.

لمصر ولأمتها لا للأستاذ

Foto

يفصح نيقولا مكيافلى عن غرضه الأساسى من كتابته، وهو الدعوة إلى تحرير شبه الجزيرة الإيطالية من الجيوش الفرنسية والنفوذ الإسبانى والسلطة البابوية



«كان من أهدافهم أن يسقونا الشعور بالمهانة، وأن يترسب هذا الشعور إلى أعماق أعماقنا وساعدناهم وشربنا.. لقد هزمت أمم قبلنا فى معارك، ولكنها لم تعتبر هزيمة معركة خسارة للحرب، طالما أنها تملك إرادتها.. أما نحن فلم نفعل ذلك كانوا يريدون أن يصدروا لنا المهانة وكنا نحن على استعداد، وبشدة، أن نستوردها!».


محمد حسنين هيكل

«الهوان السياسى لا يرده مال»

 

                   
فى الفصل الأخير من عمله الأشهر الأمير يفصح نيقولا مكيافلى عن غرضه الأساسى من كتابته، وهو الدعوة إلى تحرير شبه الجزيرة الإيطالية من الجيوش الفرنسية والنفوذ الإسبانى والسلطة البابوية، وتوحيد إماراتها وممالكها وجمهورياتها المختلفة فى دولة واحدة تتحول إلى رقم أساس إن لم تكن الدولة الأهم فى السياسة الأوروبية، كان هذا الهدف دافع المفكر الفلورنسى المؤمن بأفضلية النظام الجمهورى على نظيره الملكى «كما أوضح فى كتابه الأعمق تعليقات على ليفى» لإهداء «الأمير» إلى أمير فلورنسا حيث كان الشخص الوحيد المؤهل للقيام بهذا الدور فى تلك اللحظة التاريخية، لم يكن مكيافيلى انتهازيًّا يتملق الحكام كما شوهه أعداؤه، وعلى رأسهم الكنيسة التى حرمت كتبه لما تحتويه من أفكار ناقضة لسلطتها ودعوة للتحرر منها، أو منظرًا للديكتاتورية كما حرف فكره الطغاة الذين استغلوا اسمه لشرعنة استبدادهم،  بل إن الرجل نُفى وسُجن وعُذب بعد عودة حكم  المديتشى فى فلورنسا فى أعقاب سقوط التجربة الجمهورية، والتى كان مكيافيلى قد لعب دورًا مهمًّا فيها، بعبارة أخرى لم يكن مكيافيلى «مكيافيليًّا» بالمعنى السلبى لهذا اللفظ وإنما كان مفكرًا سياسيًّا نابهًا، آمن- قبل قرون من أن تصبح الدولة الوطنية الفاعل الرئيسى فى العلاقات الدولية- بالدور المحورى الذى يمكن أن تلعبه الهوية القومية لا الدينية فى تحرير وتوحيد دويلات متفرقة متحاربة فى دولة وطنية فاعلة تعتمد على مواردها الذاتية لتحقيق نهضتها وصيانة استقلالها، وبأنه لا مستقبل للشعوب التى تعجز عن تكوين دولها الوطنية وعن الاعتماد على ذاتها، وبأن مصير هكذا أمم الاستعباد من قبل الآخرين.


كان محمد حسنين هيكل فى مقدمة قلة من العروبيين التى أدركت تلك الحقائق السياسية الجوهرية التى شدد عليها مكيافيلى، فكان منذ مطلع خمسينيات القرن الماضى حتى منتصف السبعينيات أحد المهندسين الرئيسيين لأهم تجربة فى بناء الدولة الوطنية فى تاريخنا العربى، ما عرضه فى محطات سياسية عدة لهجاء القوى الراديكالية –سواء الصادقة منها أو المدعية- التى كانت تبشر بالثورة وبالثورة وحدها كعصا سحرية ستنقل الوطن العربى من طور التخلف إلى طور التقدم دون أن تُعنى -إما تحت تأثير فهم سطحى للطرح الماركسى الخاص باضمحلال الدولة أو لمجرد المزايدة السياسية- بتقديم أى تصور لشكل الدولة التى ستنتج عن هذه الثورة وعن أسسها وسياساتها، والمتتبع لدور الأستاذ فى المرحلة تلك لا يمكنه إلا أن يلاحظ أنه تجاوز بكثير دور «الجورنالجى»، وهو اللقب الذى حمله الأستاذ بكل حب واعتزاز بمهنته حتى رحيله، حيث كان شريكًا لجمال عبد الناصر ليس فقط فى إعداد كتاب «فلسفة الثورة» وغيره من وثائق الثورة السياسية، وإنما فى وضع توجهات الثورة الاجتماعية والقومية وأسس السياسة الخارجية التحررية لمصر الثورة.

لم تكن هذه الشراكة نتاج سعى الأستاذ إلى التقرب من الزعيم طمعًا فى رضائه، وإنما بسبب تلاقى أفكار الرجلين السياسية وانحيازاتهما الاجتماعية وإيمانهما الراسخ بأن هذا النهج هو السبيل الوحيد المتاح لمصر ولأمتها العربية للحرية والتقدم، وهو ما يفسر دفاعه الصلد عن هذا النهج لما يزيد على أربعة عقود بعد رحيل جمال عبد الناصر- أى أكثر من ضعف المدة الزمنية التى قضاها بجواره- على الرغم مما تعرض له بسبب هذا الموقف من محاولات محمومة فاشلة لتهميشه، وحملات تشويه ممنهجة كانت أصدق تعبير عن المثل العربى القائل «رمتنى بدائها وانسلت»، إضافة إلى الاعتقال، وقبل ذلك كله الخروج من الأهرام والذى ربما كان أفدح الأثمان وقعًا على نفسه.


ولا يجوز فصل دور الأستاذ فى تطوير الأهرام من مجرد صحيفة مصرية عادية إلى إحدى أهم المؤسسات الصحفية فى العالم عن جهده فى بناء الدولة الوطنية- دولة يوليو، فرؤية الأستاذ للأهرام ودور الأخيرة فى الحياة المصرية والعربية إبان إدارته لها يتجاوزان رؤية الجورنالجى المهنية الضيقة ودور المؤسسة الصحفية التقليدى. كانت الأهرام فى عهده لبنة فى مشروع بناء الدولة حيث جعلها بمثابة العقل الاستراتيجى للدولة من خلال إصدار دوريات متخصصة مثل السياسة الدولية والأهرام الاقتصادى تغطى بعض المجالات المتعلقة بعملية بناء الدولة والتى توفر لمتخذ القرار معلومات وتحليلات من خارج الدوائر الرسمية، جاء للهدف ذاته تأسيس مركز الدراسات بعد نكسة 1967، كذلك جعل الأستاذ إصدرات الأهرام متنفسًا للكتاب المنتمين إلى محتلف التيارات الفكرية والسياسية المؤمنة بالدولة الوطنية على ما بينها من تباين، والأهم على ما بينها وبين التوجهات الناصرية من اختلاف، ووصل الأمر فى سابقة لم تتكرر إلى حد إصدار دورية معبرة عن تيار سياسى معارض هو الطليعة من مؤسسة صحفية قومية، على الرغم من المسافة الفكرية التى كانت تفصل ما بين الأستاذ والتنظيمات الماركسية المصرية، ويمكن القول إن هذا التوجه للأستاذ لم يكن نابعًا فقط من إيمانه بحرية الرأى وبالحق فى المشاركة السياسية، أو من تقديره للقدرات التحليلية لتلك الأقلام، وإنما أيضًا من إدراكه لأهمية أن تتوفر أمام جمال عبد الناصر مروحة واسعة من التحليلات والتوصيات السياسية المنطلقة من أسس فكرية مختلفة، وهو ما لم يكن يتوفر فى إطار نظام الحزب الواحد القائم فى ذلك الوقت - ليس فى مصر وحدها وإنما فى غالبية دول العالم الثالث- وأيضًا نتيجة لموازين القوى فى دوائر الحكم فى مصر خصوصًا قبل 1967.


وإذا كان عمل الأستاذ فى الأهرام جزءًا من إسهامه فى بناء الدولة الوطنية- دولة يوليو، فإن خروجه منها كان نتاج صدامه مع السلطة الحاكمة فى السبعينيات دفاعًا عن هذه الدولة وليس تعصبًا لصديق رحل أو غضبًا لفقد مكانة، واستمر صدام الأستاذ مع تلك السلطة وداعميها من شيوخ النفط والصهاينة والإمبرياليين لعقود حتى بعد أن تغير رأسها، فالصدام لم يكن شخصيًّا كما زعمت أبواق السلطة، إنما صدام حول مصير وطن ومستقبل أمة، وقد فصل الأستاذ منذ ما يقرب من أربعين عامًا أسباب هذا الصدام فى ما يمكن اعتباره شهادة لم تفقد على الرغم من مرور تلك المدة أهميتها، ليس فقط للتأريخ لمرحلة هدم الدولة الوطنية - دولة يوليو، وإنما أيضا كوصية سياسية وكخارطة للخروج من العواصف الرملية القادمة من نجد قبل أن تطمس ما تبقى من هوية مصر وحضارة وطنها العربى.


 لقد اصطدم الأستاذ مع السلطة وحلفائها الإقليميين والدوليين دفاعًا عن الشعب المصرى والأمة العربية أملًا فى مستقبل أفضل لهما؛ لأنه كان يدرك أن الهدف من الحملة على الدولة الوطنية - دولة يوليو، هو أن يفقد الشعب «الثقة فى كل شىء» بحيث لا يستطيع أن يعيش ويكافح إذا سقطت فى خياله كل المثل، وحذر من أن «الشعب المصرى لا ينبغى تحميله بعقدة ذنب تضاف إلى أثقاله إلا إذا كان مطلوبًا كهدف تقييد حركة الشعب المصرى بعقدة ذنب تصده مستقبلًا عن طلب الحرية الاجتماعية؛ لأن ثمنها على الحرية السياسية باهظ وفادح»، ودفع الجماهير المصرية إلى أن «تسلم إرادتها.. وأن تقبل استغلالها.. وأن تنكفئ وراء أسوار العزلة عن أمتها»، ولعل حالة انعدام الوزن والتخبط وفقدان البوصلة بل والعجز والتشظى والانسحاق التام أمام الغرب والصهاينة ونفط شيوخ الخليج التى تعانى منها الدولة والمجتمع المصرى منذ بدء المفاوضات التى تلت حرب أكتوبر- تشرين - وهى الحالة التى يتم محاولة تعويضها عن طريق استخدام خطاب شوفينى ضد باقى العرب وضد شعوب القارة الإفريقية، أكبر دليل على صحة تحليل الأستاذ للحملة المعادية للثورة ونظامها التقدمى بقيادة جمال عبد الناصر.


ولكن الأستاذ كان واعيًا بأن تحرير إرادة الأمم لا يعتمد فقط على الحفاظ على مثلها العليا، وإنما أيضًا على مدى تماسكها ووحدتها الداخلية، لم يكن الأستاذ ماركسيًّا لكنه كان مدركًا أن الصراع الطبقى إحدى الحقائق الاجتماعية- السياسية وبأنه محرك للتاريخ، كذلك كان الأستاذ متنبها إلى أنه إذا لم يتم حل هذا الصراع سلميًّا من خلال توزيع عادل للثروة والأعباء على مختلف الطبقات مع العمل على سد ما بينها من فجوات، فإن ذلك سيدفع باتجاه انفجاره، لذلك أكد «أن الحكم على أصالة أى حركة وطنية سياسية أصبح مرهونًا برؤيتها الاجتماعية»، وحذر من مغبة ما أسماه «الإباحية الاقتصادية» التى أطلقها الانفتاح الاقتصادى وولع الطبقة المستفيدة منه بالاستهلاك الترفى إلى حد «البذاءة» على تماسك ووحدة المجتمع المصرى، ينطبق هذا المعيار والتحذير على الواقع المصرى اليوم كما فى منتصف سبعينيات القرن الماضى حيث ما زال المجتمع المصرى أسير طبقة الانفتاح الاقتصادى وقيمها، تلك الطبقة التى وفقًا للأستاذ «لا يمكن ائتمانها على قضية من قضايا العمل الوطنى، لا هى مؤتمنة على قضية التراب الوطنى، ولا هى مؤتمنة على قضية التحول الاجتماعى».


لم يكن الأستاذ حريصًا على وحدة المجتمع المصرى فحسب وإنما أيضًا على وحدة مصر مع أمتها العربية، فمصر كما آمن دائمًا «وطن من أوطان أمة عربية لا تستطيع أن تعيش إلا متصلة بها ولا تقدر على ممارسة دورها إلا فى إطار تأثيرها» وإن «دور مصر يجب أن يكون موجودًا فى العالم العربى، سواء اتهمت بالتدخل فى شؤون الآخرين أو لم تتهم.. وفى كل الأحوال فإن مخاطر تدخل مصر أقل من مخاطر سكوت مصر»، وحذر الأستاذ مبكرًا من أن عزلة مصر عن أمتها «لا يضيع دور مصر فحسب، وإنما يضيع مصر كلها» وهو ما كان، بعد أن اتخذت السلطة الحاكمة الاستسلام للولايات المتحدة ولشيوخ النفط نهجًا بديلًا عن التوجهات العروبية التقدمية، جاء الصلح فى 1979 بين رأس السلطة الحاكمة فى مصر وسفاح دير ياسين وتمسك ورثتهما السياسيين به تتويجًا وتكريسًا لهذا النهج، ومرة أخرى وقف الأستاذ معارضًا لسلطة الحكم والنفط والإمبريالية متمسكًا بحق بل بواجب العرب فى مقاومة عدوهم الوجودى الغاصب لفلسطين، ومدافعًا عن المقاومين العرب وعلى رأسهم حزب الله الذى حمل الأستاذ لبطولاته وتضحياته النبيلة تقديرًا خاصًّا، حتى إن المطلعين على تفاصيل لقائه الأول مع السيد حسن نصر الله نقلوا عنه قوله للسيد «سماحة السيد أعرف الكثيرين من قادة وزعماء العالم.. هؤلاء جميعًا أنظر إليهم من فوق إلى تحت.. أنت وحدك أنظر إليك من تحت لفوق»، ولعل الأستاذ لو كان حاضرًا بيننا عندما شارك ممثل الحكومة المصرية فى خطيئة وصم حزب الله بالإرهاب لاستعاد ما كتبه فى موقف مشابه: «ليست هذه مصر، ولا يمكن أن تكون هذه مصر، وهى بالفعل ليست مصر».


اشترك الأستاذ ومكيافيلى فى الإيمان بضرورة الدولة الوطنية وبالانحياز إلى أمتيهما فى مواجهة السلطة الرجعية والاحتلال، وإذا كان حلم مكيافيلى بوحدة إيطاليا قد تحقق ولو بعد قرون من وفاته، فإن واجب كل عروبى أن يحفظ تراث الأستاذ، الذى يعد جزءًا رئيسيًّا من الذاكرة العربية المعاصرة، وأن يتخذ من صلابته مثالًا، لا تكريمًا وإجلالًا للأستاذ، وإنما من أجل غد مشرق لمصر ولأمتنا حلم به وعمل له حتمًا سيأتى ولو بعد حين.


العنوان مستوحى من كتاب «لمصر لا لعبد الناصر» لمحمد حسنين هيكل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات