.

الفيلسوف «مارتين هيدجر».. الفيلسوفة «حنة أرندت»: رسائل حب

Foto

كيف جمع الحب بين النازى واليهودية؟ كيف استمرت علاقة الحب الوهّاجة بينهما على مدى عشرات السنين التى تخللتها الانقطاعات والبعد الجغرافى والاضطرابات؟


من «حورية الغابة»..  إلى «قرصان البحر»: من حمل له الربيع دفء القلب قبل أن يحطم قلبه، سيجد لا محالة الخلاص فى خريفه.


هو «مارتن هيدجر» أشهر فلاسفة العصر الذى عاش مشغولًا بسؤال الزمن، وسمى بفيلسوف الوجود، هى «حنة أرندت" الفيلسوفة اليهودية صاحبة أهم مؤلفات القرن العشرين فى الفكر السياسى، والتى اشتهرت بأنها الناقدة لأصول الاستبداد، والتى راح أغلب عمرها فى الفرار من حرب إبادة النازى، لم يكن يجمع بينهما غير «الفلسفة» وعشقها، واختلفا فى المواقف السياسية والأفكار المنظمة لها، ومع ذلك ربطت بينهما واحدة من أكبر قصص الحب حتى فارقا، اتهم هيدجر بموالاة النازية والإسهام فى تصفية اليهودية، على حين، هربت هى اليهودية، من مطاردة النازى إلى أمريكا لتشرف على ترحيل عشرات الأسر والأفراد اليهود من جيتوهات الموت فى ألمانيا النازية إلى أوروبا.. سؤال محير كان وما زال، كيف استمرت علاقة الحب الوهّاجة بينهما على مدى عشرات السنين التى تخللتها الانقطاعات والبعد الجغرافى والاضطرابات، كيف وقد اختلفا فى كل شىء ولم يلتقيا لسبعة عشر عامًا، احتفظ كل منهما، بالشعلة متوهجة فى داخله؟ ماذا أحبت فيه وماذا وجد فيها؟ الأمر الثابت أن «الحب» عند كليهما قد تجاوز المعهود من أبعاد شائعة، وأنهما معًا قد وصلا إلى زاوية فلسفية، تجاوزت المفهوم الغزلى أو الإيروتيكى كما يشيع عند باقى البشر «أنه الحب فى كل نطاق تنوعاته: الإيروتيك، والاندهاش، والوفاء، والخيانة، والشغف، والروتين، والتصالح، والنسيان، والتذكر، وحب العالم.. «هذا ما وصفت به باحثة أتونيا جرونبرج، أمر هذه العلاقة.


أول ما التقيا عام ١٩٢٤، كانت فى الثامنة عشرة، طالبة وقّادة الذكاء، مفعمة الجمال، ذهبت إلى مدينة «كونيكسبرج» لتعلم «إمكانية التفكير» على يد أستاذ، فيلسوف ذاعت شهرته، يحمل إلى جانب رصانة الخامسة والثلاثين، والتزام الزواج وأمر طفلين، توهج الفكر وغزارته وعمقه،  فيلسوف كان على وشك إصدار عمله الرئيسى الذى وضعه فى صدارة الفلاسفة المحدثين، كتابه: الوجود والزمان، الذى أهداه لفيلسوف الظاهرتية الأشهر «أدموند هوسرل»، سحرت «حنة» ببراعة بيان وأفكار هيدجر، شأنها شأن كل طلابه، وكتبت عنه بعدها متذكرة دروسه فى جامعة مربورغ، مشيرة إلى أثره فى تجديد الفكر: «كان يكلم كنوز الماضى التى كنا نظن أنها اندثرت» لكن شيئًا ما أضيف، شىء ما زاد، هو ذلك الشعور بأن قلبها قد تمّ أسره، ولم يعد يقبع مستكينًا فى صدرها، وأنه قد كُتب على هذا القلب أسر لن يتحرر منه إلا بالموت.  


أول رسالة حب بين القلبين كانت فى فبراير ١٩٢٥، وما عثر عليه بعد ذلك حوالى سبعين رسالة،  فى رسالته الأولى يتبدى «الحومان» الخجل، كأى محب يسعى إلى قنص الاهتمام، متدرجًا، عارضًا عليها وهى تلميذته، «علاقة بسيطة، صافية» ومؤكدا أنه «وإن لم يكن من حقه الاحتفاظ بها لنفسه، إلا أنه واثق أنها لن تخرج أبدا من حياته» وقد كان.


استمرت رسائل العاشقين، الفيلسوفين، هيدجر وحنة، متوارية فى أضابير الأرشيف الألمانى، فى مدينة مارباخ، محتفظة بالمكنون، الذى كان الجميع يعرفه، حتى أتت باحثة تدعى إليزابيث اتينجر عام ١٩٩٥، وكانت تعد كتابًا عن حياة حنة وقررت أن تخرج الرسائل المتبادلة ما بين حنة وهيدجر، وبموافقة ابن هيدجر ويدعى هيرمان، خرجت الرسائل للعلن، ليعرّبها لنا حميد شهاب، ويتيح لقاء العربية، استرقاق الحس قبل النظر، فى أمر واحدة من أكثر علاقات الحب تفردًا، وليتشارك قراء العربية مع بقية الدنيا، اهتمامًا واسعًا، بهذه الرسائل.


كانا مختلفين فكريًّا لأوسع مدى، لكنهما اشتركا فى ضرورة القطع مع التراث الموروث، كل بطريقته،  كانت فيلسوفة مقتنعة بالنموذج الأمريكى فى السياسة وقتها، كانت ترى ضرورة نزول الفكر إلى الأرض واهتمامه بالإنسان كإنسان فى ضعفه ومحنه وتجاربه، وكان هو شغوفًا بإيقاظ الخطاب الفلسفى من براثن الميتافزيقا، أطلق عليها فى رسائله «حورية الغابة»، وأسمته قرصان البحر،  كانت تفر منه، شأنها شأن أى أنثى، لتثير غيرته، لكن سرعان ما كانت تعاود المجىء، وأرادت أن تثير غيرته مرة فأخبرته هى نيتها الزواج، فتمنى لها السعادة! وكان لا يستطيع العيش بدونها، شريطة ألا ينفصل عن الزوجة، التى كانت هى الأخرى لا تعيش له وحده، لدرجة أن أنجبت ابنًا ثانيًا من صديق لها يعمل طبيبًا عام ١٩١٩ ومع ذلك لم يكن قادرًا على التخلص من ارتباطه بهما، الزوجة والحبيبة، افترقا جغرافيًّا، سبعة عشر عامًا انضم خلالها إلى الحزب النازى، وهربت هى من جرائم النازى، ثم عاد، كل منهما إلى الآخر، لتؤكد «سأفقد حقى فى الحياة لو فقدت حبى لك»،  قال هيدجر عن حنة إنها الوحيدة التى فهمته، وفى آخر عمره كتب لها: «لقد دخلت علاقتنا فى المنعرج الخريفى» وكان ردها: «إن من حمل له الربيع دفء القلب قبل أن يحطم قلبه، سيجد لا محالة الخلاص فى خريفه».


توفيت حنة فى أغسطس عام١٩٧٥، وبعد تسعة أشهر، فى مايو ١٩٧٦ رحل هيدجر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات