.

أندريه جيد: أُمّى أحبّك جدًّا

Foto

كيف لعبت الأم دورًا فى حياة أندريه جيد؟


نال الكاتب الفرنسى أندريه جيد، جائزة نوبل عام ١٩٤٧، وهو فى الثامنة والسبعين، وقبل وفاته بأربع سنوات. جيد المولود عام ١٨٦٩ لأب أستاذ بالجامعة، وأُم برجوازية متدينة، كانت أعماله أقرب إلى الكلاسيكية، واشتهر بمواقفه المناهضة للاستعمار  وانحيازه إلى اليسار.

كان أحد أبرز كتّاب الإنسانية الذين تركوا بصمة على عديد من كتاب القرن الماضى ومفكريه، وافتتحت بأعماله جاليمار، الدار الشهيرة، أشهر سلسلة عن إبداع العظماء، المعروفة باسم «البلياد». كان أندريه جيد صديقًا لطه حسين، الذى كان بدوره حريصًا على نقل أعماله إلى العربية بمجرد صدورها، ومن دار الكاتب المصرى، أواخر الأربعينيات، صدرت ترجمات أشهرها «الباب الضيق».


لعبت السيدة بول جيد، الأم، دورًا مهمًّا فى وعى جيد الكاتب، وشكلت مراسلاتهما جزءًا حيويًّا من أعماله، وفرضت نفسها على دارسيه، خصوصًا أنها -هذه المراسلات- قد توزّعت على أكثر من مرحلة عمرية، بدءًا من سنوات دراسته الأولى، حيث التحق بمدرسة داخلية.


فى يونيو ١٨٨٠ كتبت إليه:
صغيرى العزيز
«لم أنقطع عن التفكير فيك، أعيش معك الوقت بوقته، أتمنى أن تكون قد استعديت جيدًا، لتفاجئنا بدرجات عالية، ليس فقط فى الواجبات المدرسية ولكن فى السلوك والنظافة. هذا الصباح كان صحوى لذيذًا، يوم جميل، صافى، جلست وأبيك بالحديقة، كان المنظر خلابًا للبيت وأشجار التفاح، لكم أحب هذه النضارة قبل أن تحرقها قيظ الصيف، اليوم ومع وجود الشمس كان للهواء مسٌّ من البرودة المنعشة، هل تصدق، القمح الذى زرعه أبوك فى حالة جيدة جدًّا، لكن كل شىء يبدو ناقصًا.. من دونك».

مراسلات أندريه جيد مع أُمّه خضعت لأكثر من دراسة متخصصة، فقد غطّت أكثر من مرحلة من حياته وتداخلت فى بعض منها، شخصية الابن والكاتب، التى وإن كانت لا تعنى أبدًا وفاقًا مستمرًّا، فإنها تعنى وبكل تأكيد «ونسة» استمرت حتى الرحيل.

كان يحب فيها روحًا وعشقًا للحرية، وأحيانًا كان كما يقول «يستشعرها» دون أن يجزم أنه يعرف شخصيتها جيدًا. فى صدارة عمله الشهير «لو أن الحية لا تموت» عدة سطور تشى بعلاقة بالأم لها خصوصية، تتنوع عبر العمر والمرحلة، لكنها تحتفظ دومًا بشفافية وهدوء، لم يعكرها إلا قلق جارف على صحة أندريه وأمور أخرى تكشفها الخطابات، يقول بعض الدارسين للخطابات المتبادلة، إنهما لم يكونا علاقة اثنين، أم أرملة وابن، بل كائن واحد لا ينشطر، لكنه يحوى تناقضاته، ومعاركه الداخلية، وتساؤلاته، وشكوكه. كان لأندريه جيد ميول مثلية اكتشفها فى رحلة له إلى الجزائر، وهى نفس الرحلة التى اعتلت فيها صحّته إلى درجة أقلقت الأم، سافرت إليه، جزعة، صباح أحد الأيام المبكرة، لمحت «الولد نايل» يخرج منسحبًا من حجرة ابنها، يبدو أنها أدركت ما دفعها للعودة إلى باريس، لتموت بعد أقل من شهر.

يُقال إنها كانت مستودع أسراره.


فى مايو ١٨٩٢، وقد انتقل للحياة والدراسة فى ميونخ كتب إليها:
عزيزتى أمى
شكرًا لخطاباتك الطويلة، ممتن لكل ما تقدمينه لى، وما يمكن أن تقدميه. أصابنى بالأمس أرق طويل، أمضيت الوقت متأملاً، كنت أفكّر وأقارن ما بين العودة مباشرة عقب الامتحان إلى باريس، وبين قضاء متّسع من الوقت هنا، حتى أول يوليو. أعتقد أن لدىّ أسبابًا وجيهة للبقاء، والأسباب الوجيهة لا تحتاج إلى دفوع، فدعى الأسباب تفعل أفاعيلها يا أُمّى. بالأمس مع الهمبرجر، إنهم لا يترددون فى مصارحتى بأى حقيقة تخصّنى، وأنا أمتن للغاية للمصارحة. سوف أتعلم الألمانية، فى الصيف وقد حزمت كتبى الفرنسية واستعديت بالعناوين الألمانية. أنا فى صراع مع الوقت. بالمناسبة أنا أغضب من نفسى، خطابك الأخير لى كان رائعًا، أحس بالتقصير فى كتابتى لك، دائمًا أكتب بإحساس وكأنى أريد أن أتشاجر مع نفسى، لأنى مقصر، أو أننى أكتب لك بأسلوب سيئ. الفترة القادمة سوف أركّز فيها على دروس الألمانية والبيانو، وإليكِ جدولى اليوم:


من ٨ إلى ٨:٣٠ إفطار- من ٩ إلى ١٠ قراءة مع الشاب.. والأمسة ستيدل- من ١٠ إلى ١١ سوف أحلق شعرى- من ١١ إلى ١ بيانو- من ١:٣٠ إلى ٢ غداء- من ٢ إلى... كتابة خطابات وبيانو وجولة فى المدينة- من ٧:٣٠ الى ٨:١٥ عشاء- من ٨:٣٠ إلى ١٠ قراءة ألمانى- من ١٠ إلى ١١:٣٠ تأملات. أنا حزين لأننى لا أقرأ ما يكفى من الألمانية. سوف أعوّض ما فات بالعمل وحدى إلى أن أجد أستاذًا خاصًّا.

يوم الإثنين أخذت درسًا ممتازًا لمدة ساعتين على الفيولين «آلة الكمان». أنا آكل جيدًا، وأعانى فى النوم، والأهم أننى: أحبك جدًّا جدًّا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات