مَن الرابح من استيراد الغاز من إسرائيل؟

Foto

لماذا تستورد مصر الغاز من إسرائيل بينما لدينا حقول كبرى واحتياطات تفوق ما لدى إسرائيل من الغاز؟!


 

أرسل إلىَّ أحد الأصدقاء صورة من صحيفة «الجمهورية» عدد الجمعة ١٢ مايو ١٩٦٧م الموافق ٢ صفر ١٣٨٧هـ، بها عنوان قديم لكنه مثير جدًّا، ويبدو أنه متصل بما نعيشه هذه الأيام.
فعنوان الصفحة الرئيسية يقول بالبنط الأحمر «دخلنا البترولى سيكون أكبر من دخل السعودية وليبيا»، ثم بالبنط الأسود «إنتاجنا سيتضاعف ٤ مرات عام ١٩٧٠ بعد ظهور البترول بغزارة فى خليج السويس والدلتا وسيناء».
والرسالة واضحة، صديقنا يبعث إلىَّ برسالة من قصاصة جرنال سابق عن النكسة بأيام قليلة، تتحدث عن الطفرة الكبيرة فى مجال البترول التى لم تتحقق، بل جاءت بعدها الهزيمة.
وبغض النظر عن دوافع صاحبنا التى تبدو انهزامية، نتناول الموضوع القديم ليس من زاوية الانهزامية ولكن من زاوية ما حدث بالفعل. ألم تسرق إسرائيل بترول سيناء لسنوات واستفادت منه استفادة كبيرة على حساب مصر؟ ألم تنتصر مصر وتستعيد بترول سيناء الذى كان يغطى استهلاك الجانب الأكبر من احتياجات الدولة من الطاقة، حتى زاد العدد وارتفعت معه احتياجاتنا من الطاقة بطريقة كبيرة؟
الفكرة أن استدعاء الماضى عن طريق اقتطاع جزء منه دون استدعاء باقى الصورة ليس طريقة أمينة فى الاستدلال بالماضى، بل عملية هندسية لاستخدام جزء من الصورة لتشويه الماضى، وفرملة المستقبل. وهذا ما يطلق عليه إعادة هندسة التاريخ لخدمة المصالح!
ولمَن يريد استدعاء الماضى بإنصاف عليه أن يأتى به وبسياقه، فكم كان تعداد شعب مصر فى 12 مايو سنة 1967؟ وهل نقَّبت مصر عن الطاقة فى البحر الأحمر، أم ظل حبيس الصراع العربى- الإسرائيلى؟ ومن بعده غياب تعيين وترسيم الحدود البحرية المصرية- السعودية التى تمت عام 2016 فقط. ألم تقم حرب فى 5 يونيو سنة 1967 عطَّلت أحلام جيل كامل من المصريين حتى استطعنا الانتصار فى 1973 واستعادة كامل الأرض بعد سنوات من التفاوض الصعب؟
الغاز الطبيعى ليس مثل البترول، وظروف استخراجه وطرق نقله وبنيته التحتية ليست مثل البترول. صحيح أننا نتكلم عن مصدر طاقة يستخرج من الأرض، لكن طبيعته تحتم أمورًا أخرى فى التعامل معه مختلفة عن البترول.
وقبل الاستكمال لابد أن نرسل بتحية واجبة لمَن قام على البنية التحتية لصناعة الغاز الطبيعى فى مصر «قبل ثورة 2011»! فليس من الإنصاف الحديث عن الغاز الطبيعى وكأن بنيته التحتية قد وجدت مرة واحدة هذه الأيام. وعلى الرغم من أن لنا موقف من الرئيس مبارك، والوزير سامح فهمى وزير البترول الأسبق، فإن هذا لا يعنى عدم الإنصاف، فالأولى هو إعطاء كل ذى حقٍّ حقَّه. وللإنصاف نقول: لولا البنية التحتية التى قام بها مبارك والوزير سامح فهمى فى مجال الغاز الطبيعى، لتأخرت إنجازات اليوم فى مجال الغاز الطبيعى سنوات إضافية! فهل كنا نقوى على المنافسة الإقليمية واستباق مشروعات تركيا وإسرائيل لنقل الطاقة من المتوسط إلى أوروبا؟ لا أعرف فى الواقع.
وعلى كل حال، نحن فى واقع جديد الآن، فمصر تمتلك البنية التحتية اللازمة لتسييل الغاز وتصديره، وما قامت به الحكومة الحالية هو إنجاز كبير ليس فى مجال تسييل الغاز، ولكن فى مجال التنقيب عنه، واكتشاف حقوله، ونقل الإنتاج من المتوسط إلى محطات التسييل، تمهيدًا لتصديره.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال بديهى: لماذا تستورد مصر الغاز من إسرائيل بينما لدينا حقول كبرى، واحتياطات تفوق ما لدى إسرائيل من الغاز؟ والإجابة ليست مباشرة كما يظن البعض، فلقد سمعنا مقولات بأننا نستهلك غازهم، بينما نحافظ على الاحتياطى المصرى. وقد يكون هذا صحيح، لكن هذا جزء ضئيل من الواقع، فإسرائيل اتفقت على توريد 64 مليار متر مكعب غاز على 10 سنوات من احتياطات لديها تفوق 7 تريليونات متر مكعب غاز. وهذا لا يعتبر استنزافًا أو استهلاكًا كبيرًا فى الواقع!
لكن المغزى الحقيقى من الجول الذى أحرزته مصر والذى أشار إليه الرئيس السيسى، هو أن إسرائيل وتركيا عقدتا اتفاقًا مشابهًا فى منتصف عام 2016، لكنه لم يكتمل، ثم تحول إسرائيل إلى محطات تسييل الغاز المصرية! لماذا؟ هل لأننا مستعدون وتركيا غير مستعدة؟ هل لأن الطريق من حقول شرق المتوسط إلى مصر آمن، بينما مرور غاز إسرائيلى أمام سواحل لبنان وسوريا وصولًا إلى تركيا يعتبر مسألة غير آمنة؟ لاحظ أن إسرائيل عقدت اتفاقًا مع قبرص واليونان على بناء خط غاز طبيعى تحت المتوسط لتصدير الغاز، لكن أولًا سيأخذ وقتًا! وثانيًا لماذا تبنى خطًّا إضافيًّا بينما تستطيع التصدير عن طريق خط يتم بناؤه الآن بين مصر وقبرص واليونان، أسرع من خطها المزعوم؟
هذه المعطيات وغيرها جعلت إسرائيل تنحاز إلى الاتفاق مع مصر على حساب تركيا! وقبل أن نستدعى الحموة العربية التى لا تقبل مثل هذا النوع من التطبيع، تعالوا نتابع حركة الأساطيل والجيوش! فهل ستغامر إسرائيل بإثارة مشكلات مع مصر لتتأخر سنوات طويلة فى مجال تصدير غازها الطبيعى؟ بينما مصر تمتلك قوات وأساطيل ردع بحرية تمكننا من حماية مصالحنا الاستراتيجية فى شرق المتوسط من أية جهة كانت! هذا بالضبط ما أثار حفيظة أردوغان، فلقد عرف أن محاولته للهيمنة على مقدرات الغاز فى شرق المتوسط لن تفلح، والآن أصبح عليه تهديد مصالح إسرائيل والاتحاد الأوروبى قبل أن يمثل أى تهديد على حقول مصر من الغاز فى شرق المتوسط. وإذا كان نتنياهو يستعمل هذا الاتفاق للاستهلاك المحلى للناخب الإسرائيلى، لكى يستعرض ما حققه من إنجاز، فإن الناخب الإسرائيلى سيوقن بعد وقت وجيز أن غاز إسرائيل لا يمكنه الوصول إلى أوروبا إلا عن طريق مصر وليس العكس!
الآن قارن بين نتائج اكتشافات البترول قبل نكسة 67 ونحن فى صراع مفتوح مع إسرائيل، ونتائج اتفاقيات الغاز ونحن نحيد خطر إسرائيل وتركيا معًا بعيدًا عن حقول شرق المتوسط. لذلك تحدث الرئيس عن تسجيل المصريين هدفًا، وهو هدف ممتاز فى الحقيقة، لكن هذا لا يعنى أن حربًا لن تندلع. كل الحكاية أن الأجل سيطول بعض الوقت قبل أن تندلع الحرب الجديدة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات