملف الطاقة فى مصر، ولو لم يكن الخارج موجودًا والقوات المسلحة وهيئاتها، فإن أغلب الظن أن ملف الكهرباء كان بحاجة إلى زمن أطول بكثير من أجل التطوير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات