.

التطبيع ينتقل من مرحلة الدعوة والترويج إلى ترسيخ المصالح والتحالفات

Foto

كيف كانت موافقة الدولة المصرية على الصفقة حاضرة منذ اللحظة الأولى؟ مَن المستفيد الأكبر اقتصاديًّا وسياسيًّا من الإعلان عن الاتفاق الأخير لتصدير الغاز؟


أثار الإعلان عن اتفاق تصدير الغاز المستخرج من حقلَى «تمار» و«ليفاثيان» إلى مصر عبر اتفاق بين شركات إسرائيلية ومصرية، موجة واسعة من النقاش والجدل حول تفاصيل وأسباب وآثار تلك الصفقة التى رغم كونها من حيث الشكل الرسمى اتفاقًا بين شركات خاصة، فإنها فعليًّا لا يمكن أن تعقد أو تتم دون موافقات ضمنية مباشرة من الدولتَين، كما أن آثارها تتجاوز الحدود الاقتصادية والتجارية لما هو أبعد كثيرًا، خصوصًا فى ظل تشابك وتداخل ملف ثروات الغاز فى المنطقة مع غيره من الترتيبات السياسية والتحالفات الإقليمية بشكل عام.

البداية بالتأكيد لم تكن من الإعلان رسميًّا عن الصفقة بين شركتَى «ديليك» الإسرائيلية، وشريكتها الأمريكية «نوبل إنرجى»، مع شركة «دولفينوس» المصرية المشارك فى ملكيتها كل من علاء عرفة أحد أبرز الأسماء فى مجال التطبيع الاقتصادى مع الكيان الصهيونى وأحد كبار المستفيدين من اتفاقية الكويز، وإنما تعود عمليًّا إلى سنوات ماضية من خلال الحديث عن توسيع اتفاقية السلام والدعوة للسلام الدافئ، وغيرها من التصريحات والمواقف التى كشفت بوضوح عن حقيقة التوجه الرسمى إزاء العلاقات مع إسرائيل.. ومن حيث الجوهر فى ما يخص قضية استكشافات الغاز إلى نتائج البحوث التى أجرتها الجمعية الأمريكية للجيولوجيا عام 2010 فى منطقة شرق المتوسط التى أشارت إلى أن هذه المنطقة تحتوى مخزونًا هائلًا من الغاز، وحددت الدول التى يمكنها الاستفادة من هذا المخزون، وهى: سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل ومصر وقبرص، ورغم أن تلك البداية تشير مقدمًا إلى اتهامات ترددت على مدى الأعوام الماضية تتعلق بانتهاكات إسرائيلية لحقوق الغاز واستكشافها وثرواتها، فإن مصر تعاملت رسميًّا مع الأمر الواقع كما هو، دون أن نعرف إذا كان للحكومات المصرية المتعاقبة منذ 2010 وما بعدها رأى محدد إزاء مقولات خبراء وباحثين متعددين من بينهم على سبيل المثال لا الحصر نائل الشافعى ورمضان أبو العلا، وغيرهما، ولكن حتى فى تلك الفترة فقد كانت مصر مصدرة للغاز الطبيعى لعدة دول بينها إسرائيل، وهى القضية التى أثارت أيضًا جدلًا واسعًا وقتها وصدرت أحكام قضائية بإلغاء هذه الاتفاقية، ثم تم إلغاء تلك الأحكام، والتى لم تكن وقتها تتعلق فقط بالعلاقة مع الكيان الصهيونى، بل تمتد إلى الفساد فى الصفقة نفسها والأسعار الزهيدة التى يتم بها التصدير، حتى توقف التصدير عام 2012 فى ظل الأزمة الاقتصادية وكذلك التهديدات الأمنية التى شهدت تفجير خط أنابيب الغاز الذى يتم التصدير عبره عدة مرات، وهو ما فتح بابًا لفصل جديد فى قصة قضية الغاز عمومًا وقضية العلاقات المصرية- الإسرائيلية فى هذا المجال خصوصًا، عندما لجأت إسرائيل إلى التحكيم الدولى بقضايا ضد مصر بسبب عدم تنفيذ اتفاقية التصدير، وهى القضايا التى صدر فى بعضها أحكام بالفعل فى عام 2015 بتغريم مصر ما يقرب من مليونَى دولار، وحتى الأسبوع الماضى صدر حكم بغرامة جديدة ضد مصر قبل يوم واحد من توقيع الاتفاقية.
هنا بدأ فصل جديد من فصول القصة، خصوصًا بعد استكشافات إسرائيل لحقلَى «تمار» و«ليفاثيان»، والتى جعلتها تتحول من استيراد الغاز إلى البحث عن فرص تصديره، بينما كانت العلاقات المصرية- الإسرائيلية تشهد عصرًا زاهيًا وغير مسبوق من دفء العلاقات والتعاون على أصعدة مختلفة، ومع ذلك ظلت قضية تسوية مسألة الغرامات المقررة من التحكيم الدولى واحدة من القضايا المطروحة والتى تؤكد مصر أنها أحد شروطها، لبدء أى مفاوضات حول استيراد الغاز الإسرائيلى، وذلك رغم وجود مفاوضات مستمرة واتفاقات مبدئية على مدى الأعوام الماضية ما بين عدة شركات أجنبية عاملة فى مصر وشركات خاصة أيضًا مع الجانب الإسرائيلى بخصوص فرص استيراد الغاز، وهو ما كان معلنًا ومنشورًا.. كما جاء التوجه المصرى لتوطيد العلاقات مع قبرص واليونان بشكل عام، والتنسيق فى ما يتعلق بثروات الغاز والتعامل معها بشكل خاص، مؤشرًا مهمًّا اعتبره البعض فى البداية كارتًا موجهًا ضد إسرائيل، قبل أن يتضح كون إسرائيل طرفًا مدعوًّا لهذا التنسيق والتحالف والمنافع المشتركة فى قضية الغاز.
من هنا، ومع ظهور أفق حل مشكلة احتياج مصر إلى الغاز بفرص الاكتفاء الذاتى من إنتاج حقل ظُهر وغيره من الحقول المستكشفة، ومع التوجه إلى فكرة تحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة واستخدام المزايا النسبية المتاحة لها عن غيرها من دول المنطقة، ليس فقط بما يحققه ذلك من مكاسب اقتصادية لصالح مصر، لكن كذلك بما يضيفه من وزن إقليمى ودولى مهم فى ظل تفاعلات المنطقة، والصراع المتصاعد على ثروات الغاز، وكذلك فى ظل تغيرات واضحة فى خرائط التحالفات الإقليمية فى المنطقة، جعلت من إيران وتركيا أعداء، ومن إسرائيل حليفًا!
لكن.. هل حققت مصر الشروط التى طلبتها قبل أن تدخل فى هذا الملف؟ تظل الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة حتى الآن، فصحيح أن الصفقة التى أعلن عنها مؤخرًا فتحت الباب واسعًا أمام الحديث عن البدء فى تحول مصر فعليًّا إلى مركز إقليمى للطاقة، وصحيح أن هناك اهتمامًا أوروبيًّا شديدًا بتنويع مصادر استيراد الغاز، وهو ما يجعل من مصر إحدى تلك المحطات، فإن الشروط التى كانت مصر قد حددتها من قبل فى ما يتعلق باتفاقات استيراد الغاز مع إسرائيل تحديدًا كانت متوقفة على ثلاثة شروط أساسية، أولها هو موافقة الدولة، وثانيها هو أن يمثل الغاز المستورد قيمة مضافة للاقتصاد المصرى، وثالثها هو تسوية قضايا التحكيم والغرامات المقررة عنها.. فى ما يتعلق بالشرط الأول، ورغم التأكيد فى كل التصريحات الرسمية المصرية أن الدولة ليست طرفًا فى الاتفاق وأنه بين شركات خاصة، وأن الاتفاق نفسه لم يصل بعد إلى الجهات المختصة المتمثلة فى مجلس إدارة جهاز تنظيم سوق الغاز الذى جرى تشكيله مؤخرًا وَفقًا لنصوص القانون الذى أقره مجلس النواب وأصدره الرئيس فى أغسطس الماضى، فإن موافقة الدولة تبدو حاضرة تمامًا بل ومسبقًا، ليس فقط من خلال العلم والاطلاع على تفاصيل المفاوضات والاتفاقات المبدئية التى جرت على مدى السنوات الماضية، بل حتى من خلال إجراءات إصدار القانون المشار إليه، وتشكيل مجلس إدارة الجهاز، وإصدار اللائحة التنفيذية للقانون مؤخرًا قبل أيام من الإعلان عن الصفقة. ثم إن كل تصريحات المسؤولين الرسميين تؤكد أن لهذا الاتفاق آثارًا إيجابية بالنسبة إلى مصر اقتصاديًّا، سواء أكانت فى ما يتعلق بفكرة التحول إلى مركز إقليمى للطاقة، أم من حيث الرسوم التى ستحصلها مصر من استخدام الشبكة المملوكة للدولة، أم الخدمات التى سيحتاج إليها نقل الغاز، أم من حيث العائد من تصدير هذا الغاز إذا تم توجيهه إلى ذلك وتشغيل محطات التسييل فى إدكو ودمياط، أم حتى التخفيف عن الحكومة فى توفير الغاز للمصانع كثيفة الاستخدام لمصادر الطاقة ومنها الغاز.
لكن الشرط الثانى وهو تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المصرى، فهو أمر يحتاج إلى الكثير من المعلومات التى لا تزال غائبة والتدقيق فى تفاصيل الاتفاق التى ليست واضحة بما يكفى بعد، خصوصًا أنه ليس معلنًا حتى الآن مثلًا الطريقة التى سينقل بها الغاز، وهل ستكون عبر خط الأنابيب بين إسرائيل والأردن أم من خلال خطوط أنابيب شركة غاز شرق المتوسط، خصوصًا فى ظل أنباء غير مؤكدة بعد وَفقًا لتقارير صحفية عن مفاوضات تجريها شركتا «ديليك» الإسرائيلية، و«نوبل إنرجى» الأمريكية، مع المساهمين فى شركة «غاز شرق المتوسط»، لشراء حصص المساهمين وامتلاك الحصة الحاكمة فى الشركة، وهو أمر يثير القلق ويجعل إسرائيل الطرف المتحكم فى الخط بشكل كبير. لكن، بالإضافة إلى ذلك فإن التساؤل حول إذا ما كانت مصر جاهزة ومستعدة الآن عبر صناعات البتروكيماويات أو غيرها التى تزيد من الاستفادة الحقيقية من الغاز باعتباره مدخلًا فى صناعات أساسية. أما السؤال الثالث، فهو حول الأسعار، ومقارنتها بما تستورده مصر بالفعل من شحنات غاز حاليًّا، وكذلك مقارنته بالأسعار العالمية لصفقة سوف تستمر لمدة 10 سنوات وَفقًا للمعلن من الاتفاق، وإذا ما كانت هذه الأسعار سوف توفر غازًا بتكلفة أقل للاستخدام داخل مصر، أو ستجعل من السعر منافسًا فى حال التصدير لأوروبا، وما حجم استفادة مصر بالأرقام فعليًّا من مثل هذه الصفقة، خصوصًا مثلًا فى ظل أن نسبة ملكية الحكومة المصرية لمحطات التسييل فى إدكو ودمياط مع شركات أجنبية تتراوح بين 24٪ و20%، وهى كلها أسئلة لا تزال الإجابات حولها غير واضحة أو متضاربة حتى الآن.
أما الشق الثالث من الشروط المصرية، فهو ما يتعلق بتسوية القضايا والغرامات الناجمة عن وقف تصدير الغاز المصرى، وهو ما لا توجد أية معلومة رسمية واضحة من الطرفَين بخصوصه حتى الآن، وإن كانت هناك أنباء تتحدث عن اتفاق سابق قبل شهور بتخفيض قيمة تلك الغرامات إلى حدود 500 مليون دولار، فى مقابل فتح ملف ترسيم الحدود البحرية خلال الفترة المقبلة، وهو ما توجد إشارات له بالفعل خلال الشهور الماضية، وإن كان لا يبدو مفهومًا ولا مستوعبًا إذا ما كانت مصر ستقرر الإقدام على تلك الخطوة بشكل منفصل عن فكرة الصراع الإسرائيلى- الفلسطينى وحدود الدولة الفلسطينية المنتظرة إن جاءت، وكذلك فى ظل النزاع ما بين إسرائيل ولبنان حول الحدود البحرية ومساعى استكشاف الغاز، وهو ما ثارت أحد فصوله من جديد مؤخرًا بعد قرار لبنان بالاتفاق مع عدد من الشركات لبدء التنقيب فى منطقة بلوك 9 التى تنازعها إسرائيل على ملكيتها. وبينما تشير تفسيرات أخرى إلى أن قيمة الصفقة المعلنة تشمل مكاسب أكبر لإسرائيل من الحصول على قيمة التعويضات المقررة لها، وهو ما يعنى أن ذلك كان أحد عوامل تحديد السعر نفسه ضمن الصفقة.
ربما بعقل بارد تمامًا يمكن للبعض أن يقول إن هذا التطور وهذه الصفقة الأخيرة كلها فوائد لصالح مصر، لكن الاحتفاء الإسرائيلى الكبير بالصفقة لا يعكس ذلك فى واقع الأمر، وهو ما يجعل الحساب لا يقتصر على الجانب الاقتصادى فحسب، رغم أنه حتى ذلك يقدم لإسرائيل الكثير، فى ظل ما أكده رئيس الوزراء الصهيونى بأن عوائد الصفقة التى ستدخل إلى خزينة الدولة سوف تستخدم لصالح المواطن الإسرائيلى، وحديثه عن أن (مخطط الغاز) يحقق لإسرائيل مكاسب اقتصادية وأمنية وإقليمية، وهو فضلًا عن كونه استخدامًا سياسيًّا مباشرًا لهذه الصفقة فى تجاوز أزماته الداخلية التى تلاحقه وحكومته، فإنه أيضًا يؤكد الاستفادة الإسرائيلية فى العموم، ليس فقط من حيث جنى أرباح التصدير، بل كذلك من حيث توفير المزيد من إمكانيات البحث والتنقيب والاستكشاف لمصادر جديدة للغاز فى ظل نزاعات وصراعات وعدم وجود حدود واضحة بحريًّا مع سوريا أو لبنان أو فلسطين أو مصر، ثم إنه يقدم حلًّا سحريًّا لإسرائيل بفتح منفذ تصدير الغاز عبر مصر، فى ظل التكلفة المرتفعة للخيارات الأخرى، والتعقيدات السياسية والاقتصادية لاستخدام خط الغاز التركى، فضلًا عن كونه يحقق لإسرائيل خطوة مهمة على طريق ترسيخ فكرة التطبيع الاقتصادى مع دولة رئيسية مثل مصر، وفى وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى ذلك فى ظل موقفها من القضية الفلسطينية وسعيها لفتح باب التطبيع مع الدول العربية بعيدًا عن ذلك.
إذا كانت إسرائيل مستفيدة بكل هذا، فإن ذلك فى ذاته يجعل الأمر محل مراجعة وقلق، ليس فقط لأننا نقدم لها هذه الفرصة التى قد تكون بدائلها أكثر كلفة، بل لأنها تجعلنا أيضًا نسهم ولو بشكل غير مباشر فى المزيد من تغول إسرائيل على حقوق غيرها، وبما فى ذلك الشعب الفلسطينى نفسه، فى استكشاف ثروات الغاز، التى تصب عوائدها لصالح كيان محتل وغاصب لحقوق الفلسطينيين الذين يفترض أن تلك أرضهم وهذه ثرواتهم بالأساس.. ولا نريد العودة هنا إلى الحديث عن تذكير البعض بحقوق مصرية محتملة حتى فى حقول الغاز التى تقوم إسرائيل الآن بالتصدير لنا منها، وهو ما كان مثار حملات صحفية واجتماعات رسمية من قبل دون أن نعرف ما النتيجة سوى أننا الآن نستورد هذا الغاز!
لكن ما هو أكثر خطورة، هو أن مصر حتى إن كانت سوف تستفيد اقتصاديًّا، وهو أمر كما أشرنا بحاجة إلى تدقيق ومراجعة على ضوء معلومات حقيقية وآراء خبراء ومتخصصين، إلا أن مصر يمكنها أن تواصل خطواتها للتحول إلى مركز إقليمى للغاز دون الاضطرار إلى صفقات مع إسرائيل، على الأقل كبداية وعلى الأقل لحين تسوية الكثير من الأمور والقضايا المعلقة، خصوصًا فى ظل العلاقات مع قبرص والحديث عن صفقة غاز وشيكة مقبلة بين البلدين، وكذلك فى ظل وجود اتفاقات مع الأردن والعراق فى نفس المجال.. وبالتالى فالفرص المتاحة أمام مصر تبدو متعددة والخيارات كثيرة وليست مثل إسرائيل فى هذه القضية تحديدًا.
لكن، وهو ما نشير إلى أنه الأخطر، يبدو ذلك اختيارًا من مصر لا اضطرارًا، وتعبيرًا عن رؤية واضحة إزاء العلاقات مع إسرائيل، وتوطيد وتعميق العلاقات معها، والتوغل فى فكرة التطبيع ذات الطابع المصلحى المباشر، وبما يخلقه ذلك لاحقًا من غرس لفكرة العلاقات مع الكيان الصهيونى، وتحولها من مجرد فكرة نظرية إلى مصالح قائمة ومتبادلة وشبكة مستفيدين من تلك المصالح، لن تقتصر لاحقًا على أطراف مصرية وإسرائيلية رسمية أو خاصة، بل ستمتد بعد ذلك لتصبح مصالح دول أخرى عديدة بما فيها أوروبا مثلًا فى حال التصدير إليها، وهو ما يعظم من صعوبة الفكاك من تلك الارتباطات لاحقًا حتى إن جرت تغيرات إقليمية وسياسية، وهى لا تبدو مستبعدة فى ظل خريطة مرتبكة يبدو أنها سوف تظل كذلك إلى مدى ليس قصيرًا، والمؤكد فيها فى كل الأحوال أن إسرائيل لا يمكن أن تنتقل من خانة العدو المحتل إلى خانة الحليف والصديق بمثل هذه الصورة التى يجرى ترسيخها الآن!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات