.

يا خيبتك فى «علمائك» يا مصر

Foto

«القومى للبحوث» يعالج السرطان بالصلاة!


نشرت جريدة «الأهرام» قبل أيام فى باب «دنيا ودين» ما اعتبرته بحثًا علميًّا يفيد أن صلاة الفجر تقى من تصلب الشرايين والأزمات القلبية والسرطان. والأغرب أن الجهة التى أصدرت هذا البحث هى المركز القومى للبحوث، والمفترض بالضرورة أنها جهة علمية مموَّلة من الخزانة العامة للدولة للقيام بأبحاث علمية جادة وحقيقية.

إذا تأملنا الموضوع فإننا ندرك الهوَّة السحيقة التى نعيش فيها، فجريدة «الأهرام» هى جريدة مملوكة للدولة، وهى أكبر هذه الجرائد وأكثرها انتشارًا، وهى -بشكل عام- من ضمن الصحف القومية التى تحصل على أموالنا لتبددها وتخسرها، ورغم ذلك فإن الحجة التى يستمر فى تكرارها الجميع هى أنه يجب أن يكون هناك إعلام مملوك للدولة ويعبّر عن توجهها، معاييره ليست هى المعايير التجارية، وإذا سلمنا بهذا المنطق رغم عَواره من الأساس، فإنه لابد أن نتساءل: هل الإعلام المعبّر عن الدولة هو إعلام معبر عن الدجل العلمى والاحتيال وغياب المنهج النقدى والعلمى؟ هل وظيفة إعلام الدولة أن يسهم فى تغييب الناس؟ وهل من المنطقى أن ندفع أموالنا فى مؤسسات خاسرة ثم بعد أن تتحقق الخسارة المادية تتحقق أيضًا خسارة ثقافية وعلمية بالإصرار على الترويج للدجل؟ لو أننا أمام جريدة خاصة لها معايير تجارية، إذن لَأمكننا القول إن الضرر محصور فى احتقار العلم والترويج للخرافات، أمّا وهذا مدفوع من جيوبنا فإن الأمر تجاوز حده، ويحق لنا هنا أن نتساءل: لماذا تقوم أصلاً جريدة مملوكة للدولة بوضع باب لتسميه «دنيا ودين»؟ وما علاقة الدولة أصلاً بمعتقدات أفرادها؟ ولماذا تصمم على الترويج لمعتقد دينى بعينه وبطريقة تزدرى العِلم بهذا الشكل؟ ومن المعروف أن جريدة الأهرام كانت هى مَن فتحت أبوابها قبل أكثر من عشرين عامًا لزغلول النجار فى صفحة كاملة أسبوعيًّا، والذى أسهم بشكل رئيسى فى تغييب العلم الحديث لصالح العلم الزائف والدجل وخلط المعتقدات الدينية بالعِلم، بروابط ليس لها أى أساس علمى، كما أنها أسهمت فى الترويج لأفكار مشابهة لذاكر نايك، وأسهمت فى الترويج للدولة الدينية عبر كتابات الكثير من كُتابها، ومن بينهم -على سبيل المثال لا الحصر- فهمى هويدى، فهل تواصل الدولة -إذن- حربها على العِلم وعلى مفاهيم الدولة الحديثة بالاستعانة بإعلامها الممول من جيوبنا؟
أما الفضيحة الكبرى فهى الجهة التى خرجت بهذا البحث، وهى المركز القومى للبحوث، فالمركز الذى تم إنشاؤه أساسًا عام 1956، ليكون نواة علمية فى مصر، والذى ينص قانونه على كون الغرض منه النهوض بالبحوث العلمية الأساسية والتطبيقية، وبخاصةٍ ما يتصل منها بالصناعة والزراعة والصحة العامة، والذى يعمل فيه ما يقارب خمسة آلاف باحث، ما بين أستاذ متفرغ، وأستاذ باحث، وأستاذ باحث مساعد، وباحث، وباحث مساعد، ومساعد باحث.. لا يتحرج من الخروج علينا بهذه الترهات التى لا تليق بأى منهج علمى.
ومن حقنا هنا أن نتساءل أيضًا: ما جدوى أن نخصص دستوريًّا 1% من إجمالى الناتج القومى للبحث العلمى إذا كان البحث العلمى فى مصر على هذه الشاكلة الهزلية؟ ولماذا -إذن- لا نوفر أموالنا لما هو أنفع من هذا الهزل؟
المضحك والمحزن معًا هو ما جاء فى متن الخبر عن هذا البحث المزعوم، إذ إننا نجد فى البداية فقرات غريبة تقول: (قال علماء الدين إن الأحكام الشرعية، الغيبية منها والعملية، لها حِكم وفوائد تعود على العبد المؤمن بصفة خاصة، وعلى المجتمع الذى يحيط به بصفة عامة. وقد لا يدرك هذه الحِكم العقل البشرى؛ ولهذا فُرض علينا التسليم من دون أن نقول: «لمَ؟ وكيف؟»، كما قرر هذا كثير من السلف الصالح بناءً على قوله تعالى: «وقالوا سمعنا وأطعنا…»).
وما دام البحث وكاتب الخبر عنه يعتبرون أنهم يناقشون أمرًا غيبيًّا له فوائد لا يدركها العقل البشرى، وأنه عليهم التسليم بها دون أن يقولوا: لمَ؟ وكيف؟ فعن أى بحث علمى نتحدث، إذن؟
ثم ينتقل الكلام إلى الحديث عن أن صلاة الفجر لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وكأن هذا أيضًا كلام علمى مُوثَّق!
أما المهزلة الكبرى فهى طريقة الربط العلمى الواهية، فأحد الباحثين يقول كتدليل: (إن صلاة الفجر فى وقتها تساعد على الحماية من التعرض للأزمات القلبية، وتنظم عمل الهرمونات بالجسم والدورة الدموية؛ نظرًا لأن أعضاء الجسم تكون فى قمة نشاطها عند توقيت صلاة الفجر، ويزداد إفراز الهرمونات، خصوصًا الأدرينالين الذى ينشط جميع أعضاء الجسم، ويحميها من الأورام فى الخامسة صباحًا، ويعمل على تنشيط جميع أعضاء الجسم، وأن هواء الفجر النقى يحمل كمية كبيرة من الأكسجين، والذى يؤدى إلى تنشيط القلب، ويقلل من انقباض الأوعية الدموية، المسبب لارتفاع الضغط، وينظم عمل الهرمونات، ما يساعد على زيادة نسبة السكر اللازم لتنشيط أداء المخ والخلايا العصبية، وما يتبع ذلك من تحسن فى الذاكرة)، وباحث ثانٍ يؤكد أن (جميع هرمونات الجسم يزداد إفرازها فى وقت صلاة الفجر، خصوصًا هرمون الكورتيزون، ومع الاستيقاظ واستنشاق الهواء النقى فى ذاك التوقيت يتعزز عمل الهرمونات)، وباحث ثالث يقول: (إن الاستيقاظ لصلاة الفجر يعين ويحسن من الساعة البيولوجية للجسم، ويجعل الأجهزة المختلفة تعمل بشكل جيد، وتكون درجة الحرارة وقتها غالبًا 36.5 درجة مئوية، وتزداد خلال النهار حتى تصل إلى 37.2 درجة، ويكون الكبد فى أفضل حالاته فى ذلك الوقت).
وعندما نقرأ هذا الكلام لابد أن نتساءل: هل هذا كله هو تأثير الاستيقاظ باكرًا أم تأثير صلاة الفجر ذاتها؟ وأين الرابط بين هذه النتائج، سواء صحَّت أو لا، وصلاة الفجر؟ فكل هذا الكلام ينطبق على الاستيقاظ باكرًا، وينطبق أكثر على الخروج لممارسة الرياضة فى الصباح الباكر، ولا توجد له أدنى علاقة بصلاة الفجر، ما يعنى أن السادة الباحثين لم يتعلموا أسس المنطق ولا قواعد العِلم، ولا قواعد البحث المنهجى، وأنهم بالضبط كمَن يقول: لا تخرج من بيتك لأنك إذا خرجت من البيت قد تصدمك سيارة! إن ما يقولونه -ببساطة- هو دجل والتفاف حول الحقائق العلمية للوصول إلى نتيجة محددة سلفًا، وهو -بالطبع- أمر لا يمُتّ لأساسيات البحث العلمى بصلة.
والمخجل أن هؤلاء الباحثين المزعومين الثلاثة هم أستاذ باطنة وكبد، وأستاذ مخ وأعصاب، وأستاذ جهاز هضمى، وكلهم حاصلون على الدكتوراه، فإذا كان هذا مستوى التفكير العلمى لدى ثلاثة من حاملى الدكتوراه والمتخصصين، فإنه يشبه إقرارًا بأننا متخلفون، لا أكثر ولا أقل.
ويختم كاتب الموضوع بفقرة هزلية أخرى، إذ يقول إن هذا ما قيل من قبَل أطباء مسلمين فى شأن علاقة صلاة الفجر بجسم الإنسان، والله الموفق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وهو -إذن- دون أن يدرى يوضح أن القصة ليست علمًا بل هى مجرد اعتقاد دينى مرتبط باعتقاد هؤلاء (العلماء)، وأنه لا يرقى إلى أن يكون بحثًا علميًّا؛ لأنه ليس مكتوبًا بطريقة علمية، ولا موجهًا إلى العالم، بل هو مجرد سخافات للاستهلاك المحلى.
لو كان المركز القومى للبحوث يحترم نفسه لَوجب عليه التحقيق فى كيفية صدور ورقة بحثية بهذا الشكل المعيب، ولَأحال كل هؤلاء إلى التحقيق، وإذا عجزوا عن إثبات ما يثرثرون به بطريقة علمية كما هو متوقع، لَوجب فصلهم احترامًا للعلم وللبحث العلمى ولمناهجه، ولما كان هذا لم يحدث فإننا -ببساطة- يجب أن نقول: يا خيبتك فى علمائك يا مصر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات