.

التعديل الوزارى.. طبخة جديدة على طريقة «الحكومة دى جديدة»

Foto

لماذا لجأ التعديل إلى شخصية اقتصادية لقيادة وزارة السياحة وليس لأحد من أبناء القطاع؟ متى يتم تغيير رئيس وزراء وتعيين جديد بقرار من البرلمان؟


حمل التعديل الوزارى الأخير لحكومة شريف إسماعيل عددًا من المفاجآت والألغاز، بعضها يبدو حلّه صعبًا للغاية، وبعضها قد يكون من السهل استنتاج أسبابه.
 
من أبرز المفاجآت كان تولى الدكتورة رانيا المشاط وزارة السياحة، وهى مفاجأة لأسباب مختلفة، منها أنها المرة الأولى التى تشغل فيها سيدة المنصب، ومنها عدم وجود رابط مباشر بين عملها وتخصصها الاقتصادى وبين حقيبة السياحة؛ ولهذا فإن الساعات الأخيرة قبل إعلان التعديل، التى ظهر اسمها فيها كمرشحة لمنصب وزارى، توقعت أن تأتى لحقيبة الاستثمار وليس السياحة، ومنها أنها كانت تشغل منصبًا رفيعًا فى صندوق النقد الدولى لمدة ثلاث سنوات، لم تقضِ منها سوى عام ونصف العام، أى أقل من نصف المدة، ومنها أنه كان يشاع أنها على خلاف مع محافظ البنك المركزى طارق عامر، إذ غادرت منصبها بالبنك كوكيل المحافظ للسياسات النقدية بعد توليه منصبه بشهور قليلة.
 
على أنه يمكننا مع ذلك استنتاج حلول لهذا اللغز، فـ«المشاط» تعتبر فعلاً من الكفاءات الاقتصادية، ليس فقط من الناحية النظرية، فهى تتمتع بخبرة عملية كبيرة بالنظر لعملها لمدة 11 عامًا فى موقع مسؤول تنفيذى مهم كوكيل محافظ البنك المركزى للسياسات النقدية، فى فترة مضطربة للغاية، شهدت -أولاً- الأزمة الاقتصادية العالمية، ثم ثورة يناير ثم حكم الإخوان وثورة 30 يونيو، كما أنها ليست المرة الأولى التى يتم فيها اختيار اقتصادى لوزارة السياحة، فالدكتور فؤاد سلطان كان اقتصاديًّا أيضا وشغل المنصب لثمانى سنوات بين عامى 1985 و1993، وكان معروفا بكونه من أوائل الوزراء الذين دافعوا عن الخصخصة ومميزاتها بحكم معرفته الاقتصادية، وبالتالى فإنه من الممكن أن يكون اختيارها جاء عن اقتناع بأن إدارة الملف تحتاج إلى عقلية اقتصادية وليس لأصحاب الخلفيات السياحية والتجارية فقط، كما حدث مع آخر أربعة وزراء تولوا المنصب فى السنوات السبع الأخيرة، وهم يحيى راشد وهشام زعزوع وخالد رامى ومنير فخرى عبد النور، كما أنه سواء أكان هناك فعلاً خلاف مع طارق عامر أم أن ذلك كان مجرد شائعة ارتبطت بتوقيت رحيلها، فإن الأمر ليس مهمًّا لهذه الدرجة فى قرار اختيارها وزيرة.
 
وهناك عوامل أخرى مهمة تفسر اختيارها، فهى -أولاً- شخصية طموحة سياسيًّا، وهو ما ظهر بوضوح فى السنوات الأخيرة عندما بدأت تكثف من ظهورها الإعلامى فى المحافل الاقتصادية خصوصًا. على سبيل المثال؛ كتبت مقالاً لجريدة مصرية واسعة الانتشار قبل أربع سنوات، وأكثرت من ظهورها فى التجمعات الاقتصادية، كاليورومنى أو دافوس أو شاشات القنوات الاقتصادية، كما ظهرت عنها ريبورتاجات فى صحف اقتصادية متخصصة ناطقة بالعربية والإنجليزية، مُشيدة بخبراتها بشكل واضح، وزاد ظهورها فى الدور المجتمعى؛ مثلاً كعضو مجلس إدارة لإحدى جمعيات المجتمع المدنى التنموية» كما ظهرت فى استفتاءات إعلامية مصرية باعتبارها من الشخصيات النسائية الأكثر تأثيرًا، وظهر اسمها ضمن 38 امرأة مصرية فى كتاب بعنوان «بنات النيل.. سيدات مصر يغيرن عالمهن» صدر عن دار نشر بريطانية خلال أسبوع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون المرأة. ومن اللافت أنها ظهرت إعلاميًّا فى نيويورك لمناقشة الجزء الخاص بها فى الكتاب، والملاحَظ فى كل هذا الظهور أنه كان يزداد كثافةً بشدة مع اقتراب التغييرات السياسية أو التعديلات الوزارية.
 
وثانيًا، فإنها استلمت عملها للمرة الثانية فى صندوق النقد الدولى كمستشار كبير الاقتصاديين بالصندوق، فى أول أغسطس 2016، بعد عدة أشهر من قبولها للمنصب وتقديمها إجازة من عملها بالبنك المركزى. ومن الممكن استنتاج أنها أسهمت، ولو بشكل غير مباشر، فى دفع جهود إقناع الصندوق بالسياسات الاقتصادية المصرية، خصوصًا فى تلك الفترة الحرجة التى سبقت قرار التعويم وقرض الصندوق، ثم التى تلتها مباشرة، خصوصًا أنها لم تكن وجهًا جديدًا، فقد كانت عضوًا بفريق التفاوض على برنامج الإصلاح المالى والاقتصادى فى مصر والصندوق كممثل لمصر بين عامَى 2011 و2013.
 
وثالثًا، فإن وجودها فى الحكومة يخدم تحسين صورة الحكومة فى الداخل والخارج، فالحكومة أصبحت تضم ست وزيرات للمرة الأولى فى تاريخها، وهو عامل قد يكون مهمًّا فى الانتخابات الرئاسية كترويج لفكرة دعم الرئيس للمرأة، كما أن وجود شخصية تحظى بالتقدير من خارج مصر هو أمر مهم، سواء للترويج للملف السياحى المصرى خصوصًا، أو للترويج السياسى خارجيًّا عمومًا.
 
اللغز الثانى فى التعديل الوزارى المتعلق بتغيير وزير الثقافة يبدو حلّه سهلاً للغاية؛ بسبب اختفاء الوزير حلمى النمنم، ووقوع الكثير من المشكلات فى عهده، أما اختيار إيناس عبد الدايم فيبدو منطقيا، سواء لشخصها ولكونها تحقق نقاطًا إيجابية لصورة الحكومة كامرأة وكموسيقية، أو لأسباب أخرى، منها كونها أحد أسباب تصعيد الحراك ضد الإخوان فى الشهر الأخير لحكمهم بعد أن أثار قرار استبعادها من رئاسة دار الأوبرا غضب المثقفين وقاد لاعتصامهم، وهو ما يعنى إرسال رسالة تطمينية للمثقفين بإصرار الدولة على مواجهة التطرف بالثقافة، وهى المهمة التى كان من المفترض أن يضطلع بها حلمى النمنم، أو لكونها فعلاً كادت تحلف يمين الوزارة فى حكومة حازم الببلاوى، فى يوليو 2013، وتم إبلاغها ووافقت، ثم تم إبلاغها بالتراجع عن ذلك، فى ما بدا استجابة لضغوطات سلفية من حزب النور آنذاك، أو من المناخ العام، وبالتالى فإن اللغز يمكن حله مرة أخرى من خلال النظر لزاوية انتخابات الرئاسة والصورة عمومًا فى الخارج.
ثالث الألغاز كان مجىء اللواء أبو بكر الجندى، رئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وزيرًا للتنمية المحلية، وهو تعديل غريب لعدة أسباب أيضًا، منها أن الوزير السابق هشام الشريف لم يقضِ سوى 11 شهرًا فى منصبه، وهو خبير فى تكنولوجيا المعلومات، وليس هناك عجلة لتغييره قبل انتخابات الرئاسة واستقالة الحكومة ككل، ومنها أن الوزير الجديد وإن كان قد قام بجهد مميز فى منصبه خلال الأعوام الماضية، التى تصل إلى اثنى عشر عامًا، فإنه لم يسبق له أن عمل بشكل تفصيلى فى مجال المحليات، خصوصًا أن خبرته السابقة على ذلك متعلقة بالعمل فى القوات المسلحة، ومنها أنه تكرار لمنهجية اختيار الدكتور أحمد زكى بدر سابقًا للمنصب، والتى اتضح أن ثمارها لم تكن على النحو المطلوب. 
 
ولكن يمكننا مع ذلك اعتبار أن السبب يرجع إلى غياب التواصل مع المحافظين من جهة، ومع النواب من جهة أخرى، فقد تغيَّب كثيرًا عن الحضور لمجلس النواب، كما تعامل فى بعض المواقف بحدّة مع بعض النواب فى أثناء الزيارات الميدانية؛ لهذا فقد يكون تم استبعاده على عجَل لخلق علاقة أفضل مع النواب قبل الانتخابات، وتم اللجوء إلى مخزن الحكومة الاستراتيجى الدائم من رجال القوات المسلحة والشرطة السابقين، على أن يتم تقييم الوزير الجديد لاحقًا بإبقائه أو استبعاده.
 
اللغز الرابع كان فى بقاء وزير الصحة الدكتور أحمد عماد الدين، وفى تعيين الدكتور طارق محمد توفيق نائبًا له لشؤون السكان، فمن جهة كان أداء وزير الصحة فى العام الماضى بالغ السوء، لدرجة أنه كان من أوائل المرشحين لخسارة موقعهم، خصوصًا بعد الأزمات المتعددة التى شهدتها الوزارة فى ما يتعلق بنقص الأدوية، ومن جهة أخرى فإن قرار تعيين نائب جديد للوزير لشؤون السكان خلفًا للدكتورة مايسة شوقى، أكد مرة أخرى انتصار الوزير فى المعركة، التى استمرت لشهور معها، وانتهت باقتحام مكتبها بشكل غريب قبل شهرين! ورغم أنه كان من المتوقع فى ظل ما جرى أن يتم بالفعل تعيين شخص جديد فى منصب نائب الوزير، فإن اختيار الدكتور طارق مقرر المجلس القومى للسكان، وبقاء الوزير معًا يؤكدان أن قدرة الوزير على البقاء تتجاوز الأزمات والمشكلات لدرجة تبنّى اقتراحاته ومرشحيه بشكل أوتوماتيكى، وهو لغز يصعب التنبؤ بأسبابه.
 
وبعد كل هذه الألغاز فإن اللغز الأكبر هو بقاء المهندس شريف إسماعيل فى منصب رئيس الوزراء، رغم أنه يبدو بوضوح منذ شهور أنه غير قادر على أداء مهام منصبه نتيجة ظروفه الصحية، لدرجة تعيين الدكتور مصطفى مدبولى، وزير الإسكان، قائمًا بأعمال رئيس الوزراء منذ شهرين، فإذا أضفنا أن إسماعيل يبدو أداؤه، منذ توليه المنصب وقبل مرضه، باهتًا، فإنه من الصعب تفسير استمرار بقائه رغم أنه من السهل إيجاد بديل، وأولهم الدكتور مدبولى نفسه.
إلا أننا يمكن أن نعتبر أن الفكرة وراء ذلك هى أن تغيير رئيس الوزراء هذه المرة سيكون أول تغيير لرئيس وزراء فى وجود مجلس نواب منتخب بعد إقرار الدستور الحالى، وبالتالى فإن الرئيس لا يرغب، من جهة، فى أن يكون إبعاد إسماعيل وحكومته بطريقة تشبه الإقالة، ولا يرغب، من جهة ثانية، فى فتح نقاش فى المجال العام أو فى مجلس النواب حول البديل والأسماء ومنح الثقة.. إلخ، ولا يرغب، من جهة ثالثة، فى حرق أى وجوه مستقبلية لحين انتهاء انتخابات الرئاسة، إذ ستقوم الحكومة بتقديم استقالتها تلقائيًّا، وعندها يمكنه اختيار مجلس وزراء يتضمن تغييرات واسعة بعد بدء فترة جديدة.
 
وبشكل عام، فإن التعديل الوزارى الأخير هو طبخة سياسية هدفها تنويم الجميع مغناطيسيًّا لحين انتهاء الانتخابات وظهور الحكومة الجديدة، التى يرغب الرئيس فى تشكيلها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات