.

ألغاز صفقة الغاز التى زادتها فرحة إسرائيل تعقيدًا

Foto

لماذا جاء الإعلان على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلى؟ ولماذا تأخَّر الرد المصرى؟ كيف فسَّرت اللجان الإلكترونية هذه الصفقة؟


فى عز فرحة المصريين بافتتاح أعمال حقل ظُهر، ومع انتشاء المسؤولين والإعلاميين الرسميين بأننا سندخل عالم تصدير الغاز قريبًا، ومع بدء تصديق المصريين تصريحات المسؤولين، ربما لأول مرة منذ فترة طويلة، فاجأنا رئيس الوزراء الإسرائيلى بخبر تصدير إسرائيل الغاز إلى مصر!

ألف علامة تعجب وألف سؤال "خبط" فى رؤوس المصريين الوطنيين المحبين لوطنهم، وانفجرت ماسورة التبريرات ما بين منكر لها ومشيد بعبقرية المصريين الذين يجمعون الغاز من السوق، ليعطشوها ثم يبيعونه للغرب الطاق طاقين!
وطبعًا لم يخلُ الأمر من نكد الإخوان الذين ملؤوا مجتمع السوشيال ميديا تهكمات حول المفارقة بين التصدير والاستيراد، ثم بدأ البعض يلوم المصريين على أسئلتهم وغضبهم ولوم كل مصرى استنكر أو سأل عن حقيقة الصفقة كأنه خائن.
بهدوء ودون تشنُّج وتعصب، سؤال للحكومة: المواطن المصرى البسيط المحب لوطنه والذى لا ينتمى إلى أى حزب سياسى أو إلى أية جماعة أيديولوجية، المواطن العادى جدًّا وربما يكون سيساويًّا فى بعض الأوقات.. ماذا كنتم تتوقعون منه عندما تعلن الحكومة الإسرائيلية أنها وقَّعت صفقة تاريخية بتصدير الغاز لمصر؟ (وحط تحت كلمة تاريخية ألف خط)، لأن هذه الصفقة تقدر بمليارات الدولارات التى ستدفعها مصر لإسرائيل. فهل كان المطلوب منه أن يهلل وهو يسمع ألد أعدائه وهو رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، وهو يقول: إن الاتفاق لن يعزز اقتصاد وأمن إسرائيل فحسب، لكنه سيعزز أيضًا علاقاتها الإقليمية، حتى إنه اعتبر يوم الصفقة يوم عيد؟ هل كان على المصريين أن يشعلوا «فيسبوك» حماسًا ويغيروا أغنية السيدة صفاء أبو السعود من «مصر اليوم فى عيد» إلى «إسرائيل اليوم فى عيد»؟ أم كان عليهم أن يتساءلوا ما الحقيقة وأن يغضبوا ويستشعروا الخطر إذا لم يرد عليهم أحد؟
أليس طبيعيًّا أن تثير هذه الأخبار حنق وغضب أى مصرى وطنى، وتسعد فى نفس الوقت كل إسرائيلى؟! فلماذا يتعجب البعض لأن المصريين ما زالوا فى إمكانهم أن يغضبوا؟!
إن كل مَن استنكر هذه الأخبار استنكرها لأنه يحب تراب هذا البلد، ويخشى أن يستغل (أهل الشر) هذه الأخبار، ليثبتوا للمصريين أنهم خُدعوا مرة ثانية، خصوصًا أن الإعلام الرسمى كان يروّج عند افتتاح حقل ظُهر أننا قد حققنا اكتفاءً ذاتيًّا من الغاز، ولدينا فائض كبير جدًّا لتصديره إلى أوروبا، ووقتها فرح المصريون فرحًا يقترب من فرحتهم بالصعود إلى نهائيات كأس العالم.
تخيَّلوا فى عز هذه الفرحة تعلن إسرائيل أن شركة «ديليك دريلينج» الإسرائيلية وقعت عقد لمدة عشر سنوات، بقيمة 15 مليار دولار، لتصدير الغاز الطبيعى إلى مصر، والمسؤول الإسرائيلى الأول يقول إن هذه الاتفاقية ستُدخل المليارات إلى خزينة الدولة، وستُصرف هذه الأموال لاحقًا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين! والمسؤولون فى مصر لا حس ولا خبر.. يعنى إيه؟ يعنى نطقّ إحنا من الغيظ ونكون عرضة لأقوال الحاقدين لحد ما يرد علينا مسؤول؟!
وللعلم، جاء أول تعليق رسمى مصرى بعد يوم من تصريحات نتنياهو وعلى لسان المتحدث الرسمى لوزارة البترول المصرية حمدى عبد العزيز، قال إيه سيادته وقتها؟ قال إن وزارته ليس لديها تعليق على أى مفاوضات أو اتفاقيات تخص شركات القطاع الخاص بشأن استيراد أو بيع الغاز الطبيعي! يا سلام! وهل يتخيل السادة المحترمون الذين يديرون هذا الوطن أن مثل هذه الكلمات المفرغة من المحتوى يمكن أن تكون ردًّا يشبع المصريين تجاه إعلان رسمى من إسرائيل؟!
ثم ما وظيفة الحكومة فى مثل هذه الحالة؟ أليس المفروض أن أية شركة قبل أن توقع أية اتفاقية لتصدير أو استيراد الغاز عليها أن تأخذ موافقة من جهاز تنظيم سوق الغاز، فهل هذه الشركة التى وقعت اتفاقيتها مع شركات إسرائيلية حصلت على الموافقة أم لا؟ وإذا كانت حصلت على الموافقة، كيف يخرج المتحدث الرسمى ويقول إنه لا علم لوزارته بهذا؟! وإذا كانت لم تحصل على الموافقة بعد، فكيف ستُعاقب هذه الشركة على إبرامها اتفاقًا دون علم الدولة الرسمية.
الحقيقة ألغاز كثيرة فى صفقة الغاز، لم يحلها حتى تصريحات الرئيس السيسى، فلا نعرف هل فعلًا حققنا هدفًا بجعل مصر مركزًا لتصدير الغاز أم أننا نستورد لنسد العجز اليومى فى احتياجاتنا للغاز يوميًّا، فإن إجمالى استهلاك مصر من الغاز الطبيعى يبلغ نحو ستة مليارات قدم مكعب يوميًّا، تستحوذ الكهرباء منها على نحو 65 في المئة، وتعوض شركة «إيجاس» الفجوة بين الإنتاج المحلى والاستهلاك باستيراد ما يتراوح بين 800 مليون و1.2 مليار قدم مكعب يوميًّا من الغاز، بإجمالى 220 مليون دولار لنحو ثمانى شحنات شهريًّا، والأمل الآن فى حقل ظُهر إذ تهدف وزراة البترول للوصول إلى إنتاج ما يتراوح بين 6.3 و6.5 مليون قدم مكعب يوميًّا من الغاز، وذلك قبل منتصف العام الحالى، مما سيوفر على البلاد نحو مليار دولار سنويًّا، ثم كانت إجابات الرئيس حول (الجول الكبير) الذى حققناه، لأننا سوف نستورد هذا الغاز لإسالته وإعادة تصديره إلى أوروبا؟
يا ربى، كيف يفهم المصريون هذا مع فرحة إسرائيل ومع تصريحات المتحدث الرسمى لوزارة البترول؟
للأسف الشديد تركتم الشعب نهبًا للشائعات، مما أفقده معنوياته العالية التى اكتسبها بعد افتتاح حقل الغاز، فهو الآن لم يعد يثق فى أية معلومة، فهل استيراد الغاز الإسرائيلى لسد العجز أم لإسالته فى محطات دمياط وإدكو؟ هل سنستهلكه أم سيعاد تصديره إلى أسواق الخارج؟ وهل فعلًا ستستفيد مصر كثيرًا وتصبح مركزًا إقليميًّا للطاقة وصناعات البتروكيماويات؟ أم أن مصر مجرد سوق للمنتج الإسرائيلى؟ وهل مصر فعلًا هى المستفيد الأول من هذا المشروع الضخم، وأن القاهرة هى الوحيدة فى المنطقة التى تملك محطات إسالة للغاز يكاد يصعب بل يستحيل بناء منافس لها؟ أم هو كلام للرد على صدمة نتنياهو؟
الحقيقة لا أدرى ولا أحد يردى، وللأسف سبب كل هذه البلبلة أمران، الأول أن المسؤولين ليست لديهم رؤية واضحة لما يحدث فى المجتمع المصرى، والثانى أننا ما زلنا نفكر بطريقة والعالم يفكر بطريقة مختلفة.
أقولها لوجه الله وللمرة المليون بعد المليون، يا سادة يا محترمين احترموا عقول شعوبكم ليصدقوكم، فوالله العظيم لم يعد الرد الملتوى الذى يحمل أكثر من معنى يؤثر فى الرأى العام، ولم يعد قادرًا على رد الشبهات، ولا دفع الاتهامات.. الشفافية هى الحل. كان علينا شرح فوائد الصفقة للناس بشفافية، وقبل أى أحد، أو على الأقل بعده مباشرة، منعًا للقيل والقال.
ينبغى أن نتوقع أن أعداء مصر والراغبين فى سقوطها والمتوجسين شرًّا من أى تقدم سوف يلاحقون أى مشروع ضخم بالشائعات الكاذبة والأخبار المدسوسة وسوف يدسون السم فى العسل، كى لا يحظى المشروع بحماس المصريين، ولا يحظى المصريون بانتصارات ترفع من روحهم المعنوية وتشعرهم بأنهم يسيرون على الطريق السليم وأن القادم أفضل.. كل هذا لأننا نسير وَفق عقلية إعلامية من ستينيات القرن الماضى، عندما لم يكن للمصريين مصدر للمعلومات إلا الراديو المصرى فقط و«صوت العرب» فى الفترة التالية.
ما لم يدركه المسؤولون هو أن كل طفل صغير لديه هاتف ذكى يمكن أن يكون نشرة أخبار صادقة أو كاذبة حسب مَن يأخذ بزمام المبادرة. إن إهمال الرد الرسمى والاكتفاء والتركيز على اللجان الإلكترونية أمر بشع وخطر وجريمة فى نفس الوقت، لأنهم ردوا دون وعى فورطوا الدولة وأساؤوا من حيث أرادوا أن يحسنوا، وارتدت التصريحات والتفسيرات إلى صدر المجتمع المصرى.
يا سادة، لو كانت تصريحات الرئيس أولًا لفرح المصريون، ولم ينكد عليهم نتنياهو.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات