عندما تعلم الناس الكلام.. ومن ساعتها ما سكتوش

Foto


شوية سكوت.. هذا هو كل ما يحتاجه البنى آدم منَّا ليحصل على نصيبه اللى متشال فى السما باسمه من الاتزان النفسى ووضوح الرؤية.. شوية سكوت يستطيعون إصلاح ما أفسدته الكلمات الكثيرة التى قالها البشر على مر كل تلك الأزمنة والعصور المختلفة التى عاشها كوكبنا الأرضى العزيز منذ بدء الخليقة وحتى اللحظة التى تقرؤون فيها تلك الكلمات.. شوية سكوت يُعيد فيهم البنى آدم حساباته مع نفسه ومع كل ذلك العدد الرهيب من الكلمات والجمل التى نطقها على مدى سنين عمره.. شوية سكوت يسأل فيهم البنى آدم نفسه تلك الأسئلة المؤلمة: هل كان من الضرورى أن أقول كل تلك الكلمات التى قلتها؟! هل كان من الضرورى أن أشترك فى كل تلك الحوارات والنقاشات حول أشياء لا تفيد فيها الكلمات فى شىء؟! هل تلفظت بالكلمات المناسبة فى الزمان والمكان المناسبين؟! كم كلمة قلتها جعلتنى أكسب الكثيرين فى صفى.. وكم كلمة قلتها جعلتنى أخسر آخرين؟! كم كلمة من ضمن الكلمات التى نطقتها على مدار عمرى كانت تعبر عنى وعن آرائى الحقيقية بالفعل؟! وكم كلمة قلتها وخلاص.. من منطلق أنه الكلام مش بفلوس؟!

بعد أن نولد ونجىء إلى تلك الدنيا يبذل أهلنا معنا مجهودًا كبيرًا حتى نتعلم الكلام ونستطيع التحدث.. والكوميدى فى هذا الموضوع أننا بمجرد تعلم الكلام لا نكف عنه.. ولأن العُرف قد جرى على أن من يتكلم مع نفسه يعتبر مجنونًا، لهذا، اعتدنا نحن معشر البشر على أن نتكلم مع بعضنا البعض حتى لا يتهمنا أحد بالجنون، بينما رأى البعض الآخر أن اتهامات الآخرين لهم غير ذات جدوى، ولا تعنى بالنسبة لهم أى شىء على الإطلاق، وقرروا أن يتكلموا مع أنفسهم زى ما همه عايزين، ويفتحوا موضوعات للمناقشة تحتوى على الرأى والرأى الآخر.. وهؤلاء هم من ترونهم فى الشارع، ثم تمصمصون بعدها شفاهكم وتقولون بشفقة بينكم وبين أنفسكم: «مساكين.. ربنا يشفيهم»!
الكلام.. كان من أهم المشاكل الحيوية التى واجهت «توم هانكس» فى فيلم «Cast away».. بعد أن وجد نفسه معزولًا ووحيدًا على جزيرة نائية، لهذا، كان لزامًا عليه أن يقوم بحل الأزمة.. ذلك الحل الذى جاء متمثلًا فى كرة بيسبول أخذ طوال الفيلم يتحدث معها.. كانت كرة البيسبول هى رفيقته الوحيدة التى يمكنه أن يتجاذب معها أطراف الحديث، وتصاعدت دراما العلاقة بينه وبين الكرة للدرجة التى جعلتنا نحزن، ونسمح للدموع بأن تترقرق فى أعيننا، ونسمح لجسمنا بأن «يأشعر»، بعد أن ضاعت الكرة، وتدحرجت من فوق صخرة عالية لتضيع وسط أمواج المحيط.. لنكتشف بعدها أن حزن «توم هانكس» وحزننا لم يكن بسبب ضياع الكرة فى حد ذاته، وإنما كان بسبب ضياع فرصة الحديث والكلام مع شىء ما، حتى ولو كان كرة بيسبول.. وفى هذا الصدد، لا يجب عليكم أن تنظروا إلى توم هانكس على أساس أنه مجنون، فتلك كانت فرصته الوحيدة ليؤكد لنفسه أنه لا يزال على قيد الحياة!
شوية السكوت الذين أحدثكم عنهم والذين ينبغى على البنى آدم الراشد العاقل منَّا أن يسكتهم قليلًا هم السبب الرئيسى فى جعل ذلك الاعتقاد يترسخ بداخلى وينمو ليتحول مع الوقت إلى قناعة كاملة بأنه من حقى إذا لم أرد الدخول فى نقاش معين لا يعنينى فى قليل أو كثير أن أمتنع عن الكلام.. وأنه من حقى إذا أوقعنى حظى العاثر فى سائق تاكسى رغاى وأراد فتح أى قناة من قنوات أى حوار لا يعنينى أو يلزمنى أو يخصنى.. من حقى أن أنظر له بملامح ثابتة ومتحجرة وأخبره بمنتهى التحضر بأنى: «مش عايز أتكلم دلوقت».. هذا حق بشرى وإنسانى ورئيسى لأى بنى آدم على وجه الأرض.. حق إنسانى على من يفرط فيه أن يدفع ثمن تفريطه هذا صاغرًا.. ما هو الثمن؟! إنه دماغك.. فأنت لست مطالبًا أبدًا بالاستماع إلى ما لا تود الاستماع إليه.. وأنت أيضًا لست مطالبًا أبدًا بقول ما لا تود قوله.. وفى حالة تخليك عن هذا الحق الذى منحتك السماء إياه، سوف تكون أشبه بمن تخلى عن دماغه، وسابها للناس تاكلها!
يقول العم «جبران خليل جبران»: «فى الحقيقة.. إننا إنما نتحدث إلى أنفسنا.. غير أننا أحيانًا نرفع صوتنا حتى يسمعنا الآخرون»!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات